×
×

مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: مجاعة 1738/1737 (الجزء السادس)

خلال فترة حكم السلطان ولد عربية، اجتاز المغرب فترة غلاء امتدت من عام 1737 إلى يونيو 1738، قضى خلالها 48 ألف شخص بسبب اشتداد الجوع، كما تحكي ماريا في مذكراتها، التي نسرد منها في هذا الجزء، ما طبع ذاكرتها عن هذه المأساة الإنسانية.

توقفنا في نهاية الجزء الخامس عند استدعاء السلطان للأسرى النصارى ليحفروا له منجما حول قصره في ضاحية مدينة مكناس، مخضعا إياهم بذلك للأعمال الشاقة التي كانوا يخشونها، وذلك قبل أن تنزل المأساة على أهل البلاد كلهم، بمجاعة عصفت بالمغرب بين عامي 1737 و1738، نعرض بعضا من تفاصيلها في هذا الجزء السادس، كما التقطتها عيون ماريا.

يونيو 1736…

ذهب النصارى كلهم إلى قصر السلطان عبد الله بن اسماعيل في ضاحية مدينة مكناس، ليحفروا له منجما هناك، ولم يبق بالمدينة سوى امرأتين وماريا وابنها، والكهنة بديرهم.

ظلت ماريا هناك دون سنت واحد يمكنها من توفير قوت يومها. حتى النصراني الذي كان يقرضها المال رحل، ولم يكن هناك متسع من الوقت لإخراج بعض المال من المطامير.

كانت هذه المطامير، تحكي ماريا، حفرا تحت الأرض خبؤوا فيها أشياءهم الثمينة خوفا من المغاربة، جريا على عادة هؤلاء، إذ كانوا يخبؤون كل شيء تحت الأرض خوفا من العدو.

أُجبر النصارى على الأشغال الشاقة تحت الشمس الحارقة، وكانوا بالكاد يتلقون طعاما عبارة عن خبزة صغيرة، وأحيانا لا يتلقون أي شيء.

والحال هذه، التجأت ماريا إلى الدير، حيث وفر لها الكهنة كل ما تريد، مع أنها كانت مهمومة كثيرا نظرا لعلمها بأن زوجها يعاني كثيرا رفقة باقي النصارى.

تقول ماريا إن النصارى أجبروا على الأشغال الشاقة تحت الشمس الحارقة، وكانوا بالكاد يتلقون طعاما عبارة عن خبزة صغيرة، وأحيانا لا يتلقون أي شيء.

كانوا ليلا ينامون في الهواء الطلق، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، ويشربون ماء ذا رائحة كريهة، ما أدى إلى سقوطهم، كلهم، مرضى.

ومع ذلك، رفض السلطان السماح لهم بالذهاب إلى المدينة للعلاج، حتى رآهم يتساقطون كالحشرات…

اقرأ أيضا: التاريخ الإسلامي لإسبانيا: التنصير القسري… بداية المحنة! 5\10

في الـ17 من يونيو، كان 220 نصرانيا قد رحلوا، بينهم 24 هولنديا. بحلول 20 شتنبر، لم يتبق منهم سوى 100 نصراني أغلبهم مرضى، كزوج ماريا الذي عاد مريضا إلى البيت مرتين فكلفها مالا كثيرا حتى تتمكن من علاجه.

مرت الأيام حتى انبلاج صباح الـ22 من شتنبر، إذ فرت والدة السلطان، فعرف النصارى أن المغرب عاد بلا سلطان من جديد… بعد 5 أيام، تم تنصيب مولاي محمد بن اسماعيل سلطانا (يعرف بولد عربية نسبة إلى أمه). كان، تقول ماريا، ملكا يصلح للنصارى، بيد أنه كان في أعين المغاربة لا يزال طفلا.

خلال فترة حكم السلطان ولد عربية، اجتاز المغرب فترة غلاء امتدت من عام 1737 إلى يونيو 1738. تحكي ماريا أنه قضى خلالها 48 ألف شخص بسبب اشتداد الجوع.

تصف ذلك قائلة: “كان الأحياء يفترسون الأموات، بل أكلت الأمهات أبناءهن. ولم يتبق لا كلب ولا قط، الكل تم أكله. كان الناس يخرجون عظام الحيوانات من الأرض، ويسحقونها بين قطعتي حجر، ويبتلعونها دقيقا مع جرع من الماء. كما أكل الناس إسمنت الحيطان والتبن، كما البهائم، بسبب انعدام العشب”.

اقرأ أيضا: صناعة الجوع: هل الندرة مجرد خرافة؟ 4/1

أما الأسرى، فكانوا يتلقون عوض الخبز حفنات زيتون منكمشة القشور إذ استخلصت منها الزيت سابقا. وحده القصر الملكي لم يكن به خصاص في الطعام، فلم يمت فيه الناس جوعا.

كان الغلاء في مدينة مكناس أكثر من أي مدينة أخرى، تحكي ماريا، فمع أن مئات السفن المحملة بالقمح تصل من أوروبا، إلا أن قوافل السلطان وسكان المدينة كانت تتعرض للنهب من قبل البدو المتمردين على السلطان.

“من الصعب وصف أو سرد ما جرى في تلك الأوقات العصيبة للغلاء والمجاعة بلغات الإنسان. فقد تم العثور في الضواحي، في الحقول والجبال، على أناس ميتين من شدة الجوع، كانوا قد ذهبوا إلى هناك بحثا عن جذور الأعشاب لملء معداتهم الفارغة”.

مع ذلك، حصلت في الأثناء بعض المعجزات خصت الأسرى، فقد حرر السلطان الأسرى الإسبانيين كما سمح للفرنسيين بالذهاب، ولم يتبق من الأسرى الهولنديين سوى 28، إضافة إلى 3 برتغاليين بقوا على قيد الحياة.

هكذا، بعدما لم يتبق سوى النزر اليسير من الأسرى، أجبر هؤلاء على العمل أكثر فأكثر… كان عمل زوج ماريا لدى السلطان دائما ما يصحبه الضرب والتعنيف، وهو ما لم تكن قادرة على تحمله.

اقرأ أيضا: الحرب… لعنة البشرية؟ 3/1

عزمت ماريا مرة أخرى على لقاء السلطان لتطلب منه العفو عن زوجها، وهو ما لم يتأت لها في حينه، لكنها سلكت السبل كلها حتى يستدعيها.

في تلك الأثناء، تحكي ماريا، واصلت تكاليف المعيشة ارتفاعها، ولم تعد هناك أي واردات بالنسبة للسلطان ولا لرعاياه… كان فصل الشتاء على الأبواب، ولم تكن هناك أي خضر ولا فواكه، حتى أنه لم يتبق أي زاد لا للإنسان ولا للماشية.

غطت الجثث الدروب والطرقات، إذ مات الناس بأعداد كبيرة إلى درجة أنه لم يعد بالمستطاع دفنهم، فيما تكدست الجثث بالمقابر حتى وصلت إلى مستوى قامة رجل…

أما اليهود، فبعدما كانوا يسكنون خارج المدينة في 1400 أسرة، هلكوا هم أيضا بأعداد كبيرة، فصعب عليهم دفن موتاهم حسب تعاليم دينهم؛ فخبؤوا جثثهم تحت أنقاض المنازل القديمة المنهارة، ولم يتبق منهم في الأخير سوى 200 أسرة.

اقرأ أيضا: من نيويورك، هشام الرميلي يكتب: بائعة الكبريت وراعي الغنم

تقول ماريا: “من الصعب وصف أو سرد ما جرى في تلك الأوقات العصيبة للغلاء والمجاعة بلغات الإنسان. فقد تم العثور في الضواحي، في الحقول والجبال، على أناس ميتين من شدة الجوع، كانوا قد ذهبوا إلى هناك بحثا عن جذور الأعشاب لملء معداتهم الفارغة”.

لكن، وفي أثناء هذه المأساة الإنسانية، أخيرا، نجحت ماريا في الوقوف بحضرة السلطان، ويبدو أن أخبارا سارة تنتظرها… كما سنعرف في الجزء السابع من هذه الحكاية.

لقراءة الجزء الأول: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية (الجزء الأول)

لقراءة الجزء الثاني: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: في قصر السلطان عبد الله بن إسماعيل… (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: عزل السلطان عبد الله بن اسماعيل وتولية أبي الحسن علي الأعرج (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الرابع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: ماريا ورفاقها على أعتاب الحرية… لكن! (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء الخامس: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: نهاية علي الأعرج. تنصيب 4 سلاطين في نصف يوم (الجزء الخامس)

لقراءة الجزء السابع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: صار لماريا حظوة لدى السلطان… فهل سيفرج عنها؟ (الجزء السابع)

لقراءة الجزء الثامن: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: تصدع شمل الأسرى الهولنديين والعودة إلى الاستعباد (الجزء الثامن)

لقراءة الجزء التاسع: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: صراع السلاطين (الجزء التاسع)

لقراءة الجزء العاشر والأخير: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: نهاية 12 عاما من الاستعباد (الجزء العاشر والأخير)

تعليقات

  1. محمد رفيق

    رائعة جدا ارجعتني الحلقات العشر الى الزمان الغبر..
    شكرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *