×
×

في العبقرية: ما كنه هذا السر الغامض الذي يسمى عبقرية؟ 1\2

كريم الهاني
كريم الهاني

فرضا أن أحدهم سألك على حين غرة: “ما العبقرية؟”. ما كان ليكون جوابك؟ في الغالب ستبحث عن كلمات تقترب من هذا المعنى، كأن تقول مثلا “إن العبقرية تتجسد في إبداع شخص له موهبة كبيرة”. وربما، لتخلص نفسك من عبء الجواب، ستقول: “العبقري، شخص مثل إينشتاين”.

حسنا، لست وحدك من لم يستطع إيجاد جواب شاف، فللعبقرية، ولمعناها كمفردة، تاريخ طويل، بل وظهرت آراء عدة حاولت تفسيرها كل على حدة، ثم كان هناك أيضا رأي خرج من الباب الكبير؛ رأي فيلسوف الأديان السويسري، يوهان كاسبر لافتر، الذي قال إن من لديه عبقرية لا يعرفها، والمحروم منها لا يستطيع معرفة كنهها!

يشير كتاب “العبقرية”[1] إلى أن أول النماذج التي ترد إلى الذهن للعبقرية في القرن العشرين، عبقرية آلبرت إينشتاين. هذا الرجل، الذي كانت لبصيرته النفاذة إلى طبيعة المكان والزمن، أثرها في تغيير مداركنا بعمق عن العالم.

العباقرة أنفسهم عجزوا عن إيجاد تفسير عقلاني لعبقرية غيرهم من العباقرة!

قولنا بأن إينشتاين عبقري، هو في الحقيقة، اعتراف منا بأن ما يتمتع به من قوى إبداعية، غير عادية، تفوق الموهوبين حتى؛ فكيف لأمثالنا من البشر العاديين أن يصلوها؟

لسنا وحدنا من نقول بذلك. العلماء والرياضيون أنفسهم يشرحون أن ما قدمه إينشتاين يجبرنا على الحديث عن عبقريته. هكذا، سار التحليل النفسي لوقت طويل إلى البحث عن مصادر إبداع هذه الشخصية وتنشئتها الإنسانية.

اقرأ أيضا: “عندما يخاف العلم من نجاحاته.. التعديل الجيني للبشر”

نعزو هذه الخاصية غير العادية، أيضا، إلى شعر شيكسبير وموسيقى موزار ورسم دافينتشي، على سبيل المثال، ونعلم أن الأعمال التي قدموها، وفق كتاب “العبقرية”، لا تنم بالضرورة عن تعلم وتقنية أو جهد شاق محض… ومع ذلك، تبقى قواهم المذهلة هذه، أمرا عصيا عن التفسير.

حتى إن إينشتاين نفسه قال يوما إنه لاحظ أن موسيقى موزار هي من النقاء، بحيث إنها تبدو وكأنها دائمة الوجود في الكون، تنتظر أن يكتشفها الموسيقار القادر. إذن، العباقرة أنفسهم عجزوا عن إيجاد تفسير عقلاني لعبقرية غيرهم من العباقرة!

فما هي العبقرية؟

جاء في معجم أوكسفورد الإنجليزي أن العبقرية قوة فكرية من نمط رفيع، كتلك التي تعزى إلى من يعتبرون أعظم المشتغلين في أي فرع من فروع الفن أو التأمل أو التطبيق، طاقة فطرية وغير عادية على الإبداع التخيلي أو الفكر الأصيل أو الابتكار أو الاكتشاف، وهي تختلف كثيرا عن الموهبة.

فيما مضى، اعتقد البعض أن ثمة قدرات إلهية للفنان. نجد ذلك في صفة “إلهيّ” التي أطلقت على فناني ما قبل القرن الثامن عشر

قبل القرن الثامن عشر للميلاد، يورد قاموس أوكسفورد أنه كانت ثمة ثلاث معان تميز بها مصطلح العبقرية، وهي أن العبقرية روح مرافقة، وأنها استعداد ذو سمات مميزة أو ميول طبيعية وأنها، أيضا، قدرة طبيعية أو موهبة فطرية.

اقرأ أيضا: “فتاوى عجيبة: حينما يتوهج ذكاء بعض “علماء الدين”، هذه هي النتيجة! 2/1”

ومع ذلك، نفتقد إلى عامل حاسم يتمثل في عدم وجود تمييز واضح بين العبقرية والموهبة، يمتد مداه إلى أيامنا هذه. وفيما مضى، اعتقد البعض أن ثمة قدرات إلهية للفنان حتى.

نجد ذلك في صفة “إلهيّ” التي أطلقت على فناني ما قبل القرن الثامن عشر. أبرز من وصف بها، مايكل آنجلو، الذي خاطبه الشاعر والكاتب المسرحي الإيطالي، بيترو أرتينو، قائلا: “مايكل، يا من تسمو على الإنسان.. آنجلو، أيها الرباني”.

لكن، ابتداءً من القرن الثامن عشر، اكتسب مصطلح “العبقرية” معناه الحديث، الذي يرتبط بالإبداع والأصالة، للدلالة على العبقري. هكذا، اعتبر الأخير، خاصة منه المشتغل بالفن، النموذج الإنساني الأعلى؛ فحل بذلك مكان الأنماط المثالية الأولى، كالبطل والقديس والإنسان الكلي، وغيرها من الصفات.

اقرأ أيضا: “مريم أمجون… درس طفولي في الفصاحة”

بالمقابل، تجدر الإشارة إلى أن ثمة جمعا من النقاد والأكاديميين، يميل إلى اعتبار فكرة العبقرية مجرد خيال رومانسي، يتخذ أساسا كوسيلة لتجنب التحليل الصارم للنصوص، الذي يعد المهمة الحقيقة للنقد.

إعتقد الكثيرون أيضا ولوقت طويل، أن العبقرية ضرب من الجنون… فما مدى صحة هذا الاعتقاد؟ ذاك ما سنخوض فيه في الجزء الثاني من هذا الملف.

لقراءة الجزء الثاني: هل العبقرية، ضربٌ من الجنون؟ 2\2


[1]   تاريخ فكرة العبقرية، كتاب من تجميع المحاضرة الإنجليزية بنيلوبي موراي، يتناول عددا من البحوث أنجزها نخبة من الأساتذة، ألقيت في مؤتمر عقد عن العبقرية عام 1987، في جامعة وريك بإنجلترا. (تعريب: محمد عبد الواحد محمد)
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *