×
×

عبد الله ابن سبأ… أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي؟ 2/1

لربما يكون من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي؛ ذلك أن البعض يعزو إليه إثارة الفتنة الكبرى في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وآخرون يقولون إنه جعل عليا بن أبي طالب في مرتبة “إله”، وبعض آخر يقول إنها قصة متقنة الحبك وإن دوره ضُخّم كثيرا… فمن يكون عبد الله بن سبأ هذا؟

لربما يكون من أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي؛ ذلك أن البعض يعزو إليه إثارة الفتنة الكبرى في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، وآخرون يقولون إنه جعل عليا بن أبي طالب في مرتبة “إله”، وبعض آخر يقول إنها قصة متقنة الحبك وإن دوره ضُخّم كثيرا.

مكمن إثارته للجدل أساسا، أن آخرين ينكرون وجوده أصلا، بالأخص الشيعة. وبينما ينسب إليه البعض دعوته، أول مرة، إلى الانقلاب على عثمان وولاية علي، يقول الشيعة إن قصة هذا الرجل مجرد اختراع من قبل علماء ومؤرخي “السنة”، كمؤامرة هدفها تصوير “الشيعة” في مظهر “خبيث”.

الباحث في سيرته ينتبه دون صعوبة إلى الغموض الذي يكتنف شخصيته. حتى إنك بعد قراءة كتب عدة تروي قصته، لن تعرف نسبه ولا أهله ولا أي معلومة عن نشأته، سوى أنه يهودي عرف بابن السوداء، وظهر بين المسلمين في عهد عثمان بغرض زعزعة استقرار دولتهم آنذاك، بإيعاز من الروم، وهذا نفسه، كما سبق القول، محط خلاف كبير.

اقرأ أيضا: تساؤلات جديدة حول اجتماع السقيفة

في هذا الملف، سنخوض في بعض من سيرة عبد الله ابن سبأ، الرجل المثير للجدل، وسنعرض آراء كثيرة عنه لبيان دوره في محطة “حساسة” من التاريخ الإسلامي -على فرض أن له دور-!

نسب غامض ومختلف عليه!

المعلومات التاريخية الواردة في نسب ابن سبأ من والده، ضئيلة، بل إنها غير متجانسة. ثم إن أباه لا يُعرف عنه شيئا لا في المنشأ ولا في الممات. أما أمه، فكانت حبشية، ولذلك لقب بـ”ابن السوداء”. أكثر من ذلك، لا معلومات البتة عن فتوته ونشأته؛ أي فترة ما قبل ظهور وانتشار اسمه.

عبد الله بن سبأ، كما تدل كنيته على ذلك، ينسب إلى “سبأ”. وقد ورد ذكر هذه المنطقة في القرآن: “لقد كان لسبأ في مسكنهم آية[1]“، وهي في الغالب مجموعة من القبائل التي استقرت في اليمن حوالي سنة 800 قبل الميلاد.

يروى أن ابن سبأ كان يخفي أصله “عمدا”، إذ سأله والي البصرة في عهد عثمان بن عفان عمن يكون، فأجابه بأنه رجل من أهل الكتاب يرغب في الإسلام وفي جواره، دون أن يصرح له باسمه.

لكن بعض المصادر التاريخية الأخرى تنسبه إلى قبيلة حمير، وأخرى إلى قبيلة همدان، وهناك أيضا من يقول إنه من الحيرة، وآخرون يقولون إنه رومي. أيّا كان القول، جل المصادر تكاد تجمع على أن عبد الله بن سبأ، يمنيٌّ. وقد جاء في تاريخ الطبري: “كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء”.

يروى أن ابن سبأ كان يخفي أصله “عمدا”، إذ سأله والي البصرة في عهد عثمان بن عفان عمن يكون، فأجابه بأنه رجل من أهل الكتاب يرغب في الإسلام وفي جواره، دون أن يصرح له باسمه.

اقرأ أيضا: في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس

أما دينه، فكان يهوديا. وبالرغم من أن بعض المستشرقين قالوا إن الاحتمال الغالب أن ابن سبأ ليس كذلك، إذ أن انتسابه إلى قبيلة عربية يمنع من أن يكون يهوديا، إلا أن عبد الرحمن بدوي[2]، يؤكد أن هذا الاستنتاج لا مبرر له.

دليله في ذلك، أنه ليس هناك من تناقض بين أن يكون المرء يهوديا وأن يكون من قبيلة عربية، ثم إن الاتجاه الغالب في يهود اليمن أن أغلبيتهم كانوا ذوي أصل عربي.

هل ظهر بين المسلمين لمآرب مخفية؟

أسلم ابن سبأ في عهد عثمان بن عفان، ونسبة إلى تاريخ الطبري، فإنه أخذ ينتقل في البلاد المسلمة من قطر لآخر، “محاولا ضلالتهم”، فابتدأ بالحجاز ثم البصرة فالكوفة، ثم الشام، فلم يقدر على شيء فيها، حتى أتى مصر واستقر بها وقيل إنه افتتن بعض أهلها.

نفس القول يرد عند ابن كثير[3]، إذ يروي أن ابن سبأ كان سبب تألب الأحزاب على عثمان. ويرد أيضا عند ابن عساكر[4]، الذي يؤكد أن ابن سبأ ظهر بين المسلمين في عهد عثمان لـ”يلفتهم عن طاعة الأئمة”، لكن دون تحديد سنة معينة لهذا الظهور.

يرى عبد الرحمن بدوي أن عبد الله بن سبأ والسبئية لم يقولوا بألوهية علي بن أبي طالب، حيث لم يرد شيء من ذلك عند الطبري والقمي وأبي الحسن الأشعري، أما ورود ذلك عند الآخرين فاعتبره “تزيدا” من عندهم.

ويقول ابن كثير إن ظهور ابن سبأ من أسباب تألب الأحزاب على عثمان، إذ “اخترع” كلاما يقول مما قال فيه: “… محمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء”، ثم يتم “محرضا”: فهو أحق بالأمر من عثمان، وعثمان معتد في ولايته ما ليس له”.

اقرأ أيضا: هل تعرف أن إيران ليست بمهد للتشيع وأنها كانت تعتنق يوما ما المذهب السني؟ 2/1

وإذا كان الناس قد أنكروا عليه، وفق ابن كثير، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن بشرا كثيرا من أهل مصر، كان قد افتتن به.

“تأليهه” لعلي بن أبي طالب!

يشير صلاح الدين الصفدي[5] في تعريفه لابن سبأ، إلى أنه قال لعلي بن أبي طالب: “أنت الإله”، فنفاه الأخير إلى المدائن، وحين قتل، زعم ابن سبأ أنه لم يمت لأن فيه جزءا إلهيا، وأن قاتل علي “ابن ملجم”، قتل شيطانا تصور بصورته، وأن عليا في السحاب، الرعد صوته والبرق صورته، وأنه سينزل يوما ما إلى الأرض ليملأها عدلا “.

أما عبد القاهر الجرجاني[6]، فيزعم أن أصحاب عبد الله بن سبأ إذ يسمعون الرعد، يقولون: “عليك السلام يا أمير المؤمنين”.

ويذكر أبو حاتم الرازي[7] أن عبد الله بن سبأ ومن قال بقوله من السبئية[8] كانوا يزعمون أن عليا هو الإله، وأنه يحيي الموتى، وادعوا غيبته بعد موته”.

ويشير المستشرق يوليوس فلهاوزن[9]، إلى أن ابن سبأ ابتدع ما يسمى بعقيدة ناسخ الأرواح التي أصبحت بعد ذلك ضمن عقيدة السبئية، وذكر أن هؤلاء يؤمنون بأن: “روح الله التي تسري في الأنبياء تنتقل بعد موت كل نبي إلى النبي الذي بعده، وأن روح محمد خاصة انتقلت إلى علي، وهي باقية في سلالته”.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي يكتب: فاطمة العذراء والمسيح المسلم

بالمقابل، يرى عبد الرحمن بدوي أن عبد الله بن سبأ والسبئية لم يقولوا بألوهية علي بن أبي طالب، حيث لم يرد شيء من ذلك عند الطبري والقمي وأبي الحسن الأشعري، أما ورود ذلك عند الآخرين فاعتبره “تزيدا” من عندهم.

وإذا كان هناك اختلاف واضح في ذكر الكتب الأولى لسيرة ابن سبأ، فإنها تكاد تجمع على أنها شخصية ظهرت في المسلمين لتلفتهم عن دينهم، فاجتمع إليها مجموعة من الناس، أطلق عليها الطائفة السبائية.

ينسب البعض الدعوة إلى التشيع لعبد الله بن سبأ مع أنه ثمة تضارب كبير في أمر وجوده… وذاك ما سنتابعه في الجزء الثاني والأخير من هذا البورتريه.

لقراءة الجزء الثاني: عبد الله ابن سبأ: شخصية تاريخية مثيرة للجدل… بين من ينكر وجوده ومن يعزو إليه إثارة الفتنة الكبرى والدعوة إلى التشيع 2/2


[1]  سورة سبأ، الآية 15.
[2]  أستاذ فلسفة وفيلسوف وجودي مصري، عن كتابه: “مذاهب الإسلاميين”.
[3]  محدث وفقيه ومفسر سوري، عاش بالقرن الرابع عشر للميلاد.. عن كتابه: “البداية والنهاية”.
[4]  إمام وعلامة سوري، عاش بالقرن الثاني عشر للميلاد.. عن كتابه: “تاريخ مدينة دمشق”.
[5]  كاتب ومؤرخ سوري، عاش بالقرن الرابع عشر للميلاد.. عن كتابه: “الوافي بالوفيات”.
[6]  عالم وأديب إيراني، عاش بالقرن الحادي عشر للميلاد.. عن كتابه: “الحور العين”.
[7]  عالم ومحدث عباسي، عاش بالقرن التاسع للميلاد.. عن كتابه: “الزينة في الكلمات الإسلامية”.
[8] فرقة يُعتقد أنها أُسست على يد عبد الله بن سبأ، يعتقدون أن عليا “لم يمت وأنه سيرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة ليملأ الأرض عدلاً كما ملئت جوراً”.
[9]  مستشرق ألماني، درس اللغات الشرقية، عرف بتحقيق الطبري وله مؤلفات عدة أبرزها: الشيعة والخوارج، وتاريخ الدولة العربية.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *