×
×

خُنَاثة بنت بكار.. من هدية للسلطان إلى أم للسلاطين!

أن تكون المرأة الوحيدة التي خلد التاريخ جزءا من صنيعها ضمن بضع مئات من النساء كن في حياة المولى إسماعيل، فهذا يعني أنها ليست بامرأة عادية. خناثة بنت بكار، أو …

أن تكون المرأة الوحيدة التي خلد التاريخ جزءا من صنيعها ضمن بضع مئات من النساء كن في حياة المولى إسماعيل، فهذا يعني أنها ليست بامرأة عادية. خناثة بنت بكار، أو “خناثى” كما دونت بعض المصادر التاريخية الأخرى، قادها القدر إلى أن تصبح زوجة أحد أشهر السلاطين المغاربة، أُمًّا لولي عهده وجَدّة لسلطان آخر. على أن القدر يعرف جيدا أي طريق يسلك، فخناثة بلغت من العلم أسمى مراتبه، وقيل إنها فقيهة، بل وكان لها من العزم أن ارتمت منذ بداية عهدها بقصر السلطان، في غمار السياسية ومشاقها. ولم يكن ذلك ليكون دون نتيجة، ففي عهد انفجرت فيه الأطماع على السلطة، كانت خناثة السبب الرئيس في بقاء شجرة أبنائها على سدة الحكم إلى يومنا هذا.

الأقدار لا تخطئ حدسها

في الواقع، لم تكن خناثة بنت بكار تتخيل يوما أن تصبح زوجة للسلطان المولى إسماعيل، فقد نشأت هناك بعيدا في إمارة البراكنة (موريتانيا)، في كنف شيخ اسمه بكار بن علي بن عبد الله المغافري الذي كان أميرا للبراكنة، وكان شيخا فاضلا يحرص على تدين أبنائه، ومنهم خناثة التي حفظت القرآن في سن مبكرة وأحسنت القراءات السبع وتفقهت في العلوم الشرعية، حتى أصبحت فقيهة ذات شأو عظيم.

يشير محمد بن الطيب القادري في كتابه “نشر المثاني” إلى أن خناثة كانت بداية تفقهها، تخط بيدها في اللوح ثم تبعث بذلك إلى الشيخ المكي الدكالي ليصحح لها. لم يظل الحال كذلك طويلا حتى بلغت من العلم ما جعلها تحقق وتبدي ملاحظاتها في مصنفات كبار علماء الدين آنذاك.

طريق خناثة إلى القصر كان أشبه ما يكون بلعبة القدر، فهي لم تكن إلا هدية للسلطان. غير أن جمالها، فقهها وأدبها، سرعان ما نفذوا إلى قلبه.

في نفس السياق، يورد كتاب “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” عن أبي عبد الله أكنسوس، أنه رأى خطها على هامش نسخة من كتاب “الإصابة في تمييز الصحابة” لابن حجر العسقلاني، فعرفه بعضهم وقالوا هذا خط السيدة خناثة أم السلاطين.

أما أكنسوس، وهو مؤرخ عاش في فترة حكم المولى سليمان حفيدُ حفيدِ خناثة، فيقول: “وخناثى هذه هي أم السلاطين أعزهم الله، وكانت صالحة عابدة عالمة حصلت العلوم في كفالة والدها الشيخ بكار”.

طريق خناثة إلى القصر كان أشبه ما يكون بلعبة القدر، فهي لم تكن إلا هدية للسلطان. غير أن جمالها، فقهها وأدبها، سرعان ما نفذوا إلى قلبه. في ذلك يقول الشيخ أبو العباس وأحمد بن خالد الناصري في كتابهما الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى: “سنة 1089 للهجرة، غزا السلطان المولى إسماعيل صحراء سوس، فبلغ آقاويطاطا وتيشيت وشنكيط وتخوم السودان، فقدمت عليه وفود العرب هنالك[…] وأدوا طاعتهم، وكان في ذلك الوفد الشيخ بكار المغافري والد الحرة خناثة، فأهدى الشيخ المذكور إلى السلطان ابنته، وكانت ذا جمال وفقه وأدب، فتزوجها”.

السياسة لم تكن يوما ترفا

يروى أن ملوك أوروبا كانوا يبتغون عطفها لتتوسط لهم عند السلطان ليطلق سراح بعض أسراهم.

جمال خناثة لم يثنها عن تكبد مشقة نيل العلم، ولم يكن ليتركها تكتفي بلقب زوجة السلطان أو بإشقاء نفسها في منافسة نسائه توددا إليه، بل راحت تعمق مداركها العلمية والفقهية، وارتمت في غمار السياسة وتدرجت فيها حتى أصبحت وزيرة ومستشارة عند زوجها السلطان؛ فبلغ أن فاقت شهرتها آفاق البحار. ويروى أن ملوك أوروبا كانوا يبتغون عطفها لتتوسط لهم عند السلطان ليطلق سراح بعض أسراهم.

غير أن وفاة المولى إسماعيل أقحمت المغرب في دوامة أزمات حادة لكثرة أبنائه وتعدد نسائه؛ كادت السلطة على إثرها أن تنفلت من قبضة يدي السلطان ابن خناثة، المولى عبد الله، الذي أقاله جيش عبيد البخاري لمرات عديدة، لوقوفهم في صف المولى أبي الحسن الأعرج ابن زوجة المولى إسماعيل الأخرى عائشة مباركة. بيد أن خناثة بنت بكار كانت المفصل دائما في عودة ابنها للحكم بطلبها دعم أقربائها في جيشي الودايا والمغافرة.

في عهد السلطان أبي الحسن الأعرج، الذي دام حكمه سنة ونصف، ستدخل خناثة السجن مع حفيدها محمد الذي سهرت على تعليمه وتكوينه وتفقيهه.

يشير كتاب “الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى” إلى أن السلطان الأعرج قد ألقى عليها القبض لتدله على أموال زوجها المولى إسماعيل، فلم يحصل منها على شيء. وحين أصبح سيدي محمد بن عبد الله، فيما بعد، سلطانا على المغرب، ستتضح التنشئة السياسية لخناثة على حفيدها؛ إذ تميز بالرزانة وبعد النظر، فاجتهد في الحفاظ على بلاده وتأمين وحدتها وتعزيز العلاقات مع الخارج، فكان انفتاحه على أوروبا وكان المغرب أول دولة تعترف بالولايات المتحدة الأمريكية كدولة مستقلة.

من هنا، يبدو جليا كيف أن خناثة بنت بكار كابدت الكثير بعد وفاة المولى إسماعيل لتحافظ على سلطان أبنائها، فدخلت لسنين طوال في صراع مع عبيد البخاري وسجنت ثم نفيت. بيد أنه لم يتمكن واحد من خصومها من التخلص منها، وإنما ظلت صامدة واقفة في وجه كل من أراد أن ينازع شجرة أبنائها على السلطة.

من يصنع الذاكرة، لا يموت

سنة 1143 للهجرة، ستسافر خناثة بنت بكار إلى مكة رفقة حفيدها للحج؛ وأينما كان يحل موكبها، تستقبلها القبائل بطلقات المدافع. كانت هذه الاحتفالات تدوم طيلة أيام.

قوبلت بحفاوة كبيرة من أهل الحرمين وفرقت هناك على المحتاجين وذوي البيوتات ما يزيد على مائة ألف دينار، وأكرمها العلماء ومدحها الشعراء.

يصف أبو محمد عبد القادر الجيلاني الإسحاقي حج خناثة بنت بكار تلك السنة فيقول: “وصلت ليلة السادس من ذي الحجة إلى مكة المشرفة بعد العشاء وعليها السكينة مرفرفة، وهي في جلالة عظيمة وسيادة فخيمة […]. بذلت الشراب والطعام، ثم نفرت إلى مكة وجاءت بعمر الإسلام، تكثر الصدقات على الدوام، وبذلت بغير حصر، وأعطت عطاء من لا يخاف الفقر”.

ويستطرد الإسحاقي يحكي قصة حج خناثة فيقول: “فقوبلت بحفاوة كبيرة من أهل الحرمين وفرقت هناك على المحتاجين وذوي البيوتات ما يزيد على مائة ألف دينار، وأكرمها العلماء ومدحها الشعراء؛ ومن جملة ما مدحت به قصيدة للشيخ محمد بن علي بن فضل الحسيني الطبري إمام المقام الإبراهيمي التي يقول مطلعها: فاحت بها أرجاء مكة رغبة ومحبة من سائر الأخيار\ وهي الحقيقة بالجلالة في الورى فجلالة الأضياف ليس بعار”.

هكذا، يتضح جليا أن التاريخ الذي صنعته خناثة بنت بكار لم يتنكر لها، وإنما أصبحت بعد ذلك ذات حظوة وشهرة عظيمتين داخل المغرب وخارجه.

خناثة بنت بكار ستترجل عن صهوة الحياة وفق بعض المصادر التاريخية، في جمادى الأولى من سنة 1159 للهجرة (يونيو 1746 للميلاد)، وقد دفنت بروضة الأشراف بفاس. إذا كان قرنان ونيف قد مرا اليوم على آخر مرة رأت فيها النور، فإن سيرة حياة مثل التي تملكها خناثة بنت بكار، لا تموت.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *