×
×

مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: صراع السلاطين (الجزء التاسع)

شهد المغرب دوامة صراع حادة حول الحكم في القرن الـ18، عرفت تنصيب عدد من السلاطين لمدد وجيزة … بعض من ذلك عايشته ماريا خلال فترة أسرها، وترويه في مذكراتها كما طبع ذاكرتها، كالذي سنتابعه في هذا الجزء التاسع.

باءت مفاوضات افتداء ماريا ورفاقها في المعمورة بالفشل، فقدرت لهم العودة إلى مكناس، حيث كان مولاي المستضيء قد نصب سلطانا جديدا… عند هذه التفصيلة توقفنا في نهاية الجزء الثامن، ومنها نواصل هذه الحكاية في جزئها التاسع، حيث نتابع بعيون ماريا تقلبات جديدة عرفها المغرب آنذاك أعلى هرم السلطة.

وصلت ماريا وزوجها وباقي الأسرى إلى مكناس في الـ21 من غشت 1738، ووجدوا أن بعض البرتغاليين الذي ظلوا هناك قد سلبوا كل ما كان في حوزتهم، فلم يعيدوا لهم سوى مائدة وأسرّة وبضعة مقاعد صغيرة.

غداة ذلك، اقتيدوا إلى السلطان، الذي منح لكل واحد منهم محلا متواضعا بالقصر، فيما أعفى زوجها من العمل لديه، فلم يكن لهما بذلك أي دخل يوفر لهما قوت يومهما، أو حتى بعض المال الذي يمكنهما من بدء مشروع ما.

اقرأ أيضا: عبد الله ابن سبأ… أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي؟ 2/1

غير أن تلك السنة شهدت محصولا جيدا من العنب، وصادف ذلك حلول تجار سلا بمكناس يحملون هدية للسلطان لتهنئته على العرش، فاقترضت منهم ماريا مبلغا حتى تستطيع العودة للعمل في حانة كانت تملكها.

أجبر عبيد البخاري مولاي عبد الله على الانتقال للإقامة في القصر، فيما احتفظ بمخيمه خارج المدينة حتى يتمكن من الفرار إليه لأنه كان يعرف ما يريده الزنوج. كان في غاية المكر، تقول ماريا، حتى أنه كان يلقب بـ”عبد الله الديب”.

تركها النصارى يومها في سلام إلى حين، ثم حين عاد بعضهم مع الجيش الذي كان رفقة السلطان، نغصوا عليها حياتها ثانية، وفعلوا المستحيل لينتزعوا منها الحانة أو ليمنعوها من الاشتغال بها.

لكن ماريا، في أثناء ذلك، طورت علاقة متينة مع أم السلطان وأخته، حتى أنها كانت تزورهما كل يوم وتحظى بتأثير بالغ فيهما، فكانت كلما تعود إلى بيتها، تعود بكيس قمح أو لحم أو فواكه.

حدث ذلك طوال سنة لم تكن ماريا تشك في آخرها أن العزل صار قاب قوسين من السلطان… ثم ذات يوم، كانت في زيارة إلى القصر حيث بلغها أن الزنوج (عبيد البخاري) يحاصرون السلطان، الذي تمكن من الفرار آخر الأمر.

ذهبت يومها ماريا إلى أم السلطان وأخته، وواستهما، فمنحتاها بعض المال للمرة الأخيرة، ثم لم تكد تخرج من القصر، حتى وجدت الناس يهتفون: “يحيا السلطان عبد الله”.

كان عبد الله بن اسماعيل، الذي خلع مرتين فيما قبل، منفيا… ثم أياما بعد ما حدث، عادت والدته إلى القصر كي تتولى أمر المملكة ريثما يعود. وحين زارتها ماريا من أجل تقديم التهاني، وجدت سيدتها السابقة، أم السلطان مولاي المستضيء، وأخته، مثل مجرمتين، تسلمان كل ما بحوزتهما.

اقرأ أيضا: “المخزن”… بين هاجس الاستمرارية والواقع التاريخي الجديد (الجزء الرابع والأخير)

جاء عبد الله بن اسماعيل بعد ذلك سلطانا، وكان مرهِقا للنصارى، تحكي ماريا، إذ كان يجبرهم على السير يوميا إلى خارج المدينة للذهاب إلى عملهم؛ ذلك أنه كان مقيما هناك حيث نصب خيامه رفقة قواته الخاصة لأنه لم يكن يأمن الزنوج.

مع ذلك، أجبره هؤلاء على الانتقال للإقامة في القصر، محتفظا في الآن ذاته بمخيمه حتى يتمكن من الفرار إليه لأنه كان يعرف ما يريده الزنوج. كان في غاية المكر، تقول ماريا، حتى أنه كان يلقب بـ”عبد الله الديب”.

كان السلطان مولاي عبد الله أحسن سلطان للبلاد في نظر الجميع، مع أنه كان مستبدا كبيرا بشعبه، حسب ما ترويه ماريا، إذ قتل خلال فترتي حكمه السابقتين، 14 ألف شخص. لكن بعد أربعة أشهر فقط، حصل أن هرب ثانية إلى فاس لإنقاذ حياته.

في غضون ذلك، أعلن عن تنصيب سلطان جديد يدعى مولاي زين العابدين، لكنه بدوره هرب بعد أربعة أشهر.

تحكي ماريا أن أم السلطان مولاي المستضيء وأخته ألحتا عليها كثيرا في دخول الإسلام، إذ كانتا تقولان لها إنه لذنب كبير أن تظل غير مؤمنة، بيد أن ماريا ظلت على رأيها وكانت دائما ما تجيبهما بأن السماء لم ترد ذلك بعد.

ثم، في دجنبر 1741، عاد مولاي عبد الله سلطانا من جديد، متخذا هذه المرة من فاس مقرا لإقامته، فأمر النصارى كلهم بالالتحاق به دون استثناء، ما تسبب في حزن هؤلاء كثيرا، لأنه كانت لهم بمكناس منازل وتجارة، ظلت كلها غنيمة للمسلمين.

لكن بعد ثلاثة أيام، عدل السلطان عن قراره بخصوص ماريا فأمرها بالبقاء في مكناس، ثم لاحقا حين عرف أن زوجها بفاس له امرأة ظلت وحيدة بمكناس، وحين عرف أن حكمه قد شارف على النهاية، استدعى زوجها وأمره بالعودة إليها، حتى لا يفرق بينهما إلى الأبد إذا ما تولى سلطان جديد.

أياما بعد ذلك، أعلن عن مولاي المستضيء سلطانا جديدا لمرة ثانية…

اقرأ أيضا: هشام روزاق يكتب: من يحكم المغرب؟ … “جهات ما”

كعادتها، لم تضيع ماريا وقتا وذهبت من فورها إلى القصر لتقدم التهاني لأمه. ثم بمرور الأيام، توطدت مشاعر صداقة بينها وبين أم السلطان وأخته أكثر مما سبق، على نحو لم تفلته لتعمل ما بوسعها من أجل نيل الحرية.

ضمن مشاعر الصداقة هذه، تحكي ماريا أن أم السلطان وأخته ألحتا عليها كثيرا في دخول الإسلام، إذ كانتا تقولان لها إنه لذنب كبير أن تظل غير مؤمنة، بيد أن ماريا ظلت على رأيها وكانت دائما ما تجيبهما بأن السماء لم ترد ذلك بعد.

عانى المغرب من انتشار الطاعون في يونيو 1742، إذ كان يحصد وفق ماريا 100 قتيل وأكثر كل يوم. وفي أثناء ذلك، وصل إلى مكناس رقّاص (ساعي بريد) من طنجة، يحمل معه رسالة.

فما فحوى هذه الرسالة؟ ذاك ما سنعرفه في الجزء العاشر والأخير من حكاية ماريا.

لقراءة الجزء الأول: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية (الجزء الأول)

لقراءة الجزء الثاني: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: في قصر السلطان عبد الله بن إسماعيل… (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: عزل السلطان عبد الله بن اسماعيل وتولية أبي الحسن علي الأعرج (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الرابع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: ماريا ورفاقها على أعتاب الحرية… لكن! (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء الخامس: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: نهاية علي الأعرج. تنصيب 4 سلاطين في نصف يوم (الجزء الخامس)

لقراءة الجزء السادس: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: مجاعة 1738/1737 (الجزء السادس)

لقراءة الجزء السابع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: صار لماريا حظوة لدى السلطان… فهل سيفرج عنها؟ (الجزء السابع)

لقراءة الجزء الثامن: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: تصدع شمل الأسرى الهولنديين والعودة إلى الاستعباد (الجزء الثامن)

لقراءة الجزء العاشر والأخير: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: نهاية 12 عاما من الاستعباد (الجزء العاشر والأخير)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *