×
×

ملف: “الرقية الشرعية” في مرمى الجدل مرة أخرى..لإخراج "جن" تلبس بها، "فقيه" يضرب امرأة في الحسيمة حد الموت!

ماتت امرأة… هذا ليس بخبر صحفي، لكن هذه المرأة ماتت، لا لأن أجلا مألوفا قد وافاها، إنما قد قتلت… القتل أيضا خبر جرت الصحف تداوله، لكن جريمة القتل هذه، جريمة …

ماتت امرأة…

هذا ليس بخبر صحفي، لكن هذه المرأة ماتت، لا لأن أجلا مألوفا قد وافاها، إنما قد قتلت…

القتل أيضا خبر جرت الصحف تداوله، لكن جريمة القتل هذه، جريمة غير مألوفة!

هذه المرأة قتلت ضربا، لا لثأر أو لأنها اغتصبت أو ما إلى ذلك من جرائم الضرب المفضي إلى الموت التي يعرفها المجتمع عادة[1]… إنما قد قتلت؛ لأن “فقيها” ضربها حد إزهاق روحها، بغية إخراج جن تلبس بها!

الخبر:

امرأة أم لخمسة أبناء، من “آيت بويخلف”، دوار بنواحي الحسيمة، كانت تعاني قيد حياتها من اضطرابات نفسية، لقيت مصرعها في جلسة رقية شرعية، ليلة السبت 28 يوليوز الماضي، بعدما تعرضت لشتى أنواع الضرب المبرح على يد “راق”، اعتقادا منه بأن ذلك سيخرج جنا قد مسها، حسب ما تناقلته مواقع إلكترونية محلية في الحسيمة، صبيحة الإثنين 30 يوليوز 2018.

صحيح أن عناصر الدرك الملكي بمركز “النكور” (نواحي الحسيمة) قد أوقفت “الراقي” وأبناء الضحية، ووضعتهم تحت تدابير الحراسة النظرية لتجري النيابة العامة بحثها، حسب ذات الخبر، لكن…

السؤال الذي يطرح هنا هو التالي: ما الذي يقف حقيقة وراء هذه الحادثة وحوادث أخرى تزخر بها المواقع الإلكترونية، من جرائم جنس وقتل تحدث بسبب ما يسمى بالرقية الشرعية، التي يعتبرها ذوو الاختصاص دجلا، وشعوذة، واستغلالا لجهل الناس؟

الجهل، استغلاله من طرف “الرقاة” بالنصب والاحتيال، ارتفاع تكاليف التطبيب… فرضيات من بين أخرى لإجابات قد تكون جاهزة عند كثيرين، لكننا في هذا الملف، نضع “الرقية الشرعية” تحت مجهر المختصين، بل ونستقصي خباياها من خلال أحد “الرقاة” المغاربة.

راق مغربي: “الضرب معمول به، وأرباحنا طائلة”!

تعج الشبكات الاجتماعية بالمغرب، بصفحات “الرقاة الشرعيين” وأرقامهم الهاتفية. إطلالة قصيرة عليها، تلاحظ من خلالها أن كلا يفاخر بالحالات التي قد شافاها. كل ذلك يتم وفق بث مباشر في أحيان كثيرة.

اتصلنا في “مرايانا” بأحد هذه الأرقام، وهو لـ”راق شرعي” مغربي من الجديدة، واسمه حسن المغربي، عدد متابعي صفحته يتجاوز العشرين ألفا.

حسن المغربي: “إذا كانت النساء اللواتي يمتهن الجنس يحصلن لقاء ما يقمن به على 1000 يورو شهريا مثلا، وإذا افترضنا أن عددهن في المغرب 100 ألف، فإن الرقاة الشرعيين، يحصلون على مداخيل تضاعف هذه 50 ألفا دون أي مبالغة”.

الراقي اعترف جوابا عن سؤال استخدام الضرب في الرقية الشرعية، بأنه قبل سنوات كان يستخدم ذلك، وتراجع عنه فيما بعد. أما عن السبب، فيتساءل: “إذا استعملت العصا، وخنق الجني الضحية وماتت، فأين سنصبح حينذاك؟”.

حسن المغربي يقول إن الرقاة ممن تنبهوا لذلك، قد تراجعوا عن استخدام الضرب؛ مضيفا: “في هذا الباب، ثبت عن شيخ الإسلام ابن تيمية أنه استخدم الضرب، لكن هذا يظل شيخا للإسلام، ويعد من التابعين، وهذا عالم بينما نحن لسنا بعلمه”.

فهل يعترف الراقي هنا بأنه جاهل، إذا كان يقر بأنه ليس على علم تام بما يقوم به؟ وهل جاز لابن تيمية نفسه أن يضرب الناس، لا لشيء، إلا لأنه “عالم ومن التابعين”؟

سألناه عن تفسير لهذه المراجعة، وإن كان ذلك ينم عن جهل بما يقومون به، فأجاب: “ليس كذلك، إنما لم أكن أحسب الأمر جيدا، تخيل لو مات أحدهم بين يديك وأنت ترقيه؟”.

وماذا عن أرباح هذه المهنة؟ “الوافدون علينا يأتون من العالم كله، وليس من المغرب وحده. المال الذي نحصل عليه من الرقية رهيب. هذا المجال ليس مدرا للأرباح فحسب، إنما ما ندره، مال بمعنى الكلمة” يقر حسن المغربي.

ولتقدير ذلك، يضيف بلغة التشبيه، “إذا كانت النساء اللواتي يمتهن الجنس يحصلن لقاء ما يقمن به على 1000 يورو شهريا مثلا، وإذا افترضنا أن عددهن في المغرب 100 ألف، فإن الرقاة الشرعيين، يحصلون على مداخيل تضاعف هذه 50 ألفا دون أي مبالغة”.

اقرأ أيضا: “هذه حكايات 9 من أشهر الاغتيالات السياسية في صدر الإسلام.. (الجزء الأول)”

مع قدر لا بأس به من التحفظ بخصوص الأرقام التي يقدمها الراقي الشرعي، إلا أنها، إن صحت، فهي تثير الشك في من يمتهن “الرقية الشرعية”. لِحَسن المغربي إجابة دائما، وهذه المرة هي: “وما المانع في الشرع؟ مع أن المبدأ الذي أشتغل به هو التالي: من له مال أرقيه، ومن ليس له مال أرقيه أيضا”.

لكن، ما الذي أهّل هذا الراقي للاشتغال ضمن هذا المجال؟ يقول حسن المغربي: “كنت أملك حانات برخص عن أبي، وكنت أتصرف في الملايير. لكني رأيت أن هذا لم يعد مناسبا لي. بدأت مرحلة جديدة من الالتزام، فأحسست بأعراض معينة”، مضيفا: “كنت مصابا بمس، وقضيت فترة أعالج نفسي بنفسي، قرأت كتبا عديدة عن الرقية، وما دفعني إلى اليقين بذلك، إيماني بالله عز وجل، وحين تمكنت من هذا المجال، بدأت أعالج الناس”.

رئيس مجلس علمي: الرقية الشرعية اغتنى أصحابها لإقبال الناس عليها، شبابا وشيوخا، بسبب الجهل بالدين، وشيوع ثقافة الدجل وادعاء علم الغيب، وهي دجل وشعوذة”.

في الأخير، يعرف حسن المغربي فيما يشبه اليقين، وفق ما يفيده لـ”مرايانا”، أن “وزارة الداخلية أو وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ستقوم يوما ما بحملة كما الحملة التي سبقت عن البرقع، لإيقاف كل المشتغلين بالمجال”، لذلك يقول “يجب ألا تضع كل بيضك في سلة واحدة”، وبناءً على ذلك، يشتغل اليوم بالموازاة، في محل لبيع وإصلاح الأجهزة الإلكترونية.

“الرقية الشرعية دجل وشعوذة، ولا وجود لقانون لأنه لا وجود لمهنة اسمها الراقي في الأصل”

يعود انتشار الرقية الشرعية في المغرب إلى “انتشار الخرافة في الدين”، وفق ما يدلي به مصطفى بن حمزة، رئيس المجلس العلمي لوجدة، لـ”مرايانا”، فـ”الناس لا يقرؤون، وحين يكثر الجهل، يستغل البعض هذا. أما حين تكون الأمة عالمة، فإنها تذهب في الطرق الصحيحة”.

الراقي، حسب ابن حمزة، “يكون إنسانا يثق الناس فيه فيدعو الله لهم، لكنهم يجب أن يذهبوا بالموازاة ليعالجوا عند المختصين. أما إن كان يقول لهم لا تعالجوا أنفسكم، فالرقية تنوب عن ذلك، فهذه مسألة خطيرة جدا. الإنسان يتعرض لأمراض يلزمها العلاج والفحص والأجهزة المتطورة، وحين نمنعه عن العلاج حتى يلقى الله، فهذا يدخل في باب الإضرار بالناس وبأنفسهم”.

من جهته، يبرز لحسن سكنفل، رئيس المجلس العلمي لعمالة الصخيرات تمارة لـ”مرايانا”، أنه يجب الفصل بين الرقية وما يطلق عليه الرقية الشرعية، فـ”الرقية تعني الاستشفاء بالقرآن الكريم، وذلك مباح وجائز والأصل في ذلك قول الله تعالى: “وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين”، وقد ثبت في السنة أن النبي كان يستشفي بالقرآن”.

“أما ما يطلق عليه بالرقية الشرعية، والتي يمتهنها اليوم عدد من الدجالين والمشعوذين والأفاقين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، حتى وجدت لها سوقا رائجة، واغتنى أصحابها بسبب إقبال الناس عليها، شبابا وشيوخا بسبب الجهل بالدين، وشيوع ثقافة الدجل وادعاء علم الغيب، فهي دجل وشعوذة”، يشدد ذات المتحدث لـ”مرايانا”.

سكنفل يؤكد أن هذه ليست بـ”مهنة لها قواعد وضوابط شرعية أو قانونية، وإنما هي من الوسائل التي استحدثها مدعو علم الغيب. وحتى لو كانوا يستدلون بالقرآن أو الحديث النبوي، فالهدف هو جمع المال بطرق ملتوية يدخل فيها ادعاء علم الطب (طب الأعشاب) وادعاء علم الغيب (عالم الجن والسحر)”.

سوسيولوجي: “الكثير من المغاربة، يلجؤون إلى الوسائل “الخرافية”، إما لجهلهم أو لضيق ذات اليد، ناهيك عن أن الإنسان يكون هشا وضعيفا جدا أمام مرضه وكثيرَ الثقة بما يقال له أو بما يملى عليه”.

وعن وجود فراغ قانوني، يؤكد مصطفى بن حمزة أن القانون لا يوجد في هذا الصدد، لـ”أنه لا يوجد منصب اسمه راق ولا منصب الذي يدعو للناس. هذه قضية لا أصل لها، أي شخص يرقي الناس يكون قريبا لهم ويعرفهم، الرقية ليست بحرفة ولا مهنة ولا يتقاضى عنها الشخص أجرة”.

لكن لماذا لا تتدخل الدولة لسن إجراءات للردع؟ يوضح بن حمزة، أنه “لا يجب إلقاء اللوم على الدولة دائما. هؤلاء مواطنون ليست لهم معرفة بالدين. هذا نوع من شيوع الخرافة والدجل، كل الناس مسؤولين عنه. إذا ذهبت إلى الراقي، فأنت لا تذهب برخصة، بل تذهب بمحض إرادتك، لأنك غير واع. الدولة لا دخل لها في هذا”.

اقرأ أيضا: “موريتانيا: رقية شرعية تؤدي إلى حمل… بمباركة القبيلة”

ما يجب الترافع من أجله، وفق ذات المتحدث، هو الوعي، “فرق أن نتحدث مع أمتنا لإصلاحها، وأن نجعل من هذا موضوعا للخصومة. من أراد أن يقتلع شيئا، عليه أن يقتلعه من وعي الناس. هم يتصورون أن ذاك هو الدين، بينما هو ليس كذلك”، يؤكد ابن حمزة لـ”مرايانا”.

“الهشاشة التي يحدثها المرض، الجهل، وقلة ذات اليد، أسباب رئيسية”

يرى علي الشعباني، الأستاذ السابق لعلم الاجتماع بجامعة محمد الخامس بالرباط، أن حادثة وفاة المرأة في الحسيمة يجب “التعامل معها بكثير من الاحتياط والحذر، لأنه لا يمكن الحكم على حالة وتعميم الحكم على الجميع”، مستطردا بالقول، “مع أن ما وقع، ليست بالحالة الأولى، إذ هناك من يعتقد أنه يصرع الجن، فيرتكبون فظاعات. هولاء يعتقدون أنهم يضربون الجن بينما هم يضربون إنسانا، فيتأثر الأخير بهذا الضرب المبرح ويؤدي ذلك إلى الوفاة أو عاهات مستديمة”.

المجتمع المغربي، وفق الشعباني، “لم يصل بعد إلى وعي كاف يمكن أن يدرك الإنسان به أسباب أمراضه، فيلجأ إلى الجهات الضرورية لعلاج اختلالاته النفسية والعقلية أو العضوية”. من أسباب ذلك، أن “الجهل لا زال معششا في عقول الكثير من الفئات المغربية، فيعتبرون أن اللجوء إلى هذه الوسائل التقليدية القديمة، كفيل بمعالجة هذه الاختلالات أو الأمراض”.

إقبال فئات واسعة من المغاربة على “الرقاة الشرعيين”، يفرض إعادة نظر في فهم الدين؛ إذ بدأت تجتاحه الخرافة في عقول كثيرين، كما تحتم عملا كبيرا لانتشال هذه الفئات من براثين الجهل، معرفيا، اجتماعيا واقتصاديا!

الواقع أن المجتمع المغربي، وفق الباحث السوسيولوجي، “لم يعمل على ترقية المستوى الاجتماعي والاقتصادي للمغاربة، ثم إن تكاليف التطبيب مرتفعة والمستشفيات غير موجودة؛ والموجودة منها غير مؤهلة لاستقبال المواطنين، ناهيك عن مسألة الاستغلال التجاري في الأطباء”.

الكثير من المغاربة، يلجؤون إذن إلى الوسائل “الخرافية”، إما لجهلهم أو لضيق ذات اليد، ناهيك عن أن “الإنسان يكون هشا وضعيفا جدا أمام مرضه وكثيرَ الثقة بما يقال له أو بما يملى عليه. لذلك، أمام المرض والهشاشة التي يحدثها، وقلة ذات اليد، والجهل المطبق، لا بد أن تحدث مثل هذه الأحداث”، وفق ما يفيده الشعباني لـ”مرايانا”.

الباحث في علم الاجتماع، يؤكد أن هذه الأحداث “لا يمكن معالجتها من خلال طرحها إعلاميا فحسب، إنما أيضا على مستويات متعددة، اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا وفكريا. لكن المجتمع المغربي ليس مؤهلا بعد لذلك، وهذه الحالات ستتكرر، ما دامت الدولة والحكومات المتعاقبة لا تعمل على ترقية الإنسان المغربي، لكي يرفع من وعيه ومعرفته وتقديره لما يصيبه من أمراض ومن اختلالات نفسية وعقلية”.

صحيح أن جريمة القتل التي حدثت في الحسيمة، قد تكون حالة معزولة، لكن ما يطلق عليه بالرقية الشرعية، وفق ما رأينا في هذا الملف، لا يعدو أن يكون سوى دجلا وشعوذة. إقبال فئات واسعة من المغاربة على هؤلاء إذن، يفرض إعادة نظر في فهم الدين؛ إذ بدأت تجتاحه الخرافة في عقول كثيرين، كما تحتم عملا كبيرا لانتشال هذه الفئات من براثين الجهل، معرفيا، اجتماعيا واقتصاديا!

اقرأ ايضا: “فتاوى عجيبة: حينما يتوهج ذكاء بعض “علماء الدين”، هذه هي النتيجة! (الجزء الأول)”


[1]  ننوه إلى أن الأمثلة الواردة في هذا السياق، إنما هي أمثلة فحسب ولا يفهم منها أن “مرايانا” يطبع مع أي نوع من الجرائم التي يعرفها المجتمع المغربي.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *