×
×

تساؤلات جديدة حول اجتماع السقيفة

كان اجتماع السقيفة أول وأخطر صراع سياسي في الإسلام. لكن العجيب في أمر السقيفة أن أحدا من الصحابة لم يستشهد بأي من المرويات التي تناقلتها كتب السنة والشيعة فيما بعد، …

حسين الوادعي

كان اجتماع السقيفة أول وأخطر صراع سياسي في الإسلام.

لكن العجيب في أمر السقيفة أن أحدا من الصحابة لم يستشهد بأي من المرويات التي تناقلتها كتب السنة والشيعة فيما بعد، حول أحقية قريش بالخلافة أو أحقية آل البيت بالولاية.

 

فرغم وجود حديث “الأئمة في قريش” بسند صحيح في كتب الصحاح، إلا إن عمر وأبو بكر وأبو عبيدة لم يستشهدوا بهذا الحديث عند خلافهم مع الأنصار؛ ولو استشهدوا به لكانوا حسموا الخلاف.

ولو كان الحديث معروفا، لما طالب الأنصار بالخلافة وهم يعرفون أن هناك أمرا نبويا بحصرها في قريش!

لو صدّقنا حديث “الأئمة في قريش”، فخلافة أبي بكر صحيحة. لكن، لو صدقنا حادثة الغدير، فإن الخلافة لعلي.

فكيف يمكن أن تكون الخلافة لشخصيتين متصارعتين في نفس الوقت، وبسندين “صحيحين”؟!

فإما أن كبار الصحابة لم يكونوا عارفين بهذا الحديث، وهذا شيء عجيب وخيالي، خاصة وهو يتعلق بأخطر مسائل السلطة وبمستقبل الدولة الوليدة، وإما أن الصحابة تجاهلوه، وبالتالي تجاهلوا “معلوما من الدين بالضرورة”، إذا كان الرسول فعلا قد قاله، وإما أنه (وهو الأرجح) حديث ملفق تمت إضافته فيما بعد إلى كتب الصحاح.

اقرأ أيضا: إسرائيليات: هل المرأة ضلع أعوج وهل رأى الرسولُ اللهَ؟ (الجزء الثالث)

لكن المشكلة هنا أنه موجود بإسناد صحيح، ولو رفضناه، فإننا سنرفض ونشكك في صحة بقية الأحاديث ذات الأسانيد الصحيحة، بل وفي صحة علم الحديث من أساسه.

كذلك، عندما تجادل علي وعمر حول البيعة لأبي بكر بعد اجتماع السقيفة، لم يذكر علي أبدا أن النبي ولاه في غدير خم.

ولو كانت حادثة الغدير حقيقية، لما اختلف المهاجرون والأنصار، ولاحتج علي بالوصية المزعومة للرسول وحسم الأمر.

فإما أن عليا والصحابة لم يكونوا عارفين بحادثة الوصية في غدير خم، وهذا مستحيل لو كانت حدثت فعلا، وإما أنهم عرفوا ورفضوا بالتالي أمرا إلهيا بتولية علي، وإما أنها حادثة ملفقة أضيفت فيما بعد أثناء الصراع السياسي على الخلافة.

القرآن لم يتضمن أي نصوص حول الشكل السياسي للدولة أو حول مشكلة نقل السلطة من النبي إلى خلفائه ثم من الخلفاء إلى ما بعدهم.

لكن المشكلة أن حديث الغدير، بدوره، موجود في كتب السنة والشيعة بأسانيد صحيحة؛ ولو رفضناه فإننا نشكك في صحة الأسانيد وفي صحة علم الحديث نفسه، بل ونشكك في عدالة ونزاهة الصحابة أنفسهم.

لكننا لو قلنا إنها صحيحة، سنقع في إشكال آخر، هو أنها متناقضة… فلو صدّقنا حديث “الأئمة في قريش”، فخلافة أبي بكر صحيحة. لكن، لو صدقنا حادثة الغدير، فإن الخلافة لعلي. فكيف يمكن أن تكون الخلافة لشخصيتين متصارعتين في نفس الوقت، وبسندين “صحيحين”؟!

اقرأ أيضا: في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس

هذا يقودنا إلى ظاهرة ملفتة للنظر، هي غياب أي ذكر لـ “النصوص المقدسة” في صراعات السياسية آنذاك، وخوضها بالجدل العقلي الدنيوي. وكل الجدل الذي دار حول السقيفة والغدير من قِبل الصحابة جدل عقلي دنيوي.

فالصحابة لم يستشهدوا أيضا بأي آيات قرآنية في صراعاتهم الأولى، فكانت الشعارات التي رفعت من الفريقين المتصارعين في معارك “الجمل” و”صفين” شعارات دنيوية حول الإنتقام لدم عثمان، أو الأحقية بالسلطة لأسباب قبلية وليس لأسباب دينية.

كل الجدل الذي دار حول السقيفة والغدير من قبل الصحابة جدل عقلي دنيوي.

فإما أن الصحابة لم يكونوا يعطون للقرآن الأهمية الأولى في حسم مسائلهم السياسية والحياتية (علمانية مبكرة)، أو إن القرآن لم يكن مجموعا في كتاب واحد في ذلك الحين لأن عملية جمعه في مصحف واحد تأخرت حتى عهد الخليفة عثمان؛ ويبدو أنها لم تكتمل إلا بعد استتبات الأمن داخل الإمبراطورية الإسلامية والسيطرة الكاملة لبني أمية على الحكم في عهد يزيد بن معاوية والقائد الأموي الأشهر الحجاج بن يوسف.

لكن هناك سببا آخر يضاف إلى هذا، وهو أن القرآن لم يتضمن أي نصوص حول الشكل السياسي للدولة أو حول مشكلة نقل السلطة من النبي إلى خلفائه ثم من الخلفاء إلى ما بعدهم.

الخلاصة التي نستفيدها، أن كبار الصحابة كانوا يعتبرون الحكم أمرا دنيويا اجتهاديا، والفصيل الوحيد الذي كان يرى أن “الإسلام دين ودولة”، وأن السلطة جزء من العقيدة، هم الخوارج الذي كفروا كبار الصحابة وكفروا كل من لا يؤمن بأفكارهم ورفعوا شعار “الحاكمية الإلهية”، الذي سترفعه بعدهم جماعات الإسلام السلفية والإخوانية في بدايات القرن العشرين الميلادي.

اقرأ أيضا: خُنَاثة بنت بكار.. من هدية للسلطان إلى أم للسلاطين!

تعليقات

  1. جاسم فتخي

    انت باحث لو مباحث.حبيبي كلا الحديثين صحيحان ولكن لفظة قريش دخلية على الخديث الاول لان كل الذين رووا الحديث هذا حين وصلوا الى الجملة ما بعد كلمة كهلم قالو لم نسمع الخديث.جيدا وكانه قال كلهم من قريش وبعضهم قال وكأنه قال كلهم من بني هاشم…والحديث اء بالفاظ متعددة منها الخلفاء بعدي ومنها الامراء بعدي ثم قال اثناعشر كلهم ….وما بعد كلهم اختلف الرواة لخوفهم من الحكام …اما الحديثالاخر وهو حديث الغدير فهو الحديث رقم واحد من حيث تواتره بين المسلمين بمختلف مذاهبهم …وكلارالحديثين يدلان على امامة الائمة الاثني عشر واولهم علي صلوات الله عليهم اجمعين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *