×
×

مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: تصدع شمل الأسرى الهولنديين والعودة إلى الاستعباد (الجزء الثامن)

بعد عزل السلطان ولد عربية، انقلبت الحظوة التي كانت لدى ماريا في القصر رأسا على عقب… وبعدما عاشت أياما جميلة، نغص عليها أبناء وطنها نفسهم حياتها، إذ اتهمت بالحصول على الأموال من السلطان والتستر عليها، في حين كانوا بحاجة إليها لافتدائهم، كما نتابع في هذا الجزء الثامن.

وافق السلطان ولد عربية على منح ماريا حريتها بعدما وصل القبطان الهولندي جوسيت سيل إلى سلا قصد الدخول في مفاوضات حول افتداء أسراهم. لكن السلطان، كما تابعنا في الجزء السابع، واجه في ذلك عبيد البخاري، الذين كانوا يودون بدورهم مال افتدائها ورفاقها. فما الذي سيقدم عليه السلطان والحال هذه؟ ذاك ما نتابعه في الجزء الثامن من حكاية ماريا.

رغم وقوف الزنوج (عبيد البخاري) في وجهه، قرر السلطان منح الحرية لماريا وزوجها وابنها، مع بعض الأشياء الثمينة كهدايا، مثل بضع جلود فهود وأسود، وزراب جميلة وملابس من حرير ومناديل من الصنف الذي لا يوجد بأوروبا.

غير أن هذا كله كان مشروطا… إن لم يكن هناك جواسيس ينقلون ذلك إلى الزنوج، ذلك أنهم كانوا قد عزلوا الصديق الأكثر وفاء للسلطان، حاكم سلا، وعوضوه بحاكم آخر.

هذا الأخير كان قد حل بمكناس من أجل مقابلة الأسرى الهولنديين للتباحث حول حريتهم، ولينالوها، اشترط أن يعطوه مبلغ مئتا دوكة (عملة أوروبية)، بعدما أقنع السلطان جيدا بأنه سيقدم بعض المال للزنوج، الذين كانوا يترأسون رفقته بجيشهم حرْكة في البادية.

وجدت ماريا نفسها عرضة لشتائم النصارى، الذين كانوا يريدون الوشاية بها لدى الزنوج، بكونها تتوفر على العديد من الأحجار الثمينة والذهب التي حصلت عليها من السلطان، حد أن جعلوا حياتها لا تطاق مقابل ما أمضته فيما قبل من أيام جميلة.

في ذلك المساء نفسه، ذهبت ماريا إلى السلطان كي يختم جواز سفرها حتى تتمكن من الذهاب في اليوم الموالي. لكن السلطان لم يكن رائق المزاج حينها، فأمرها بالعودة في صباح الغد.

بيد أنه في الغد، ألقي القبض على السلطان. صار المغرب مرة أخرى بلا حاكم، فاستعجلت ماريا مغادرة القصر للعودة إلى بيتها.

لكن، في طريق العودة، وجدت ماريا نفسها عرضة لشتائم النصارى، الذين كانوا يريدون الوشاية بها لدى الزنوج، بكونها تتوفر على العديد من الأحجار الثمينة والذهب التي حصلت عليها من السلطان.

هكذا، نغص عليها النصارى حياتها وجعلوها لا تطاق مقابل ما أمضته فيما قبل من أيام جميلة.

اقرأ أيضا: هكذا استرد النصارى إسبانيا من المسلمين… 10/2

ذاك ما دفعها إلى طلب النجدة من أحد الباشاوات، فذهبت إليه تحمل هدية تطلب منه الحماية إلى غاية تولي سلطان جديد… مكثت ماريا لدى الباشا يومين، ثم وضع ترتيباته حتى تستطيع العودة إلى بيتها مطمئنة دون خوف.

غير أن اليهود، تحكي ماريا، حين علموا بأن الأسرى الهولنديين كانوا قد وُعدوا بالحرية مقابل المال، ذهبوا إلى صغارهم سنا، فطيبوا خواطرهم بحلو الكلام، فوعدوهم بالحرية إن أعطوا لهم بضع المئات من الدوكات.

قالوا لهم إنهم سيقدمونها للقائد الأعلى للزنوج، وإن بإمكانهم نيل حريتهم قبل وصول السلطان، الذي ينبغي البحث عنه مجددا في مكان بعيد، الأنر الذي يمكن أن يستغرق شهرا كاملا… لكن للأسف الشديد، تقول ماريا، كان ذلك بعيد المنال.

“لو كنت أتوفر على المال حقا، لدفعته لهم عن طيب خاطر، كي أتخلص من كل ما سببوه لي من محن. لكن المشكلة تكمن في أنهم لا يقنعون، فلو أعطيتهم اليوم كبشا، سيأتون غدا مطالبين ببقرة، فلن يتركوني بسلام قبل أن ينشفوني. منحتهم كل ما أملكه في هذه الدنيا، قائلة بأنني سأعود إلى بلدي عارية، لكن دون جدوى”.

في الـ2 من يوليوز 1738، غادرت ماريا وبعض الأسرى الهولنديين مكناس إلى المعمورة (نواحي سلا)، حيث كان يوجد زوجها كما تابعنا في الجزء السابق.

لكن الأسرى الهولنديين لم يتركوها وزوجها بسلام، إذ سعوا إلى إقلاق راحتها شيئا فشيئا، فألبوا ضدها يهوديا قادهم هناك، فقام باستدعائها، ثم أساء معاملتها وألح عليها كي تدفع له المال، مع أنها أصرت على أنها لا تملك أي نقود.

كان اليهودي يلقي على مسامعها كلمات جارحة، مدعيا أنها كانت تتلقى يوميا من السلطان دوكتين وحليا بأعداد وفيرة، وهو ما اعتبرته ماريا كذبة كبيرة.

تفاوض اليهودي مع القبطان الهولندي جوسيت سيل حول تحريرهم، بيد أنهما لم يتوصلا إلى أي اتفاق؛ في الوقت الذي كان فيه اليهودي يذهب من حين إلى آخر إلى الرباط، حيث كان يوجد الزنوج، من أجل إعداد تقرير لكبير الباشاوات حول تلك المفاوضات.

اقرأ أيضا: يهود الريف المغربي… حكاية وجود راسخ انتهت بـ”باتوا ولم يصبحوا!” 2/1

في أثناء ذلك، فتشوا عن المال في بيت ماريا وحينما لم يجدوه سعوا إليه بالقوة. تقول ماريا: “لو كنت أتوفر على المال حقا، لدفعته لهم عن طيب خاطر، كي أتخلص من كل ما سببوه لي من محن. لكن المشكلة تكمن في أنهم لا يقنعون، فلو أعطيتهم اليوم كبشا، سيأتون غدا مطالبين ببقرة، فلن يتركوني بسلام قبل أن ينشفوني. منحتهم كل ما أملكه في هذه الدنيا، قائلة بأنني سأعود إلى بلدي عارية، لكن دون جدوى”.

اقتيدت بعد ذلك ماريا وزوجها إلى الباشا، فقال بعض الأسرى الهولنديين متشفين: “عاهرة الملك هذه ستحرق الآن. إن لم ترد إعطاء المال والحلي، ستحرق، ستحرق، ستحرق”.

لكن الباشا وزوجاته استقبلوهم بود وقدموا لهم الطعام والشراب ودعوا لهم بالحصول على حريتهم.

مع ذلك، ذاقت ماريا الويلات من قبل اليهودي، ويهودية أخرى ألبها ضدها، قصد الحصول على المال، لكن دون طائل. ويبدو أن الباشا كان في صفها، إذ عاملها كما لو أنها ليست أسيرة، وتمنى لها الحرية وأن يتوصل إلى اتفاق مع القبطان الهولندي.

اقرأ أيضا: في عاشوراء، المسلمون في واد والمغاربة في واد آخر..

بعد أربعة أيام، عيد بهم إلى المعمورة ثانية، حيث كان الأسرى الهولنديون يعتقدون بإعدامهم، فاعترتهم الدهشة حين رأوا ماريا وزوجها… لم يمضوا هناك وقتا طويلا، ففي الرابع من غشت 1738، كان مولاي المستضيء قد دخل إلى القصر سلطانا.

ثم حين تذكر الأخير النصارى، أرسل ما يكفي من البغال قصد إرجاعهم إلى مكناس… وهكذا، بعدما اعتقدت ماريا بتحررها، عادت عارية إلى استعباد جديد! فما الذي ينتظرها في مكناس مرة أخرى؟ ذاك ما سنعرفه في الجزء التاسع من حكاية ماريا.

لقراءة الجزء الأول: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية (الجزء الأول)

لقراءة الجزء الثاني: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: في قصر السلطان عبد الله بن إسماعيل… (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: عزل السلطان عبد الله بن اسماعيل وتولية أبي الحسن علي الأعرج (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الرابع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: ماريا ورفاقها على أعتاب الحرية… لكن! (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء الخامس: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: نهاية علي الأعرج. تنصيب 4 سلاطين في نصف يوم (الجزء الخامس)

لقراءة الجزء السادس: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: مجاعة 1738/1737 (الجزء السادس)

لقراءة الجزء السابع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: صار لماريا حظوة لدى السلطان… فهل سيفرج عنها؟ (الجزء السابع)

لقراءة الجزء التاسع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: صراع السلاطين (الجزء التاسع)

لقراءة الجزء العاشر والأخير: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: نهاية 12 عاما من الاستعباد (الجزء العاشر والأخير)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *