×
×

حادثة كربلاء: قتل المعاني وإحياء عاشوراء

“لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما”

أحمد المهداوي، باحث في مجال الدراسات الإسلامية

في العاشر من محرم، وفي كل سنة، تستذكر “اﻷمة اﻹسلامية” حادثة تعتبر من الحوادث المأساوية، كانت نقطة مفصلية في التاريخ اﻹسلامي، كانت وما زالت من أكثر الحوادث جدلا عبر التاريخ.

عن هذه الحادثة، تمخضت آثار سياسية ودينية أسقطت العالم الإسلامي في براثن التفرقة والتشرذم. لكنها، في الوقت ذاته، أمست رمزاً من رموز التضحية والفداء، وعلامة لثورة المظلوم على الظالم، وانتصار الدم على السيف.

هذه الحادثة التي امتدت على مدى ثلاثة أيام وانتهت في يوم 10 محرم سنة 61 هجرية، شكلت منعطفا خطيراً في الخط الزمني للتاريخ اﻹسلامي.

تم التنكيل بجسد الحسين بن علي وقطع رأسه في صورة وحشية تنم عن حقد وغل وخوف من انتصار الثورة على النظام الحاكم المفروض بالقوة

سميت الحادثة بـ “معركة كربلاء” أو “واقعة الطف” تعبيراً عن الكرب والبلاء الذي حل بـ “اﻷمة اﻹسلامية” بعد موت ثائر ضحى بنفسه من أجل تكسير حاجز الخوف والرهبة من البطش والقهر، وبعث روح الفداء والتضحية، وأعطى للصبر عنواناً، وألبس الثورة شعاراً.

انتفض الحسين بن علي بن أبي طالب، اﻹمام الثالث للشيعة، في وجه الظلم واﻹستبداد والتسلط، ورفض إضفاء الشرعية على حكم يزيد بن معاوية المفروض بقوة السيف، محاولا تكسير جدار الصمت الذي خيم على اﻷرجاء بعد تكميم اﻷفواه وإلجامها بقوة السيف.

عقد الحسين العزم إذن على الخروج في وجه الظالم، و”قول كلمة الحق عند السلطان الجائر”، ضارباً بعرض الحائط كل المأثورات الداعية -فيما بعد- إلى الخضوع والخنوع وطأطأة الرأس أمام الظَّلمة، موجِّهاً السهام نحو كل (حديث مأثور) يلوح بعد ذلك في اﻷفق من شأنه أن يشرعن باسم النبوة الظلم واﻹستبداد، ويستبيح صناعة الطواغيت على المقاس.

اقرأ أيضا: في عاشوراء، المسلمون في واد والمغاربة في واد آخر..

توجه الحسين بن علي بن أبي طالب نحو الكوفة معلناً رفضه لحكم يزيد بن معاوية، ملبياً نداء مواطنيها مع أهله وذويه، بعدما رأى ما يحدث من ظلم في أسقاع البلاد؛ متأثراً كغيره من الجيل الجديد الثائر والمشارك بقوة في جل اﻷحداث السياسية آنذاك.

عبد الله بن الزبير ابن العوام كان من أبرز زعماء هذا الجيل، إلى جانب الحسين بن علي، وهو من قاد بعده الثورة في مكة، إضافة إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن العباس…

بلغ مجموع من قتل من أنصار الحسين بن علي في معركة كربلاء، اثني وسبعين شخصا في اليوم العاشر من محرم

بيد أن يزيد بن معاوية لم يستسغ فكر الحركة الوليدة، والمعارضة المناوئة لنظام الحكم، ليطلق العنان لواليه في الكوفة عبيد الله بن زياد من أجل وأد هذه الحركة السياسية المعارضة. اﻷخير الذي لم يذخر جهداً من أجل القضاء على كل معارضي النظام الحاكم، فأمر -كما ذكر ذلك العمراني في كتاب “اﻹنباء في تاريخ الخلفاء”- باﻹتيان برأس الحسين مقابل تولية الفاعل مدينة الري.

هنا، وثب عمرو بن سعد بن أبي وقاص بعدما تحركت المطامع الدنيوية والغرائز السلطانية قائلا: “أيها اﻷمير، أكتب لي عهد الري حتى أفعل ما تأمر”.

اقرأ أيضا: الحسن بن علي، مروان بن الحكم وعمر بن عبد العزيز: هذه حكايات 9 من أشهر الاغتيالات السياسية في صدر الإسلام.. (الجزء الثالث)

لم يلبث أن انطلق عمرو بن سعد بن أبي وقاص ﻹعتراض سبيل الحسين بن علي وقتله بقطع رأسه على يد شمر بن ذي الجوشن، من أجل تولي منصب أمير الري.

قُتل الحسين بن علي، بعدما حوصر ثلاثة أيام بلا شراب.

وقُتل في صحبته ثلاثة وعشرون رجلا كان أوَّلهم مسلم بن عقيل بن أبي طالب، المرسول الذي ذهب ﻻستطلاع اﻷمر في الكوفة، فتم كشفه من طرف واليها عبيد الله بن زياد ليتم قتله بعد ذلك. أما مجموع من قتل من أنصار الحسين بن علي في معركة كربلاء، فقد بلغ اثني وسبعين شخصا في اليوم العاشر من محرم.

تم التنكيل بجسد الحسين بن علي وقطع رأسه في صورة وحشية تنم عن حقد وغل وخوف من انتصار الثورة على النظام الحاكم المفروض بالقوة. لكن، لسبب من الأسباب، ظلَّت هذه الميتة اﻷليمة سبباً في إذكاء جذوة الصِّراع بين الفرع الهاشمي والفرع اﻷموي، إلى أن أتت على الحكم اﻷموي إبان فترة ما بعد هشام بن عبد الملك، وكانت سبباً أيضاً في التعاطف الشديد مع الحسين بن علي وعقد مآثم العزاء على روح “الشهيد” منذ ذلك الحين؛ مروراً بالدولة الفاطمية في مصر التي أعلنت عن يوم عاشوراء يوم حداد وعزاء تتعطل فيه اﻷسواق. أما في إيران، فقد أمر معز الدولة الديلمي بإعلان يوم عاشوراء عطلة رسمية، وظلَّت ملامح الحسين تُحاصر إيران -حتى سنة 1979- من أجل نعيه واستذكار ظروف قتله، واستلهام معاني حركته الثورية (التضحية، الحق، الحرية، الفداء…) من طرف روح الله الخميني من أجل تحريك الثورة اﻹيرانية، وتعبئة الشعب للتصدي لنظام الشاه محمد رضا بهلوي.

اقرأ أيضا: من أشهر المتهمين بالإلحاد في التاريخ الإسلامي: ابن المقفع (الجزء الثاني)

نعم قُتل الحسين بن علي، وهذا شأن كل ثائر في وجه الظلم. إلا أنه تمكن -ولو لبُرهة من الزمن- من تكسير حاجز  الخوف، وتقويض جدار الصمت، واشعال جذوة الثورة على الظلم، وتأليب النفوس على اﻹضطهاد؛ محاولا بعث روح التضحية في سبيل المبادئ، إلى أنِ استطاع بهذا كلِّه رفع شارة النصر أمام قتلته، معلناً منذ ذلك الحين بداية تقويض الحكم الأموي، تاركاً “اﻷمة اﻹسلامية” بين البَيْنَين، بين مؤيدٍ للدولة اﻷموية، وبين متأسف على الثورة الحسينية، وكلا الفريقين لا زال يرفل في أحضان الماضي إلى اليوم.

بعيداً عن كل الطقوس التي تسود يوم عاشوراء، سواءٌ أكانت احتفالا أو عزاءً، لا ينبغي إغفال أهمية هذا اليوم من الناحية التاريخية، حيث شكل منعطفاً في التاريخ اﻹسلامي. هذا الأمر يستدعي نبش التربة عن حادثة عاشوراء، التي أعطت من خلال استشهاد الحسين بن علي درساً في معاني التضحية والثورة والحرية والتحرير والبحث عن الخلاص من كل أشكال الظلم والقهر.

لهذا، كان لزاماً على الأمة الوقوف على أعتابها من أجل تحرير معانيها، وتحقيق مساعيها، لا الوقوف على أطلالها من أجل اللَّطم والتَّطبير والتباكي، أو ضرب الدُّف والغناء واﻹحتفال.

بالمقابل، فليست ثورة الحسين بن علي – على ما شابها من قصور- ذكرى اعتباطية تستدعي البُكائية أو الإحتفالية، لأن المعاني في موقعة الطّف أعمق من عشوائيات مراسم العزاء أو احتفالات عاشوراء.. إنَّها رفض للظُّلم بكلِّ أشكاله.

لكن، تبقى كلمات الحسين بن علي حبيسة زمنٍ بعينه ما دامت لم تُستلهم من أجل إعطاء نفس جديدٍ لمعانيها، والاكتفاء بالمقابل بهلوسات العزاء المصحوبة بالدَّم والنَّار، أو بالركون إلى إحياء يوم عاشوراء احتفالا بشيءٍ مجهول.

في هذا الصدد، يلقي الشاعر أمل دنقل الضوء على كلمات الحسين بقوله:

إن تكُن كلماتُ الحسينْ ..

وسُيوفُ الحُسينْ ..

وجَلالُ الحُسينْ ..

سَقَطَتْ دون أن تُنقذ الحقَّ من ذهبِ الأمراءْ؟!

أفتقدرُ أن تُنقذ الحقَّ ثرثرة الشُّعراء؟!

 

هنا، أقول عذراً أمل دنقل، لأقول:

أفتقدرُ أن تُنقذ الحقَّ مواسمُ العزاء واحتفالات عاشوراء ؟!..

 

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *