×
×

عبد المجيد سباطة: كتبت روايات يخاطب الإنسان المغربي من خلالها العالم (1/2)

نزع ثوب المهندس المدني وغاص في عالم الأدب، ملتزما بضرورة البحث والتقيد بالمنهجية في الكتابة: قلب صفحة كارثة ”الزيوت المسمومة” المشؤومة في تاريخ المغرب، وجسر على تقنيات كتابة جديدة يسري فيها السرد في مسارين متوازيين. تحلى بالكثير من الشجاعة الأدبية الحقيقية في حمل جغرافية السرد من موطنه إلى روسيا والولايات المتحدة الأمريكية…

لكل هذه الأسباب، جسد عبد المجيد سباطة في روايته ”الملف 42” بحث الأديب الحثيث عن الفرادة والانكباب على البحث في مآسي تاريخ بلده، لتقديم عمل يحترم ذكاء القارئ، فاستحق الترشح للائحة القصيرة لجائزة البوكر المنتظر إعلان نتائجها في الخامس والعشرين من شهر ماي.      

بهذه المناسبة، نسائل في هذا الجزء الأول من الحوار مع الروائي المغربي الشاب خبايا وحيثيات كتابة رواية ”الملف 42”، كما نمحص اختيارات الكاتب الأدبية ورؤيته في الكتابة. 

 

  •    بداية، نهنئك على ترشيحك للائحة القصيرة لجائزة البوكر عن روايتك ”الملف 42”. فوزك بجائزة الكتاب للمغرب سنة 2018 وترشحك للائحة النهائية لجائزة البوكر يجعلك عمليا من أنجح الروائيين الشباب المغاربة. هل الغوص في عالم الكتابة كان يرمي بالنسبة لك المكافآت والجوائز أم أنه مرتبط بدوافع وأولويات أخرى؟

هدفي الأول كان –وما زال- هو الكتابة ولا شيء سواها، كما أقول دائما، للجوائز دورها الفعال في تحريك مياه الأدب الراكدة، والمساهمة بشكل كبير في توسيع دائرة قراء الأعمال الفائزة أو المرشحة، وهو ما وفرته جائزة المغرب للكتاب لـ “ساعة الصفر”، وترشيح الجائزة العالمية للرواية العربية البوكر ”للملف 42”. لكن الكاتب غير مطالب بوضع الجوائز الأدبية نصب عينيه أو ربما تحويلها إلى هوس أثناء اشتغاله على أعماله الإبداعية.

  •   في روايتك ”الملف 42” قدمت نقدا لاذعا وصريحا لمجموعة من الاختلالات والأعطاب التي تعصف بالمغرب، دون أية تورية أو تلميح، من بينها تعنيف الخادمات، الاستهتار بأرواح المغاربة، وتدمير مستقبل الشباب. ألم تخش الانزياح عن النقد الخلاق وإضفاء نفس سوداوي على الرواية لتوصيف مغرب القرن 21 وما بعد الاستعمار؟

بالعكس، يصعب الفصل أحيانا بين العدمية والواقعية، وقد يكون تجميل القبح جريمة أرتكبها في حق ضميري ورسالتي. أعتقد بأن كل الاختلالات والأعطاب التي تطرقت إليها في رواية الملف 42 موجودة ومعروفة للجميع وليست مبالغة مني أو إمعانا في الخيال. لكن، رغم كل ذلك، أصر على الاحتفاظ ببصيص الأمل.

لا وجود لدستور مكتوب يفرض على المغربي كتابة رواية تدور كل أحداثها في المغرب، كتبت روايات يخاطب الإنسان المغربي من خلالها العالم، ويخاطب فيها العالم الإنسان المغربي،

الدليل على ذلك، تخيل نهايتين مختلفتين لمسار شخصية رشيد بناصر في الرواية، نهاية سوداوية، وأخرى بأمل كبير في مستقبل أفضل.

  •    تقول في روايتك (بتصرف) ”هكذا هي حياتنا…. لعبة شبيهة بمباراة في التنس، قد تطول كثيرا، لكن من يتعب أولا هو من سيدفع بها إلى النهاية”. تشبيه الحياة بمباريات التنس ولعبة الشطرنج والحديث عن مستقبل برشلونة ما بعد ميسي. ما حكاية هذا الوجود المتواتر للرياضات البدنية والذهنية في الرواية؟ هل أردت أن تعكس أن الحياة لا يمكن إلا أن تكون استعارة كبرى لإحدى الرياضات؟

للرياضة حضورها القوي في حياتي، إما من خلال المزاولة المباشرة أو متابعة جديدها عبر العالم. من خلال تفاعلي مع أحداثها وأخبارها، اكتشفت اختزالها لكل معاني الحياة وأسرارها بمفهومها الأوسع. هكذا، وظفت مستقبل برشلونة بعد ميسي للإشارة إلى مفهوم الاتكالية وانعدام التخطيط للمستقبل. تحدثت عن التنس في وصفي لطبيعة العلاقة المعقدة بين زهير بلقاسم ووالديه البروفيسور والمحامية، واستحضرت لعبة الشطرنج بشكل واضح في فصول عدة من العمل، باعتبارها لعبة مخادعة، يخيل إليك لوهلة أنها مجرد رقعة صغيرة من 64 مربعا، ثم لا تلبث أن تتسع لتشمل العالم بأسره.

  •    الحائر بين ”الجريمة العقاب”، حاول فك رموز ”لا طمأنينة” بيسوا معي، ثم قادنا تيه ”مائة عام من العزلة”….”، قد يدل هذا المقتطف وربط أسماء فصول الرواية بروايات كلاسيكية على أن القارئ لروايتك ينغمس في أحداث وشخوص وفصول مرتبطة بالأساس بالكتب والتيمات المرتبطة بها. ألم يعتريك هاجس اتهامك بالتودد للقارئ المثقف وإضفاء طابع نخبوي قد يبعد النص عن وجدان عامة الناس… خصوصا غير المطلعين على نصوص الأدب العالمي؟

أبدا… كان التشجيع على القراءة من بين الأهداف التي وضعتها أثناء اشتغالي على مشروع هذه الرواية. فكرة رواية تقود القارئ إلى التعرف على روايات أخرى. لم يكن الأمر بتلك السهولة المتوقعة، ففي بعض الأحيان، كان البحث عن عنوان رواية يناسب أحداث الفصل، مهمة أصعب من كتابة الفصل نفسه.

يصعب الفصل أحيانا بين العدمية والواقعية، وقد يكون تجميل القبح جريمة أرتكبها في حق ضميري ورسالتي. أعتقد بأن كل الاختلالات والأعطاب التي تطرقت إليها في رواية الملف 42 موجودة ومعروفة للجميع وليست مبالغة مني أو إمعانا في الخيال.

بالفعل، أشار معظم قراء العمل إلى استحسانهم لهذا الحضور القوي لترشيحات القراءة ضمن الأحداث والحوارات، ومنهم من تشجع على البحث عنها وقراءتها، خاصة بطل من هذا الزمان لميخائيل ليرمنتوف ومحاولة عيش للراحل محمد زفزاف؛ الأولى لتأثيرها في مسار حياة زهير بلقاسم، والثانية للعبها دورا محوريا في التحقيق الذي قاد كريستين ماكميلان لكشف أسرار ماضي والدها.

  •    المتابع لأعمالك يعرف أنك لا تجد أي حرج في نقل جغرافية السردية من المغرب إلى البوسنة وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية، رغم كل الانتقادات التي قد توجه لك بسبب ذلك.  ما الدوافع وراء ذلك؟ هل هو إيمان أن الحياة توجد في مكان آخر كما أوحى بذلك كونديرا؟

لا أجد أي حرج في ذلك، لسبب واضح هو قدرة الإبداع على التحرر من كل القيود والحدود، وتمكنه من مخاطبة الجميع. لا وجود لدستور مكتوب يفرض على المغربي كتابة رواية تدور كل أحداثها في المغرب، كتبت روايات يخاطب الإنسان المغربي من خلالها العالم، ويخاطب فيها العالم الإنسان المغربي، ولكنها طريقة فرضتها مواضيع أعمالي السابقة، قد أحافظ على الهدف ذاته في أعمالي اللاحقة، لكن عبر تأليف روايات تدور أحداثها في مدينة واحدة، حي واحد، عمارة واحدة، شقة واحدة، غرفة واحدة، من يدري!

لقراءة الجزء الثاني: عبد المجيد سباطة: لا أعتقد بوجود كاتب مغربي أو عربي يعيش من إيرادات كتبه (2/2)

مواضيع قد تهمك:

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *