×
×

ثورة الزنج: خمسة عشر سنَة من نضال العبيد… في التّراث الإسلامي! 1\3

… لم يكن للعبيد أيّ کيان اجتماعي مستقل أو شخصية ذاتيّة، بل كانوا يعدّون جزءً من متاع مالكيهم وثروتهم التي اكتسبوها بالشراء أو بالإرث أو بالهبة، شأنهم في ذلك شأن أي سلعة أخرى يمتلكها السيد.

يلقّبها البعضُ “بالفتنة السوداء” في الإسلام، غير أنها معروفة بثورة الزَّنج.

بكلّ البساطة الممكنة، تظلّ هذه الثورة بمثابة شهادة على أنّ الأديان لم تستطع، عملياً، القضاء على الرقّ والعبودية. لم يكُن الإسلام بمنأى عن ذلك، وقد يجد نفسه أمام امتحان عسير تجاه سؤال العبودية والرق خلال العصر العبّاسي، حين اندلعت ثورة العَبيد… وما بعده!

من أسباب ذلك أنّ الرقّ تكرّس وقتئذٍ في المخيال الذّهني العربي. كما تكرّس كمعاملة جدّ عادية بين المسلمين، الذين لم يكونوا يجدون أي مشكل في تبادل العبيد وبيعهم وشرائهم داخل أسواق النخاسة.

ثورة الزّنوج… أفصحت عن صيحة استنكار الضّعيف والمتعب. ذاك “العبدُ” الفقير الذي ذاق أفظع أشكال المرارة، حتى انتفضَ في وجه مالكه، بل وفي وجه الخليفة، فأحرق كلّ شيء صادَفه في الطّريق.

فما هي حركة الزنج؟ وما أسبابها؟ ومن المنظّر لها؟ وكيف خرّب العبيد بعضَ مدن العراق انتقاماً من أوضاع اجتماعية محضة؟

ماهية ثورة الزنج؟ 

ينبغي النظر أساساً إلى طبيعة العصر الاجتماعية التي انبثقت منها حركة الزنج، ذلك أن استخدام العبيد في المزارع وقتذاك لم يكن جديداً، لكنّ تبدّل العصر وظهور أوضاع جديدة في القرن الثالث الهجري، بفعل تحول المجتمع من الطور الزراعي إلى الطور التجاري، ونشوء فئة من الأغنياء ذات رؤوس أموال عظيمة، تستخدم العبيد بأعداد كبيرة، ساهم في ظهور نوع جديد من التمركز في العمل. [1]

كانت أعداد العبيد من الزنوج، العاملة في مكان واحد، تناهز الآلاف؛ ولم يكن لهذه الفئة الممحوقة اجتماعياً کيان اجتماعي مستقل أو شخصية ذاتيّة، بل يعدّون جزءً من متاع مالكيهم وثروتهم التي اكتسبوها بالشراء أو بالإرث أو بالهبة، شأنهم في ذلك شأن أي سلعة أخرى يمتلكها السيد. [2]

من علامات الاحتقار التي عانى منها العبيد، أن السيد/المالك، باستطاعته أن ينقل هذه الثروة، أي: العبيد، إلى غيره بالوسائل القانونية التي اكتسبها بها، وهي تحسب من الإرث. [3]

يظل العبد المعتّق، أي الذي تمّ عتقه من العبودية، مرتبطاً بمالكه السّابق بالولاء، ويترتّب على هذا الارتباط مفاعيل قانونية، مثل أن يأخذ المالك ما ترکه عبده المعتق من ثروة في حال عدم وجود وارث له، كما أن المالك هو الوصي الطبيعي على عبده المعتق، مع الملاحظة أن الولاء هنا يشتمل مرحلة بين الرق والعبودية[4].

كانت النظرة السّائدة إلى الزنج نظرة ازدراء واحتقار. لم يعيشوا في بيوت تقيهم البرد والحر، وينامون في العراء أو في أكواخ من النباتات والطين. وقد تمّ تسخيرهم للعمل في إزالة السباخ (الطبقة الملحية) التي تغطي الأراضي في المناطق الواقعة في جنوبي العراق بين دجلة إلى الفرات، وهي منطقة المستنقعات، التي تسمى البطيحة. [5]

كانوا ينقلون السباخ وتعهد إليهم مهمة جعله في أكوام وتلال للإفادة منه، وهو عمل شاق؛ لأنهم كانوا يعملون في ظل ظروف طبيعية ومناخية قاسية، ورقابة صارمة، لا يتقاضون أجرة سوى ما يوزع عليهم من الغذاء الزهيد المكون من الدقيق والتمر والسويق. [6]

كانت حالة الزنج الاجتماعية والمادية والنفسية سيئة للغاية، وقد زادها سوءً أنّهم لم يعيشوا على شكل أسر، بل كانوا “غرابة”، أي أنهم أبعدوا عن أسرهم في موطنهم الأصلي في الساحل الإفريقي الشرقي.

لم ينعموا مطلقاً بالاستقرار العائلي، ورعوا في بيئة غريبة عنهم، من دون أن تربطهم أية رابطة من التعاطف والانسجام مع مالكيهم. ويتضح من خلال الحرمان الجنسي الذي قاساه هؤلاء؛ سبب تعرضهم للنّساء أثناء غاراتهم على المدن والقرى خلال ثورتهم ضدّ الخلافة العباسية. [7]

من هم الزنوج؟

تمكنت ثورة الزنوج من أن تحتضن كلّ العبيد الذين لهم رغبة في الحرية والانعتاق، دون أن يكون لهم أي مشروع اجتماعي. لكنّ صاحب الزنج تمكن من توحيد صفوصهم، وهم:

  1. غلمان الشورجيين: أو الشورجية، ويطلق على جماعة من أصحاب العمل كانوا يجمعون الشورج لينتفعوا به، مستخدمین أعداداً ضخمة من العبيد. هم الذين تدعوهم المراجع “غلمان الشورجيين”. يجمعون الشورج – أو الملح أو السباخ، بغية إظهار التربة الصالحة للزراعة بعد إزالة الطبقة الملحية. [8]
  2. القرماطيون: وهم جنس من أجناس السودان الكثيرة، وهم طائفة من الزنج يعملون بالشورج كذلك، واشتهر منهم راشد القرمطي الذي كان له دور بارز في ثورة الزنج. وكانت هذه الفئة تتكلم اللغة العربية، إما لطول إقامتهم في منطقة البصرة واختلاطهم بأهلها من العرب، أو بسبب قرب بلادهم من المواطن العربية في أفريقيا. [9]
  3. الفراتية: وهم – كما يدل اللفظ – الزنج الذين سكنوا في منطقة فرات البصرة. ومن الجدير بالذكر أن صاحب الزنج ظهر أول ما ظهر في فرات البصرة، حيث يعمل عشرات الآلاف من العبيد وأنصاف الأحرار. [10]
  4. النوبة: أولئك العبيد المجلوبون من بلاد النوبة، وكانوا هم والفراتية من أخطر قوات صاحب الزنج، وكانوا بدورهم يتكلمون العربية. [11]
  5. الزّنوج الأنقياء: كانت الجماعات سالفة الذكر قد عاشت مدة طويلة في العراق الأدنى، واكتسبت بعض الخصائص المحلية، وتعلمت اللغة العربية بحكم اختلاطها بالعرب. أما هؤلاء، فكانوا زنوجا أنقياء يجهلون العربية، لذلك كان صاحب الزنج يستخدم مترجمين للتفاهم معهم. [12]

تذهب بعض المراجِع إلى أن هؤلاء، في فترة انفجار “الثورة السوداء”، كانوا جدداً على المنطقة. ولم يقضوا فترة طويلة وهم عبيد في تلك البقعة الجغرافية الناطقة بالعربية، حتى تتسنى لهم فرصة تعلّم اللسان المتداول هناك.

حاجز اللغة لم يكن قادراً على إبعادهم عن ثورة تهدف إلى طرح مسألتهم الاجتماعية… فانخرطوا فيها بقوّة وبأس شديد.

إضافةً إلى الزنج، الذين كانوا يشتغلون بإزالة الطبقة الملحية، كانت ثمّة جماعات من العبيد تعمل لحساب التمّارين (مالكي نخيل التمر) والدبّاسين، وكان لهؤلاء دور حاسم، أيضاً، في رسم الحياة الاقتصادية في البصرة. [13]

عانت هذه الفئة، بدورها، من الظّلم وتم تسخِيرها للأعمال الشاقّة، لأنّ أشجار النّخيل في منطَقة البصرة كانت تعدّ بالملايين، وقد أحصيت مئات الأصناف من التمور.

تسجّل المراجع التاريخية، أنّ الزنج، لم تكن للغالبية الساحقة منهم ثقافة معرفية أو علمٌ يتّصفون به، بل إن معظمهم حرمته ظروف العيش في الحقول والخلاء من فرص تحصيل العلم.

ستقوم الثورة التي امتدّت لخمسة عشر سنة، بعد أن ألقى “صاحبُ الزنج” علي بن محمد، خطبتهُ فيهم يوم عيد الفطر سنة 255، والتي طمأنهم فيها بأنهم سيصبحون أحراراً كما ولدوا، ولن يردهم إلى أسيادهم ومالكيهم مهما كلفه الأمر.

لكن… من هو علي بن محمد هذا، الذي يلقّبه الباحثُون بـ صاحِب الزّنج؟ وكيف نظّر لهذه الثورة التي غدت راسخة في التّراث الإسلامي، كأحد أبرز الثورات العنيفة الدالّة على المسألة الاجتماعية وانهيار قيم العدالة في الدولة العباسية؟ وهل كان لهذه الثورة برنامج أو خطة استراتيجية لتحقيق أهدافها؟

كل هذه الأسئلة نجيب عنها في الجزء الثاني من هذا الملف.

هوامش:

[1]طقوش محمد سهيل، تاريخ الزنج والقرامطة والحشاشين، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2014.

[2]المرجع نفسه.

[3]نفسه.

[4]نفسه.

[5]نفسه.

[6]الدوري عبد العزيز، تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثالثة 1995.

[7]طقوش محمد سهيل، المرجع السابق.

[8]السامر فيصل، ثورة الزنج، دار المدى للثقافة والنشر، الطبعة الثانية، 2000.

[9]المرجع نفسه.

[10]نفسه.

[11]نفسه.

[12]نفسه.

[13]نفسه.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *