×
×

البابِكيّة: إنصاف المرأة وتحرير والإنسان واحترام المعتقد… لقطات “نادرة” من التراث الإسلامي! 2\3

في الجزء الأول من هذا الملف (تجدون رابطه في أسفل المقال) تطرّقنا إلى علاقة البابكية بالخرمية، وقدمنا بعض اللقطات من حياة بابك وكيف بات قائداً للخرمية خلفاً لجاويدان.

في هذا الجزء الثاني، نبحثُ عن مشاهد تعتبر نادرة لإنصاف المرأة واحترامها، وكذلك شيوع الحرية ونزعة الأنسنة… عند البابكية.

يقولُ المدافعون عن البابكيّة إن المشاهد التي نحاول أن نستقيها، لا تعكسُ سوى مبادئ الخرّمية الداعية لسيادة الخير على الشر وطرد المستغلين الجالبين للشقاء والتّعاسة… لبني البشر! لكن معرفة حقيقة ذلك، تبقى شيئا صعبا من الناحية المنهجية.

هل حرّر بابك المرأة؟ 

باتَ تحريرُ المرأة من طرف البابكية، من المسائل الهامّة التي يردّدها المنقّبون عن نزعة الأنسنة في التراث الإسلاميّ.

من النافل القول إنّ المرأة في تلك الفترة عانت بحقّ وتدنّی “وضعها ولحقها الازدراء والاحتقار واستصغار الشأن واستغلت أبشع استغلال حيث أصبحت بعداد السلع تباع وتشترى ويرميها الشاري في ركن من أركان بيته لا يعير شعورها وإحساسها أدنى اهتمام”. [1]

فكّر بابك، كما فعل المزدكيون في العصر الساساني، في تحسين وضع المرأة. حاول نسف المكانة المتدنية التي تحتلّها، من خلال منحها قليلا من الحرية. تلك الحريّة الموسومة “بالقلّة”، حيث كانت الأنثى، عمليًّا، تشكو من خصاص مدقع فيها وقتها.

من الأمثلة الواضحة التي ذكرها الطبري عن الأسرى الذين حرروا يوم الانتصار على بابك، أنّ عدداً غفيراً من النساء وأولادهن قدموا شهادة طيبة بحق بابك والبابكيين، حيث ذكروا بأنه أحسن إليهم أيما إحسان؛ كما تورد روايات أخرى أنّهن بكين يوم إعدام بابك، شفقةً على حاله.

تستدلّ الأبحاثُ المعاصرة بهذه الحقيقة، لدحض تهمة الخلاعة والإباحية، التي قيل إنّ البابكية برعوا فيها، إذ تساءلوا: كيف يمكن لمن يرفض مسّ كرامة الأسيرات أو اغتصابهنّ أن يكون خليعًا؟ من النّاحية النقيض، كان سبي الأسيرات واغتصابهنّ شيئا معمولاً به.

يقدّم ابن النديم صورة جيدة عن مكانة المرأة لدى البابكيين ومدی احترام رأيها وتقديرها، “حينما يصف حفلة المناداة ببابك قائدا للخرمية، بعد وفاة سلفه القائد جاویدان، حيث جلست زوجة القائد المتوفی الشابة في مجلس عام وبجانبها جلس بابك، وأعلنت لهم رغبة زوجها في اختيارهم بابك قائدا عليهم ليكون خلفا له، ثم تناولوا الطعام والشراب حسب المراسيم الاحتفالية الخاصة بهم“. [2]

لوحظ أيضاً أن المرأة تقدم لمن ترغبُ في الزواج منه غصنًا من الريحان، وهذا اعتبر حجّة على مدى احترام البابكيين لرأي المرأة وتقدير رغبتها ومنحها الحرية في اختيار شريك حياتها.[3]

أمّا قول المقدسي: “ووجدنا منهم من يقول بإباحة النساء على الرضا منهن”، فالتفكيك اللغوي أدى بالباحثين إلى اعتباره قولا لا يدل، صراحةً، على عامّة البابكيين وإنما بعضاً منهم (منهم). لذلك، رجّح البعض أن يكون أولئك الذين وجدهم المقدسي، هم من صعالكة القوم، ولا يخلو منهم أي مُجتمع، حتى الإسلاميّ حينئذٍ.

ماذا عن الحرّية؟ 

حظي البابكيون بتصوُّر فريد للحرية في ذلك العصر. وقيل إنّهم كانوا يحترمون الحرية الشخصية، شريطة ألا تمسّ الآخرين بسوء أو ضرر.

بهذا المعنى، ورد أنّهم حدّوا من الحرية المطلقة في التملّك الشخصي. كانوا يعتبرون أنّ “الحق في التمتع بالحرية الواسعة، دون قید ودون تحديد، يجلب الضرر للآخرين، إذ يغدو صاحب الملك الواسع مستغلاًّ للآخرين ويلحق بهم الضّرر الفادح. على هذا الأساس، عمد البابکيون، كسائر الخرميين، إلى تعميم الاستفادة من المقتنيات العامة”. [4]

وعليه… لم تطلق الحرية للتملك الفردي، سواء للمقتنيات العينية أو للنساء، وإنما حددت هذه الحرية بما يعود بالخير على المجموع.

هذه الحرية المقيدة أو لنقل تقييد حرية التملك، يرى باحثٌ معاصر، أنها لم تكن ملائمة مرحليّا، وغير مألوفة لذلك العصر وسابقة لأوانها، حيث أن العصور الوسطى طغت فيها الحرية الواسعة للاستغلال الكبير، حرية أفراد قلائل في استغلال شامل لجماهير الشعب المعدمة المسلوبة الحرية. [5]

على أيّ، لم تكن تلك سوى مساعي الخرميين، ومنهم البابكيين، بغية خلق بيئة عادلة وقلب الأوضاع التي كانت سائدة، أي منح الحرية الواسعة للجماهير الغفيرة في التملك العام، وقطع الطريق على الإقطاع وهيمنة القلة التي تسمح لهؤلاء بحرية التّسلط والاستغلال.

الأهمّ، ربّما، أنهم تصالحوا مع حرّية المعتقد، وتشير كثير من المراجع، منها المعارضة للبابكيين، أنّ أصحاب الأديان المختلفة، كانوا أحراراً في ممارسة طقوسهم وشعائرهم. وقد شهد بذلك البغدادي حول بناء المساجد في ديارهم يؤذن فيها المسلمون ويعلمون أولادهم القرآن فيها. [6]

كما أشار المقدسي إلى موقف الخرميين من أصحاب الأديان، بأن الخرميين “لا يرون تهجين كل ذي دين، والتخطي إليه بالمكروه ما لم يرم كيد ملتهم وخسف مذهبهم”.

على هذه الشاكلة، منحت البابكية الناس البسطاء، في المناطق التي حررتها، حرية العمل في المزارع المشاعة وحرية الاستفادة من المرافق والثروات العامة وحرية الزواج بمن يشاؤون وحرية العبادة… وكل ذي دين مصیب عندهم.[7]

العبادة… عند البابكية

يجوز التساؤل، بعد كلّ التهم التي كِيلت للحركة من طرف خصومها، حول ماهيّة العبادة والتعاليم الدينية التي كان يمارسها الخرّميون ومنهم البابكيون بالتّبعة.

لعلّه ليس سهلاً الوصول إلى معلومات دقيقة بهذا الخصوص، نظراً للتشويه الذي طال الحركة؛ وإلصاق تهم الهرطقة والزندقة والإلحاد، كصفات ملازمة لهم في التأويل الرّسمي للدين. كما اتُّهم البابكيون باعتقادهم بالحلول والتناسخ، واعتبار رؤسائهم أنبياء، وتمّ نعتهم بالمارقين والكافرين، إلخ.

من ناحية أخرى، وصفوهم أيضًا بالنّسك والطّهارة والتّقشف والزهد والامتناع عن زهق الأرواح، إلخ.[8]

لهذا، وجد الباحثون المعاصرون صعوبات كثيرة أمام تعذّر الإحاطة بديانة ومعتقد الخرّميين، وتاهوا بين هذه الصّفات المتناقضة.

من الصعوبة، إذن، الوقوف بدقة على تعاليم الخرمية الدينية من المصادر العربية. غير أنه بالإمكان الخروج بنتيجة، وهي أن الخرميين كانوا يعتقدون بمعتقدات المزدكيين الدينية، وأن هذه المعتقدات الدينية المزدكية، التي وصلت إلى الخرميين، لم تبق على حالها الأول، بل قد أصابها التطوير والتحوير بعامل الزمن ولاحتكاكهم بالمسلمين.[9]

من أقصى درجات الغرابة، مثلاً، أن البغدادي يشيرُ إلى أن البابكيين يعلمون أولادهم القرآن، لكنهم لا يصلون في السر ولا يصومون في شهر رمضان ولا يرون جهاد الكفرة ويظهرون الإسلام ويضمرون خلافه.[10]

لهذا، فإن ديانة البابكيين الخرميين لابد وأنها تجمع بين المجوسية المتطورة (المزدكية) والمسيحية والإسلام، مع الاعتقاد الراسخ بنضال إله الخير مع إله الشر على مسرح الحياة الأرضية وحتمية انتصار إله الخير، وضرورة تعاون كل قوى الخير المُحبة للنور لطرد الشرور والآثام التي هي من مخلفات الظلام، والقضاء على العوامل التي تساعد على بقائها، كعدم التساهل في التملك.[11]

لذا، وحسب شريعة الخرّميين _البابكيين_ وجدت الضرورة للقضاء على عدم التساوي في التملك لإزالة الظلم والظلام وآثارهما، لأن النظام الاجتماعي، تأسس على عدم المساواة، وعلى القسر والإكراه والظلم والاضطهاد.

إنّه ارتباط واضحُ بين المعتقدات البابكية الدينية والحلول الآنية الحارقة في مجتمعهم. إنّه زواج الديني بالاجتماعيّ؛ ولربّما ذلكَ عاملٌ في كون معتقداتهم اتّخذت شكْل المُناهضة الثّورية للإقطاع، فكانت الانتفاضة البابكية مُمانعة ثورية قامت ضدّ الخلافة العباسية وضد الملاكين المحليين؛ لكنها انتفاضة مسلحة في أصلها.

يدفعنا ذلك إلى الوقوف على كيف تمكنت هذه الثورة الفريدة من الحفاظ على روحها لمدة عشرين سنة؟ وكيف أثرت على كيان الخلافة الإسلامية وقتها؟

هذا ما سنجيب عن في الجزء الثالث والأخير من هذا الملف.

هوامش:

[1]قاسم العزيز حسن، البابكية، الانتفاضة ضد الخلافة العباسية، دار المدى للثقافة والنّشر، الطبعة الأولى، 2000.

[2] المرجع نفسه.

[3] نفسه.

[4] نفسه.

[5] نفسه.

[6] نفسه.

[7] نفسه.

[8] نفسه.

[9] نفسه.

[10] نفسه.

[11] نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *