×
×

ترجمة الأدب بالمغرب… “خياناتٌ عظمى” للنصّ الأصلي! 1\2

الخيانة ليست “سبة” لعملية التّرجمة ولا “إساءة” لها، وإنّما حقيقة متّفق عليها. ما من ترجمة تغطي النّص بالمطلق وإلا كانت ترجمة حرفية آلية… وهو ما أصبحنا نراه مع بروز بعض “هواة الترجمة” في المَغرب واستِسهالها.

بطل من هذا الزمان لميخائيل ليرمونتوف، الإخوة كارامازوف أو الجريمة والعقاب لفيودور دوستويفسكي، الخيميائي لباولو كويلو، امرأة في حقيبة لرافاييل مونتيز، غيوم تائهة لفوميكو هاياشي، الصّمت لشوساكو إندو… أو إسم الوردة لأمبرتو إيكو.

الأمثلة لا تعدّ ولا تُحصى من روائع الأعمال الأدبية العالمية الخَالدة، التي ليسَ بوسْع غالبية المغاربة، أو الناطقين بالعربية عموماً، قراءتها في لغاتها الأصلية، كالرّوسية والاسبّانية واليَابانيّة… فكانت في حاجة إلى ترجمتها للغة العَربية!

القراء نادراً ما يتساءلون عن جودَة التّرجمة، ولا يدركون الصّعوبات الجمّة التي تجول في مِحراب التّرجمان، أو رهاناته وإخفاقاته، وحتى خياناته العُظمى للنصّ الأصليّ.

مرايانا، في هذا الملف، تحاول فهم أحدَ أكثر مجالات التّرجمة تعقيداً: ترجمة النّصوص الأدبية، بما فيها الروائية أو الشعرية أو المسرحية.

لنحدّثك عن الخيانة

أن نتحدّث عن التّرجمة في علاقتها بالخِيانة، ليس أمرا جديدا، إذ كتب فيها منظرو الترجمة كتابات كثيرة، فخلصوا إلى أنّ الترجمة عموماً هي مندورة للخِيانة.

لكن هذه الخيانة، وفق ما أوضحه سعيد كريمي، أستاذ الترجمة بالكلية متعددة التخصصات بالراشيدية لمرايانا، هي ليسَت بالمفهوم الأخلاقي وإنّما الجمالي.

عندما نتحدّث عن خِيانة النّص، يردفُ كريمي، “فمعنَاه أنّنا طَالما لم نستطع أن نشمل النّص الأول بمعانيه كُلياً، ولم نستطع أن ننقل النص من لغة إلى أخرى ليكون بحذافيره من حيثُ الدّلالة. هنا، يكُون هناك اختِلاف بين النّص الأوّل ونص التّرجمة في زاوية ما… وهنا بالذات تكمنُ الخيانة”.

بالنسبة لكريمي، فإن الإشكال هو نوعية الخيانة ومستواها، فهل يستطيع المترجم الوفاء لروح النص؟

مهمها اجتهدنا في الترجمة، فلن نكون أوفياء مائة بالمائة للنص الأول. إذ لا بد أن يكون هناك مستوى من الانزياح ومن الخرق. وهو ما جعل الترجمة سيرورة وصيرورة في الآن ذاته، تساير النص وتواكبه وتسعى قدر الإمكان إلى الوفاء لروحه ونقله إلى لغة أخرى، بل إلى نسق ثقافي مغاير، يقول أستاذ الترجمة.

الخيانة في التّرجمة الأدبية رهينةٌ بمستويَين أساسَينِ: المستوى الأول من الخيانة هو عندَما نُترجم مباشرة نصّا أولا من لغته الأصلية.

أما المستوى الثاني فهو ما يسمى بالخِيانة المُضاعفة، أي حِين ننقل نصّا من ترجمة إلى ترجمة أخرى، بمعنى أنّنا ننقل بعض النّصوص لا من لغاتها الأولى، وإنما من ترجمتها للغة أخرى.

تغدو هذه الترجمات، وفق كريمي، حَفيدة لنصّ أول… لكن هذا لا ينقص من قيمة شِعرية النّص الأولي، بل يساهم في انتقاله ويجعله يدخُل ثقافات أخرى، حتى بتنا نستعمل مضامين الترجمة “الدّخيلة” في ثقافتنا ونستَدلّ بها.

من زاوية أُخرى، يعضّد هذا الرأي النّظري، المُترجم العِراقي بسّام البزاز، إذ يعتبر أن التّرجمة، بالتّجربة، هي خائنة ونسبية، لأنّها في كثير من الأحيان تفسيرُ ما يقوله المؤلف، لا ترجمته كلمة بكلمة. “بل إنّ النسبيّة شرط من شُروط الترجمة الصحيحة، لأنّ وراء الترجمة عقل حر وإرادة حرّة”.

حسب ما أكده البزاز لمرايانا، بعد ترجمته لرواية ثلاثة نمور حزينة لغيرمو كابريرا إنفانته عن الإسبانية، فإن التّرجمان يلتزم بالنّص قدرما يتفق وقوالب اللّغة العربية؛ حتّى إذا تلوّى وتعرّج، يلجَأ المترجم إلى البدائل التي يمتَلكها.

التّرجمة، بهذا المعنى، ليسَت طاعة لغوية عمياء، بل هي تصرّف حين يتطلّب الأمر، من دُون الخروج عن مراد المؤلف وقصده.

في أوج الإفلات من قبضةِ الخِيانة عند التّرجمة، “تقع الصّعوبة وثقل المسؤولية”، كما يحكي البزاز لمرايانا. “والصّعوبة، بمعنى البحث في القواميس وفهم العبارات والتعابير، هي تحصيل حاصل وجزء من المغامرة والتّحدي”.

أمّا الصّعوبة الحقيقية، بالنسبة للمترجم، فهي رهانُ تقليص حدّة الخيانة وإصابة الهَدف والوصول بالقارئ إلى مُراد المؤلف. هذه هي المسؤوليّة الكُبرى. وهي شبيهة نوعا ما بمسؤولية سائق الحافلة أو ربان السفينة، المطالب بإيصال المسافرين إلى برّ الأمان.

قائد الرحلة، يقول المتحدّث، يعرف مكامن الخطر وأخطار الطريق، لكنّ مسؤوليته تحتّم عليه إنجاز المهمة دون إشراك الرّاكب بالخطر. أمّا الخوف من إيصال المراد، فلا مكان له إذا كان المترجم متمكّنا من عدّته… والخوف من السّهو فيقابله الحرص التام على اليقظة وألا يسهو.

لذلك، يبدو أنّ الخيانة ليست “سبة” لعملية التّرجمة ولا “إساءة” لها، وإنّما حقيقة متّفق عليها. ما من ترجمة تغطي النّص بالمطلق وإلا كانت ترجمة حرفية آلية… وهو ما أصبحنا نراه مع بروز بعض “هواة الترجمة” في المَغرب واستِسهالها.

الشّعر… بين الخيانة والمغامرة!

إذا كانتْ الترجمة، في عمومها، فعلاً لصيقاً بالخِيانة، فإن ترجمة الشعر إلى جانب كونها خيانة، فهي مغامرة، تصل في بعض الأحيان حدّ المُقامرة.

لكل ثقافة خصَائص شعرية مرهونة بها من حيثُ الشكل ومن حيثُ المضمون… لكن، هل نقلُ الشّعر إلى العَربية، يستدعي الانقياد للضوابط الشّكلية للنّص الأوّل مثلاً؟

لعلّ الإجابة عن هذا السؤال توضّح أنّ ترجمة الشّعر هي الأصعب على الإطلاق.

بعد خوضها تجربة ترجمة ديوان أزهار الشر لشارل بودلير، تقرّب المترجمة المغربية سلمى الغزاوي مرايانا من خفايا عملية ترجمة الشّعر تحديداً.

تقول الغزاوي: “كانت تجربة جد صعبة ومرهقة. الجهد المبذول في ترجمة الشعر جد هائل، قد أشبه حِمل الترجمة الشعرية بالحمل السيزيفي. ترجمة نص شعري، كما ينبغي، ونقله للجمهور الناطق بالعربية بطريقة لائقة ولغة جذّابة، هو في حد ذاته مغامرة خطيرة؛ سيما وأن المترجم يرزح تحت ضغط التزام معنوي سامٍ، ألا وهو وجوب ترجمة تلك الأشعار بأمانة، واحترام روح النص”.

الغاية، إذن، أن “يأتي النص المترجم مطابقاً إلى درجة كبيرة للنص الأصلي في المعنى”.

تضيف الكاتبة المغربية بأنّ قضية التّرجمة الشّعرية مثيرة للجدل ونوقشت إمكانيّتُها من استحالتها منذ أزمنة بعيدة من لدن أدباء كثر على غرار الجَاحظ، الذي قضى باستحالة ترجمة الشعر وعدم جواز نقله، لأن الترجمة في نظره، عليها أن تقتصر على النّثر.

رأيُ الجاحظ هذا تعرّض للنقد وبرزت محاولات لتفنيده ووسمه بالخطأ، لأنه طالب بضرورة مطابقة الترجمة للنص الشعري هيكليا، وهو أمر مستَحيل، تقول المترجمة.

من الضروري أن نأخذ بعين الاعتبار البِناء الكْلاسِيكي للقَصيدة، الذي كان مُستَشريا في البلاد “العربية” منذ العصر الجَاهلي“. غير أن مجيء الشّعر الحر، دمّر بنية القصيدة العَربية التقليدية.

تبعاً لتجربتها، ترى الغزاوي أن ترجمة الشعر جد ممكنة، رغم الصّعوبات التي تعترض نقل النص الشعري من لغة إلى أخرى ومن ثقافة إلى أخرى. ولعلّ أبرزها “صعوبة العثور على المرادف أو المقابل اللّغوي التّعبيري الصّحيح في اللغة التي يتمّ نقلُ النّص إليها. وهذا يتجلى أكثَر في نقل الشّعر العربيّ إلى اللّغة الفرنسية كأنمُوذج.

السرّ في ذلك أنّ “اللغة العربية بحرٌ زاخر بالكلمات والمرادفات التي لا تحصى، عكس اللغة الفرنسية التي تظل إمكاناتها اللغوية محدودة بكَيفية مِن الكيْفيات. لكنْ، مع ذَلك، تظلّ ترجمةُ الشّعر مُتاحة لو اشتَغل المُترجِم بشغفٍ وجُهد كَبيرين”.

عموماً، ما ينبغي أن نفهمه، وفق المترجمة، أن نقل الشعر إلى اللغة العربية لا يحتاج الخضوع للضوابط اللغوية أو الشكلية. وأساساً ليس بوسع المترجم أن يترجم نصا وتأتي الترجمة بالوزن والقافية.

ببساطة، لأن الغزاوي تدفع بوجود مانع داخلي بنيوي يتعلق بخصائص الشعر؛ فهو يشتمل على عناصر فنية تميّزه عن النثر. تلك العناصر هي التي تسبغ عليه صفته وتجعله يحظى بهويته المميزة. من سابع المستحيلات نقل قصيدة بخصائصها الفنية من نظم ووزن، إلخ.

في خضمّ عملية الترجمة الشعرية، على المترجم أن يحتكم إلى المعايير السائدة والمتعارف عليها في هذه المهمة العسيرة، لا المستحيلة.

لابد أن يتصرف الترجمان في إطار الهامش، “الذي بوسعه التصرف فيه. وأن يهتم أولاً بمواءمة المعنى ما استطاع إلى ذلك سبِيلا، مع حتمية الاشتغال على الإيقاع والموسيقى الدّاخلية للنّص، في أفق الحفاظ قدر الإمكان على شعرية القصائد التي يترجمها، ويلتزم بمدلولها، لينال شرف المساهمة في هذا الفعل الترجماني الحضاري”، تختم الغزاوي حديثها لمرايانا.

في الجزء الثاني، نقترب أكثر من طبيعة المشهد الترجمي بالمغرب، وبروز ترجمة الهواية أمام ضعف المؤسسات والمعاهد.

مقالات قدتثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *