×
×

في عاشوراء، المسلمون في واد والمغاربة في واد آخر..

يمثل العاشر من محرمِ كل سنة هجرية، مناسبة خاصة للمسلمين كافة. لكنهم بسبب انقسامهم بين شيعة وسُنّة، يحيون المناسبة بطريقة مختلفة؛ فالشيعة يحيون ذكرى مقتل الحسين بن علي وأصحابه بالحزن …

يمثل العاشر من محرمِ كل سنة هجرية، مناسبة خاصة للمسلمين كافة. لكنهم بسبب انقسامهم بين شيعة وسُنّة، يحيون المناسبة بطريقة مختلفة؛ فالشيعة يحيون ذكرى مقتل الحسين بن علي وأصحابه بالحزن وإسالة الدماء، بينما نقل السّنة صوم يوم عاشوراء عن اليهود واكتفوا به، حسب ما رواه البخاري ومسلم عن رسول الإسلام.

أما المغاربة، بالرغم من أن سوادهم الأعظم سُنّي، فلا طقوس احتفالهم من السّنة ولا من الشيعة حتى، وإنما هي طقوس خاصة بالمغرب ولا توجد في غيره من الدول ذات الأغلبية المسلمة، لكن بعضها -كما سيرد لاحقا- قد يعود إلى الديانة اليهودية!

اقرأ أيضا: من الولايات المتحدة الأمريكية، عمر بوم يكتب: مستقبل الديانة اليهودية في نسختها المغربية

في هذا الملف، نتعرف على ما يعنيه العاشر من محرم لكل من الشيعة والسنة وكذا المغاربة، وكيف يحيون ذكراه السنوية إضافة إلى أسباب ذلك وأصوله التاريخية…

عاشوراء عند الشيعة، مآتم وحمّامات دماء…

تتجه الأنظار سنويا نحو طقوس الإدماء (التطبير) التي يقوم بها الشيعة في عاشوراء، لإحياء ذكرى موقعة كربلاء التي شهدت مقتل الحسين بن علي، سبط الرسول، وعدد من أصحابه. فما قصة هذه المعركة؟ ولماذا يحيي ذكراها بعض الشيعة بالتطبير؟

  • موقعة كربلاء

على الرغم من أن هذه المعركة لم ترتق إلى مصاف المعارك المستعرة نظرا لأنها كانت عسكريا من المعارك الصغيرة، إلا أنها تعتبر من بين الأشهر والأكثر جدلا في التاريخ السياسي للإسلام، فعلى أعقابها ستتبلور الثقافة الشيعية التي ستصبح هذه المعركة من أهم علاماتها الروحية.

اقرأ أيضا: هل يسطو خامنئي على شيعة العراق؟ ولاية الفقيه أم الدولة المدنية؟

وفق المؤرخين، فإن الحسن بن علي قد تنازل للخلافة لمعاوية بن أبي سفيان على أن يظفر بها بعد موت الأخير؛ إلا أن الحسن

قد مات قبله، وقد قيل بسبب سم وضع له، وفي ذلك جدل تاريخي.

في غضون ذلك، مرت بيعة يزيد بن معاوية، فتعالت الأصوات المعارضة لها، وكان على رأسها الحسين بن علي الذي قرر أن يتحرك فعلا لإيقاف ذلك.

خرج الحسين من المدينة إلى مكة، وأثناء ذلك بعث ابن عمه مسلم بن عقيل إلى الكوفة، ليأخذ له بيعة الناس هناك. ولما بدأت الأمور تسري كما هو مخطط لها، وبدأت بيعة الحسين، سار الأخير إلى الكوفة بين أهل بيته وبعض أصحابه. إلا أن أمر ابن عقيل انكشف لجيش الكوفة التابع ليزيد بن معاوية فقتلوه. ثم، حين وصل الحسين، تخاذل عنه من بايعوه في الكوفة بعد أن شدد عليهم جيش يزيد الخناق.

بلغ تعداد الجيش الأموي أربعة آلاف، فيما لم يبلغ الحسين بمن كانوا معه من أصحابه وأهل بيته المئة، وقد عُرضت عليه ثلاثة حلول لينجوا بمن معه، فإما أن يذهب إلى الشام فيبايع يزيد أو أن يرجع من حيث أتى أو أن يذهب إلى أحد ثغور الإسلام ليجاهد هناك، لكن قائد الجيش الأموي، أصر على القتال.

يختلف أصل التطبير من رواية إلى أخرى، لكن ذائعة الصيت بينها، تلك التي تقول إن زينب بنت علي حين رأت رأس أخيها الحسين، ضربت رأسها بشيء ما حاد، وهو ما يعده المعارضون للتطبير استثنائيا من هول “المأساة” التي رأتها زينب أمامها.

دام القتال ثلاثة أيام متتابعة حسب الروايات التاريخية، منع فيها الجيش الأموي وصول المياه إلى الحسين وأتباعه، وقتل في غضون ذلك جميع أصحابه وأهل بيته من الرجال، ولم يسلم منهم إلا حافظ نسله من بعده، ابنه علي زين العابدين. وقد قيل إن نساء آل البيت قد سقن إلى يزيد كالسبايا، غير أن ذلك ظل محل جدل تاريخي.

يوم الجمعة، عاشوراء محرم سنة 61 للهجرة الموافق لـ12 أكتوبر 680م، سيقتل الحسين بن علي في ذات المعركة وقد قيل إنه أمطر بالسهام والرماح وضربات السيوف حتى وجدوا بجسمه ما يربو عن 30 جرحا غائرا، فيما قام “شمر بن ذي جوشن” بفصل رأسه عن جسده، وكان للحسين آنذاك 56 عاما.

اختلفت الروايات حول مدفن رأسه، فهناك من يقول إنها توجد بالشام وآخرون يقولون إنها بعسقلان أو القاهرة أو البقيع، فيما يرى البعض الآخر أن مكانها مجهول. لكن الرواية التي انتشرت أكثر من غيرها، هي أن رأس الحسين دفنت مع جسده في كربلاء، إذ عادت مع أخته زينب بنت علي بعد 40 يوما من مقتله؛ أي في 20 من صفر، وهو اليوم الذي يجدد فيه الشيعة حزنهم.

اقرأ أيضا: “الإسرائيليات… إسلام بنكهة أهل الكتاب. آدم وحواء وجنة الخلد 1\3”

  • التطبير

الإدماء أو “التطبير” (كلمة عراقية)، طقس ديني شيعي يدخل ضمن ما يسمى بالشعائر الحسينية، يعرف به المسلمون الشيعة الإثني عشرية، ويستخدمون خلاله مجموعة من الأدوات الحادة كالسكاكين والسيوف وأحيانا السواطير لضرب رؤوسهم قصد إحداث جروح تسيل عبرها الدماء. بالمقابل، هناك شعيرة أخرى وقع عليها الخلاف بين الشيعة، وهي إدماء الظهر من خلال سلسلة من السكاكين. هذه الممارسة رائجة عند شيعة الهند وباكستان أكثر من غيرهم.

التطبير بشكل عام مختلف حوله بين الشيعة، إذ يرفضه كثيرون أبرزهم قائد الثورة الإسلامية في إيران، روح الله الخميني، الذي منعه مؤقتا ثم حرمه تحريما مطلقا بعد ذلك؛ إلى جانب المرجع الديني الأعلى في إيران نفسها، علي خامنئي، الذي حرم التطبير هو أيضا كما يظهر من خلال مجموعة من الفيديوهات المنتشرة له على الأنترنت. يشار إلى أن التطبير حسب القانون الجنائي الإيراني يعاقب عليه بالحبس والجلد.

أما المرجعية الدينية العليا في العراق، علي السيستاني، فمعروف أنه لم يخض بشكل علني في موضوع التطبير ولم يصدر أي فتوى بخصوصه، فلا رسالته العلمية ولا الفتاوى المنشورة على موقعه الرسمي تشير إلى ذلك. لكن للشيعة قاعدة فقهية تعرف بأصالة البراءة، تبيح ذلك تأسيسا على أن كل ما لم يرد فيه تحريم، يعتبر حلالا.

اقرأ أيضا: من اليمن، عبده محسن الحاج يكتب: فتاوى للمرأة؟

إن أصل التطبير يختلف من رواية إلى أخرى، لكن ذائعة الصيت بينها تلك التي تقول إن زينب بنت علي حين رأت رأس أخيها الحسين، ضربت رأسها بشيء ما حاد، وهو ما يعده المعارضون للتطبير استثنائيا من هول “المأساة” التي رأتها زينب أمامها، ناهيك عن كونها لم تُعِد ضرب رأسها في الذكرى السنوية الأولى لمقتل أخيها. إلا أن مؤيدي التطبير يعتبرون هذه القصة دليلا شرعيا يجيزه.

يكتفي السّنة في أفضل الأحوال بصوم عاشوراء كل محرم أو صومه ويوما قبله وآخر بعده، وقصة ذلك، ليست من أركان الدين الإسلامي في شيء.

في الموضوع ذاته، للمفكر الإيراني علي شريعتي تأصيله الخاص للتطبير، إذ يقول في كتابه “التشيع العلوي والتشيع الصفوي”، إن الصفويين هم من استحدثوا منصبا وزاريا جديدا باسم وزير الشعائر الحسينية. هذا الأخير ذهب إلى أوروبا الشرقية وكانت تربطها بالدولة الصفوية روابط حميمة، وأجرى هناك تحقيقات ودراسات حول المراسم الدينية والطقوس المذهبية والمحافل الاجتماعية المسيحية، ومنها أساليب إحياء ذكرى شهداء المسيحية.

شريعتي يشير إلى أن هذا الوزير جاء بهذه الأساليب إلى إيران وأدخل عليها تعديلات حتى تناسب المناسبات الشيعية، ما أدى إلى ظهور موجة جديدة من الطقوس والمراسم المذهبية لم يعهد لها سابق لدى المسلمين. وفق المفكر ذاته، فإن هذه المراسم اقتبسها الصفويون وأدخلوها إلى التاريخ الشيعي لتصبح جزءا من هويته ولتجسد المصائب التي تعرض لها أهل البيت والإمام الحسين وأصحابه.

إلى جانب ذلك، يعد صوم يوم عاشوراء لدى الشيعة مكروها، ويمكن حسب المرجعية الدينية العليا، علي السيستاني، الامتناع عن شرب الماء فقط، تجسيدا لعطش الحسين وأصحابه وآل بيته حينما منع عليهم جيش يزيد بن معاوية المياه في موقعة كربلاء.

اقرأ أيضا: “في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس”

عاشوراء عند السُّنة، صوم لمن شاء…

لا يمثل يوم عاشوراء بالنسبة للسّنة ما يمثله بالنسبة للشيعة. في أفضل الأحوال يكتفي السّنة بصوم عاشوراء كل محرم أو صومه ويوما قبله وآخر بعده. قصة ذلك ليست من أركان الدين الإسلامي في شيء. وفقا لما رواه البخاري ومسلم، فإن الرسول وجد يهود المدينة يصومون هذا اليوم فسألهم عن سبب ذلك، فقالوا: “إنه اليوم الذي أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى وها نحن نصومه”، فقال الرسول: “أنا أحق منكم بموسى”، فصامه وأمر بصيامه.

حسب البخاري ومسلم دائما، فإن عائشة بنت أبي بكر قالت: “كان يوم عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله يصومه، فلما قدم المدينة صامه، وأمر الناس بصيامه، فلما فرض رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه”. وعن معاوية بن أبي سفيان قال: “سمعت رسول الله يقول: إن هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب عليكم صيامه، وأنا صائم فمن شاء صام ومن شاء فليفطر”.

إذا كان النسيج المجتمعي قديما في المغرب لا يفرق بين اليهودي والمسلم، فإنه من الوارد جدا أن تكون معارك المياه التي تقام صبيحة كل عاشوراء في المغرب بين أبناء الحي من أصدقاء وجيران، مأخوذة عن الديانة اليهودية.

في الواقع، هناك قصص عديدة عن وقائع حدثت في عاشوراء، إلا أنها تبقى غير ذات سند تاريخي قوي، ومن ذلك أن الكعبة كانت تكسى قبل الإسلام في يوم عاشوراء، وهو اليوم الذي أنجى فيه الله نوحا وسفينته وأنقذ إبراهيم من النمرود وتاب فيه عن آدم وأرجع فيه يوسف إلى يعقوب وأخرج يونس من الحوت ورفع عن أيوب بلاءه ونجى فيه موسى وبني إسرائيل.

اقرأ أيضا: “ملف: “الرقية الشرعية” في مرمى الجدل مرة أخرى..”

عاشوراء عند المغاربة.. طقوس من قوم موسى!

تسم احتفال المغاربة بعاشوراء كل سنة طقوس خاصة، لا هي من السّنة ولا هي من مظاهر التشيع في شيء. إلا أنها قد تكون أقرب من اليهود الذين نقل رسول الإسلام صوم يوم عاشوراء عنهم، كما ورد سابقا.

عادة رش الماء على الآخرين في عاشوراء تعود إلى طقوس من الديانة اليهودية، إذ يعتقد هؤلاء أن الماء كان سببا في نجاة النبي موسى من فرعون، ولعله السبب الرئيس الذي ينبني عليه صوم المسلمين لعاشوراء حسب ما ورد في حديث البخاري ومسلم السابق ذكره.

حسب ما يروج عن اليهود المغاربة، فإنهم يعتقدون أن الماء في هذا اليوم يكون تميمة ورمزا للنماء والخير والحياة. لأجل ذلك، كان اليهود في المغرب قديما يرشون الماء يوم عاشوراء على أموالهم وممتلكاتهم حتى يباركها الله، فيما كان أطفالهم يلهون برشه على بعضهم البعض.

وإذا كان النسيج المجتمعي قديما في المغرب لا يفرق بين اليهودي والمسلم، فإنه من الوارد جدا أن تكون معارك المياه التي تقام صبيحة كل عاشوراء في المغرب بين أبناء الحي من أصدقاء وجيران، مأخوذة عن الديانة اليهودية.

إلا أن طقوسا أخرى لم يرد فيها أي تأصيل وفي أفضل الأحوال تنسب إلى ما قبل الإسلام، تظل حكرا على المغاربة وحدهم، كاحتفال الأطفال بشراء الألعاب والمفرقعات النارية وارتداء الأقنعة والأزياء التنكرية، والدق على الدفوف، وتناول بعض الأنواع الخاصة من الحلوى والفواكه الجافة، إلى جانب إشعال نيران ضخمة في ساحات الأحياء يحلق حولها أبناء الحي مرددين بعض الأهازيج الفريدة. هذا في الوقت الذي لا يفوت البعض هذا اليوم لإطلاق العنان لما يؤمن به من أعمال سحر وشعوذة، حسب ما يتداوله الكثير.

ومنه، يتبين أن المغاربة، مرة أخرى، يسلكون طريقا لوحدهم كشعب متفرد يصنع طقوسه الخاصة وفق هواه. هذه الطقوس قد تختلف أحيانا عن طقوس أمم دينية بكاملها، على الرغم من كونه جزء منها. ففي عاشوراء، المسلمون في واد… والمغاربة في واد آخر!

اقرأ أيضا: “هذه حكايات 9 من أشهر الاغتيالات السياسية في صدر الإسلام.. (الجزء الأول)”

 

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *