×
×

مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: نهاية علي الأعرج. تنصيب 4 سلاطين في نصف يوم (الجزء الخامس)

كانت وفاة المولى إسماعيل قد أقحمت المغرب في دوامة أزمات حادة حول السلطة لكثرة أبنائه وتعدد نسائه… بعض من ذلك شهدته ماريا في فترة أسرها، وطبع ذاكرتها، كواقعة تنصيب 4 سلاطين في نصف يوم، التي نتابعها في هذا الجزء الخامس.

توقفنا في الجزء الرابع من حكاية ماريا عند غضب السلطان من زوجها الذي لم يستطع إقناع المبعوث الهولندي بالنزول من السفينة إلى البر، واستدعائه إلى القصر قصد قتله… فهل سيحتفظ زوج ماريا بحياته؟ ذاك ما نتعرف عليه في هذا الجزء الخامس، الذي سنشهد فيه أيضا عزل السلطان أبي الحسن علي الأعرج وتنصيب سلطان آخر.

الـ5 من دجنبر 1735…

وصل زوج ماريا إلى مكناس والموت يترصده، بيد أن السلطان كان مريضا تلك الأيام، فكان ثمة ما يكفي من الوقت أمام الكهنة لتسوية الأمر مع باشاواته بحثا عن العفو.

كان زوج ماريا أسيرا، لذا لم يستطع إجبار المبعوث على النزول من السفينة. تحسر على ذلك كثيرا، كما وأخبرهم أن رسائل عدة بعثت إلى هولندا بغية التوصل بأمر النزول، إلا أن الأمر كان يتطلب وقتا طويلا.

وافق الباشاوات على التسوية. لكن، كانت ثمة مشكلة تكمن في إيجاد وسيلة لتبليغ السلطان بذلك.

كان النصارى، تقول ماريا، يرغبون بشدة في ملك آخر، لأن لا أحد منهم كان قادرا على ضمان حياته في عهد السلطان الأعرج… حتى إنه، في الشهر الأخير من حكمه، طلب واحدا من أسراهم، لكي يغسل بندقيته بدمه.

تحكي ماريا أنها قضت ليلة ذلك اليوم في حزن كبير، إذ كان صباحها بمثابة موعد لتوديع زوجها إلى الأبد، كما لو تم انتزاعه منها لاقتياده إلى المذبح ككبش فداء.

كان الكهنة قد اتفقوا مع مصنع حديد السلطان على هدية لهذا الأخير، ثم حمل كل منهم هدية وقدموها رشوة لأخ السلطان ووعدوه بمكافأة جزلة إن احتفظ زوج ماريا بحياته.

لم يكن أخ السلطان راضيا قبل الاتفاق، لكن حين أجزل له مبلغ من المال وزوج جوارب من حرير، اتفقوا على تقديم هدية الكهنة للسلطان، وكانت عبارة عن أوان خزفية وشاي وسكر ومربى، فيما كانت هدية صانع الحديد بندقية جميلة.

لينت تلك الهدايا قلب السلطان مع أنه، تقول ماريا، كان جد متلهف كالبحر الذي لا يقول شبعت، فغير حينها رأيه وعفا عن زوجها، وبدا الأمر كما لو أنهما ولدا من جديد.

استعاد السلطان بعد ذلك عافيته واندلعت تمردات في المغرب، إذ وقع انقسام حول من ينبغي أن يكون الملك.

اقرأ أيضا: خُنَاثة بنت بكار.. من هدية للسلطان إلى أم للسلاطين!

كان النصارى، تقول ماريا، يرغبون بشدة في ملك آخر، لأن لا أحد منهم كان قادرا على ضمان حياته في عهد السلطان الأعرج… حتى إنه، في الشهر الأخير من حكمه، طلب واحدا من أسراهم، لكي يغسل بندقيته بدمه.

لم يكن السلطان يسعى وراء حيواتهم وحسب، بل ولم يكن يريد السماح لهم بكسب قوت يومهم حتى… كانت حاناتهم مغلقة، تحكي ماريا، ولم يكونوا يبيعون الخمر سوى سريا وهم يرتجفون، كما كانوا يؤدون الكثير من الغرامات… فكانوا قريبين من الفقر الشديد.

هكذا، تقول ماريا أن تغييرا كبيرا حصل، إذ أن “الزنوج” (عبيد البخاري) انقسموا، فكان بعضهم يرغب في سلطان وآخرون في سلطان آخر. كما امتنع سكان البوادي عن أداء الضرائب، ما أجبر السلطان عن التحرك إليهم (الحرْكة) في الـ24 من أبريل 1736… بيد أنه عاد بعد 3 أيام، وودع زوجته وأبناءه ثم فر.

… قبل حلول منتصف النهار، تم تنصيب أربعة سلاطين. كانوا ينصبون ويخلعون الواحد تلو الآخر، ما تسبب في مناوشات لا يستهان بها. ظل المغرب بلا سلطان بعد ذلك لأيام، قبل أن يعلن عن مولاي عبد الله سلطانا من جديد.

حين علم الأسرى بذلك، كانوا يجهلون من سيكون السلطان الذي سيتم الإعلان عن تنصيبه. كانوا، تحكي ماريا، خائفين من أن يكونوا عرضة للفتنة وأن ينتهي ذلك بالسرقة والنهب.

بيد أنهم، حينها، هربوا إلى داخل القصر، وطمروا ما يملكون تحت التراب، ثم لبثوا هناك إلى غاية فاتح ماي، إذ سيعلن في صباحه عن تنصيب مولاي عبد الله بن اسماعيل لولاية ثانية.

اقرأ أيضا: “المخزن”: استخدام “الرمزية”… الجانب الخفي والأهم لممارسة السلطة وترسيخها (الجزء الثالث)

كان ابنه حاضرا بالقصر، فأسرج الحصان وأركبه إياه على سرج مذهب ومظل فوق رأسه، ثم تم إعلانه وصيا على العرش، فانتاب بذلك الأسرى حزن كبير لأنه كان قد أرهقهم سابقا بالأشغال الشاقة.

مع ذلك، ذهبت ماريا، فور الإعلان عن مولاي عبد الله سلطانا، إلى والدته (خناثة بنت بكار)، إذ كان السلطان الأعرج قد سجنها خلال فترة حكمه. كانت ماريا قد زارتها بضع مرات في السجن، فكان ذلك يسرها كثيرا… هنأتها بما حصل، ثم عادت إلى بيتها بالمدينة معتقدة أن السلم قد عاد إلى حياتهم.

لكن ذلك لم يتحقق… قبل حلول منتصف النهار، تم تنصيب أربعة سلاطين. كانوا ينصبون ويخلعون الواحد تلو الآخر، ما تسبب في مناوشات لا يستهان بها.

ظل المغرب بلا سلطان بعد ذلك، تحكي ماريا، إلى غاية 8 ماي، حين أعلن عن مولاي عبد الله سلطانا من جديد، إذ أتوا به من تطوان رفقة جيش كبير.

اقرأ أيضا: “المخزن”… بين هاجس الاستمرارية والواقع التاريخي الجديد (الجزء الرابع والأخير)

اقترب السلطان الجديد من مدينة مكناس في منتصف يونيو، فجاء إلى القصر، الذي لم يمكث به طويلا، إذ غادره بعد ذلك وذهب إلى خارج المدينة، حيث كان له قصر صغير (إقامة صيفية)، تبعد عن المدينة بثلاث ساعات من السير.

هناك، استدعى السلطان الأسرى النصارى، وتحقق ما كانوا يخشونه من مثولهم للأشغال الشاقة، إذ أمرهم بحفر منجم حول القصر… فما الذي حدث بعد ذلك؟ ذاك ما سنعرفه في الجزء السادس من حكاية ماريا.

لقراءة الجزء الأول: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية (الجزء الأول)

لقراءة الجزء الثاني: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: في قصر السلطان عبد الله بن إسماعيل… (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: عزل السلطان عبد الله بن اسماعيل وتولية أبي الحسن علي الأعرج (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الرابع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: ماريا ورفاقها على أعتاب الحرية… لكن! (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء السادس: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: مجاعة 1738/1737 (الجزء السادس)

لقراءة الجزء السابع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: صار لماريا حظوة لدى السلطان… فهل سيفرج عنها؟ (الجزء السابع)

لقراءة الجزء الثامن: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: تصدع شمل الأسرى الهولنديين والعودة إلى الاستعباد (الجزء الثامن)

لقراءة الجزء التاسع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: صراع السلاطين (الجزء التاسع)

لقراءة الجزء العاشر والأخير: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: نهاية 12 عاما من الاستعباد (الجزء العاشر والأخير)

تعليقات

  1. عبدالغفور

    فينا هو الجزء السادس؟
    هاد اللون ماشي هو هاداك

  2. سناء العاجي

    حكاية الأسيرة الهولندية تنشر على مرايانا في حلقات… غدا ننشر الجزء الثادس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *