×
×

ثورة الزنج: علي بن محمد، زعيم ثورة العبيد في الإسلام؟ 2\3

من هو صاحبُ الزّنج يا ترى؟ وهل كان لثورة الزّنج أي برنامج اجتماعيّ؟

تابعنا في الجزء الأول الأوضاع التي تمخضت عنها ثورة الزنوج في الإسلام، وكذلك الفرق التي احتوتها الحركة في حربها العنيفة ضدّ مالكيها.

في هذا الجزء الثاني، نتعرف إلى المُنظر لهذه الثورة، وكذلك نرصد إن كان لهذه الحركة برنامج عمل.

الواضح أن حرب الزنج كانت اجتماعيةً وذات طابع طبقي. إذ كانت، بدايةً، موجّهة ضدّ ملاّك الأراضي ومالكي النخيل والدبوس، أي كلّ ملاّك العبيد.

وقف هؤلاء المالكون في وجه الثورة وقاوموها، ولم تتدخل الدّولة في بادئ الأمر لقمعها، بل تركت أهل البصرة أنفسهم يعالجون الموقف، وعندما يئس هؤلاء من القضاء عليها، التَمسوا تدخل الخليفة.

لكن… حتى بعد تدخل الخليفة وتحالفه مع الملاك، كان قائد الزنج، علي بن محمد، مستمراً في قيادة الثورة حتى دخل في حروب دموية مباشرة ضدّ الخلافة العباسية… فمن هو صاحب الزنج يا ترى؟ وما هي الخطة التي اعتمدها لتعبئة العبيد واستقطابهم إلى صفّه؟

صاحب الزنج… المنظّر للثورة!

تجمع المصادر التاريخية على أن ثورة الزنوج تفجّرت على يدي من تصفه معظم الروايات بـ“صاحب الزنج”، وهو علي بن محمد، الذي ظهر في فرات البصرة سنة 255 هـ، واضطلع بدور قيادة الثورة والتنظير لها.

ثمة من يحسبه فارسياً. لكنه يعدّ نفسه من آل البيت، إذ يقول: إنه “علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زید بن علي بن الحسين بن على بن أبي طالب“.

حفنة من المؤرخين، من عيار الطبري، ذهبوا إلى أنه كان يغير نسبه مرات عدة. إذ يقول الطبري: “إن ادعاءه النسب إلى آل البيت هو مسألة هامة في تحديد شخصه وماهيته وفي الاعتقاد أنه يغير نسبه غير مرة، وذلك للظروف التي تحيط به في لحظة معينة، فهو ولد ونشأ في بلاد فارس في قرية كبيرة تدعى ورزنيين من قرى الري وكان اسمه على ابن محمد بن عبد الرحيم وينتهي نسبه في قبيلة عبد القيس“.

تشير مصادر أخرى أنّه كان يردّد في بعض الأحيَان، أنّ جدّه هو محمد بن حكيم، من أهل الكوفة، أحد الخارجين على هشام بن عبد الملك، مع زيد بن علي بن الحسين، فلما قتل زید، هرب ولحق بالري.

حين ذكره الصفدي، أورد له صفة “أبو الحسن”، كما نقل الرواية الجديدة التي يذكرها عن نسب والدة صاحب الزنج، وقصة مجيء والد علي إلي ورزنيين، فيقول: إنها قرة بنت عبد الواحد بن محمد الشامي. والدها كان معتاداً على الحج سنويا إلى مكة ثم إنه كان يمرّ بالمدينة حيث ينزل على شيخ من آل أبي طالب حاملاً له الهدايا من الري. وحدث أنه في سنة من السنين، وجد الشيخ متوفياً، تاركاً ابنه محمدأ وعمره آنذاك 11 سنة.

يضيفُ أنّه قد عرض والد قرة على الصبي مرافقته إلى الري ولكنه رفض لعدم موافقة والدته وأخته. وفي السنة التالية، وجد عبد الواحد والدُ قرة الطفلَ محمداً وحيداً، إذ توفيت والدته وأخته. ولذلك فإنه جاء به إلى قرية ورزنيين وزوجه بابنته قرة فولدت له ابنتين ماتتا صغيرتين وولداً أسماه عليا وهو قائد الزنج.

تصرّ كثير من المصادر على نسبته إلى بلاد فارس، وتشير إلى أن اسمه الحقيقي هو “بهبوذ”. لكنّ مؤرخين آخرين يعتبرونه عربياً في أصوله، منسوبا للعلويين… وحتى هذا بقي محطّ خلاف وشكّ بدوره.

يقول المسعودي إن صاحب الزنج ادعى أنه “من نسل علي وفاطمة بنت الرسول، وربما كان هذا الادعاء صحيحاً، وذلك أن نسل علي آنذاك كانوا يعدون بالآلاف ولم تكن لهم أهمية تاريخية تذكر. لكن، ربما كان نسبه هذا مجرد اختراع”.

مؤرخون معاصرون يعتبرون أن هذا الخلط في نسب صاحب الزنج، راجع إلى غياب الدقة وسيطرة الأيديولوجيا على عملية التأريخ في التراث الإسلامي”. [1]

من الممكن أن يكون صاحب الزنج علوياً فعلاً، وقد يرجع الدافع الرئيس لقيادة ثورة الزنوج المضطهدين هو محاولة نسف العلويين للأنظمة السنية الحاكمة باسم الخلافة. [2]

كما قد يكون اعتمد نسب العلويين لإلباس ثورته رداء الشرعية؛ بحيثُ عاش علي بن محمد في سامراء عاصمة الخلافة العباسية، ورحل في 249 هـ إلى البحرين، متأثراً بما شهد وسمع في عاصمة الخلافة من فوضى واضطراب أشد التأثر.

لا يستبعد أنّ عليا قد راودته فكرة الثورة والعصيان على الخلافة منذُ كان في سَامراء، بيد أنّه وعى جيداً أن الخطوة لن تكون سديدة لعدّة اعتبارات. منها الرقابة الشديدة، والجاسوسية المحكمة، ووجود السّلطة المركزية.

جاء علي بن محمد، بعد رحلة شاقّة، إلى البصرة سنة 254، أي سنة قبل قيام الثورة.

كان عامل البصرة وقتئذ هو محمد بن رجاء الحاظري، وصادف صاحب الزنج قيام فتنة بين الأتراك أيضاً. وفي هذه السنة، كانت البصرة على أشد أوضاعها خراباً.

فطنة صاحب الزنج جعلته يطوّع الأوضاع لصالحه، ودفع به الحماس إلى ممارسة الدعوة بين جدران مسجد البصرة.

أخفق وطارده الجند، ولاذ بالفرار إلى بغداد، غير أن الوالي قبض على أتباعه.

لم يستَسلم… وأثناءَ إقامته بالبصرة، ظلّ وفيا لفكرة الثورة والتخطيط لها، وبقي يترقب الفرص. بينما حافظ على سرية أفكاره ومخططاته في جبّة التقية.

في غضون ذلك، تمّ عزل عامل البصرة، محمد بن رجاء الحاظري، عدوه اللدود. وقامت فتنة أخرى بين الأتراك، فعاد إلى البصرة سنة 255هـ ومعه أعوانه.

على عادته، حافظ صاحب الزنج على رغبته الجامحة في الاتصال بالزنج المضطهدين والمشتغلين بكسح السباخ. وأخذ يدرس أحوالهم ويقوِّي علاقته بهم.

أخذ الزنج يتصلون به، بالمقابل، ويجتمعون حوله، حتى نجح وقامت ثورة الزنوج في ذات السّنة، أي سنة 255.

ثورة الزنوج… أي برنامج عمل؟ 

يقعُ التنقيبُ على برنامج عمل ثورة الزنج أو مبادئها على جانب من الصّعوبة، لا يسمح بتحديد طبيعة هذه الحركة، نتيجة الخلاف الحاد بين المؤرخين حولها. فضلاً عن ندرة المعلومات المتعلقة بها.

السؤال الذي يطرحه الباحث هو: هل كانت هذه الحركة ذات برنامج يهدف إلى إصلاح اجتماعي شامل للحكم القائم؛ أم كانت حركة تهدف إلى تحسين أوضاع فئة معينة هي فئة العبيد؟ أو أنها حركة سياسية تهدف إلى إيصال صاحبها إلى السلطة، متسترة بالدين وبوضع العبيد الاجتماعي؟

لكن، في روحها الاستراتيجية، لم تبدع حركة الزنج معطى الدمج بين الأغراض الدينية والاجتماعية في التراث الإسلامي، بغية بلوغ هدف سیاسي يتمثل إما في إسقاط الخلافة ونسفها، أو تهذيبها وإصلاحُها، أو دفعها إلى الالتفات للأوضاع المزرية للرعية، أمام انهيار العدل بين الناس داخل الدولة الإسلامية.

لقد حدد علي بن محمد أهداف الحركة وبرنامجها في الخطبة التي ألقاها يوم عید الفطر سنة 255، والتي رسم فيها صورة قاتمة عن وضعية الزنج الاجتماعية وحياتهم السيئة وتعرضهم للاستغلال المفرط؛ لينتقل، بعدها، إلى تبشير العبيد بكونه “المنقذ الذي هيأه الله لانتشالهم مما هم فيه، ووعدهم بأنه يريد أن يرفع أقدارهم، ويملكهم العبيد والأموال والمنازل”. [3]

يعتقدُ المؤرخ المعاصر أنّ حركة الزنج کانت محدودة، لا تنطوي على برنامج اجتماعي شامل، ولم تهدف إلى إلغاء العبودية تماماً، وكانت في ظاهرها ردّ فعل لما قاساه العبيدُ من الاضطهاد الاجتماعي، ومحاولة للانتقام من سادتهم. [4]

ملاك العبيد الذين تضررت أعمالهم وتعرضوا لخسارة كبيرة نتيجة قيام العبيد بأعمال الشغب، بذلوا جهودا كبيرة لردعهم، واستخدموا وسائل الإغراء مع علي بن محمد، فعرضوا عليه الأموال الطائلة إذا أعاد إليهم غلمانهم، كما عرضوا عليه خمسة دنانير على كل عبد إذا ردهم إلى مواليهم؛ إلا أنه رفض العرض بشدة، مؤكداً أنه لم يخرج لغرض من أغراض الدنيا، بل غضباً لله، ولِما رأى عليه النّاس من الفساد في الدّين. [5]

غير أنّ الحركة ما لبثت أن استرعت انتباه الخلافة العباسية، بفعل ما لاقته من النجاح من جهة، ولإلحاح أهل البصرة على الخليفة بضرورة التدخل من جهة ثانية.

استقوت الحركة واحتلت بعض المدن، حتى بقي لها 70 كيلومتراً على بغداد عاصمة الخلافة… فكانَ ردّ الأخيرة قوياً جداً.

كيف ذلك؟

الجواب نتابعه في الجزء الثالث والأخير من هذا الملف.

هوامش:

[1]ياسر جاسم قاسم، ثورة الزنج والتأسيس النظري لها والواقع العملي.

[2]المرجع نفسه.

[3]طقوش محمد سهيل، تاريخ الزنج والقرامطة والحشاشين، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2014.

[4]المرجع نفسه.

[5]علي أحمد، ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد، دار الفارابي، بيروت، الطبعة الثالثة 2007.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *