×
×

عادل حدجامي لمرايانا: القيم الدينية الإنسية في التّعليم مطلوبة، والتّصوف “الافتراضي” مجرد ادعاء تواصلي! 2\3

رأينا مع حدجامي الدّور الذي لعبه التصوّف المغربي لتعميق التّسامح الديني بين المغاربة.

في هذا الجزء الثاني، نستقصي تصوره عن شعار مرفوع اليوم بضرورة تدريس الحب الإلهي في المدارس، وكذلك رأيه بخصوص ما يعتبره باحثون “عودة للتصوف”، بناء على تداول مقولات المتصوفة في الرقمي. هل هذا معيار؟ يجيبنا عن ذلك حدجامي.

  • هناك أصوات “فكرية” تنتصر للتّصوف النّظري القائم على مقَاربة تحبيبية (الحب الإلهي)، عوض المقاربة التخويفيّة (الخوف من الله)، السائدة في الخطاب الديني. هل يتفقُ عادل حدجامي مع الرأي القائل إننا في حاجة إلى عودة هذه المقاربة إلى مناهجنا التربويّة لمحاصرة الفِكر المتطرّف وتحجيم “الرّهاب من الإسلام” في الغرب؟

لا يمكنني أن أزعم معرفة ما يمكن فعله في مثل هذه الأمور، فالأمور تبلغ حداً من التعقيد يبدو لي معه أن الأجوبة الأخلاقية الجميلة لا تفيد كثيراً. نعم إن التحبيب أفضل من الترهيب، وإن الحب أولى من الحرب، ولو أن الحب والحرب وجهان لعملة واحدة كما يقول الإنجليز. لكن مسألة رهاب الإسلام وقضايا التربية، هي اليوم محكومة بعناصر لا أعتقد أن “النوايا الطيبة” تفيد فيها كثيرا. الأمور معقدة جدا، لأن منطق الواقع جدلي وليس خطيا.

هكذا، فقد يصير تلقين قيمة ما أفضل طريقة لتنفير الناس منها، لأن الأمر يظل رهينا دائما بالظرف والشرط والعناصر الصغيرة والكبيرة الأخرى التي لا ننتبه لها في نظرتنا الخطية والأحادية للأمور، فلا وجود لأحادية علية في التفسير Monocausalité، ولا لمسار مستقر للأشياء، هذا ما تعلمنا إياه النظرة الفلسفية.

هكذا، ففيما يخص هذا السؤال، فإن الأمر في اعتقادي سيظل دائما مرتبطا بمن سيدرس وكيف ووفق أي غاية وفي أي سياق. في هذا الإطار، أريد أن أذكر مثالا قريبا. لنتذكر، مثلاً، كيف أن الدولة قد حاولت، منذ بعض سنوات، بعد أحداث بداية سنوات الألفين، توسيع ما اعتبرته موادا للتفتح والفلسفة والفكر النقدي. لكن، اليوم، وبعد أن مر عقدان تقريبا على هذا الفعل، هل يمكننا القول إن هذا التوسيع قد “فتح” شيئا أو أحدث طفرة “نقدية”، أو ثورة “عقلانية” في ذهنية الناس وطرق تمثلهم؟ لا أعتقد، لعل العكس هو الذي حصل.

هناك تصور متضخم يملكه المثقف عن ذاته، وبالتّالي عن طبيعة التعليم والفكر والثقافة في معيش الناس. ينبغي أن ننتبه إلى أن المدرسة والتربية “الرّسمية” لم تعد اليوم هي “محل” بناء القيم، المدرسة لم تعد “كنيسة” الدولة الحديثة التي يمثل المعلم “راهبها” كما كان يقال في القرن الثامن عشر الفرنسي. وهذا لسبب بسيط، وهو أن عالم القرن الثامن عشر انحل وانتهى. هكذا، فمحل صناعة القيم اليوم هو الإعلام ووسائط التواصل المتعددة المتداخلة، السائب منها والمنضبط. أمام واقع كهذا، يصير المعلم “تلميذ التلميذ”، فالمعلم الحقيقي في عالم اليوم هو الأجيال الشابة التي تعرف مفاتيح عالمها وتدرك أسراره بشكل سيبدو للمعلم الكلاسيكي مبهرا ومخيفا في آن. أما المعلم الذي ولد في القرن العشرين أو في سبعينياته، مثلي أنا، والذي تربى على وسائط محدودة هي المكتوب والتلفاز في بعض الأحيان والمذياع، فإنه إما سيقر بهذه الحقيقة ويحاول مسايرة عصره، وإما سيكابر فيها وينتهي إلى خطاب أخلاقوي قوامه ذم العصر وأهله. وهذا ما يفعله أكثر الناس، فتراهم لا يجدون من تفسير لانهيار عالمهم إلا اتهام الواقع والتلاميذ، وكأن الواقع هو ما ينبغي أن يتكيف مع نظرتهم القديمة وليس العكس.

ينبغي أن نعترف بأمر إذن، وهو أن المدرسة، كما كل مؤسسات العالم القديم، التي تنبني على البعد العمودي ووسائط التواصل ذات البعد الواحد، هي كلها في أزمة وربما هي منذورة للانقراض، أو هي تنقرض فعلا. قد يكون هذا محزنا للبعض ومفرحا للآخر. لكن هذه مشاعر لا غير؛ أما الوقائع الفعلية، فلا تقبل الأحكام الأخلاقية والانفعالات الوجدانية. في عالم مثل هذا، نحن، أبناء العالم القديم، ومعنا المدرسة وكل كتبنا وأحكامنا، لسنا إلا تلاميذ نحاول أن نتهجى الواقع ونتابعه بمعية أبناء الجيل الجديد الذي ولد مع “الثورة الرقمية” وتربى فيها وبها. كل ما قد نستطيع أن نقدمه هو قواعد في السلوك عامة. لكن، لا يمكننا أن نزعم قول “ما ينبغي أن تكون عليه الأشياء”. وهذا أمر لا آتي به من عندي، بل هو الذي نجده عند عدد من المشتغلين في حقل التربية والتعليم، وعند علماء الميديولوجيا، وكثير من الباحثين في سوسيولوجيا التربية.

  • لكن، بخصوص مسألة التّرهيب والتّحبيب، ما قولك فيها؟

هنا، سأقول، باختصار، نعم يمكن فعل ذلك. ويمكن البحث على تقوية التربية على التحبيب بدل الترهيب في المدرسة. لكن، حتى إن كان هذا في حد ذاته سليما ومقبولا، فالرهان ليس هنا، أي ليس في المدرسة بمعناها التقليدي. الرهان يتعلق بعناصر أخرى أعتقد أنها تتجاوز وعي الأفراد. إنه شيء ينشأ في “جدل التواصل” وعلاقة الرقمي بالعصبي والماركوتينغ اللاشعوري ومجال “الشبكة السوداء” والاقتصاد الافتراضي وآثار الديمغرافيا والإحصاء في كل هذا.

للتذكير فقط، مجموع سكان العالم، في الفترة التي نشأ فيها الخطاب الإرادوي عن التربية وأهمية المدرسة في فرنسا، لم يكن يتجاوز المليار (المليار الأول لعدد سكان العالم كان سنة 1820). عدد سكان المغرب حتى بداية القرن العشرين كان في حدود 4 مليون. عدد سكان العالم اليوم قرابة السبعة ملايير، ويقال 11 قبل نهاية القرن، وعدد سكان المغرب، بعد 100 سنة فقط، هو عشر مرات ما كان عليه بداية القرن العشرين، وربما ضعفها في منتصف هذا القرن.

وفق عناصر مثل هذه، أعتقد أنه ينبغي تناول مسألة الدين والسياسة، وعلاقة الأجيال الصاعدة بهما، ليس وفق خطاب تنظيري فردي وإرادوي ينبني على نظرة عمودية وتقليدية لمعنى المعرفة، مصدرا ومآلات.

أنا أرى أنه ليسَ لهذا الأمر من قيمة في الحقيقة، لأنّه ليس اهتمامًا بالتّصوف من جهة ما هو تراث أو نصوص، بل هو مجرد “حلية” اجتماعية، أو محاولة لادّعاء العمق، في هذه الحفلة التّنكرية العامة المسمّاة وسائل التواصل الاجتماعي. طبعًا، أستثني من هذا الأشخاص الذين يتصلون بالنّصوص فعلاً، ويجتهدون في قراءتها سنوات طويلة، إذ أن قراءة التّصوف وتمثله يتطلب جهداً شاقًّا؛ ومن العبث ادعاء الحديث عنه بمنطق التّدوينات. لهذا، فما يراه هؤلاء الباحثون من ظاهر الاهتمام قد لا يكون في الحقيقة إلا مظهراً من مظاهر البهامة la bêtise؛ من جهة ما أن هذه البهامة تسكن خطاب مناهضة البهامة نفسه. تمامًا، كما أنّ ذم العصر وامتداح عصور سابقة متوهمة، هو أحد أوضح مظاهر الغرق في العصر عمليًّا.

أستحضر هنا مثالا وهو ما حصل مع كتاب لمفكر كندي حول “عصر التفاهة” أو عنوان قريب من هذا، كتاب كان جوهر حديثه نقد منطق التواصل الجديد ونوع الثقافة والفكر الذي ينشأ عنه. بيد أن المضحك والمثير هو أن هذه الوسائط نفسها هي من احتفت به… وطبعًا، في سياق ذم البهامة التي هي حاملها الرئيس. أضف إلى هذا أمراً آخر لا يقل إثارة، وهو أن هذا الاهتمام الذي ذكرت، والذي يأخذ صورة تقاسم بعض من الشذرات أو الكلمات لمتصوفة أو فلاسفة أو مفكرين، كثيرا ما يخالطه خطأ ونحل، بل وافتراء صريح. أتذكر مرة أنني قرأت أحدهم يتقاسم جملة مضمونها “إن الإسلام السياسي هو الخطر الأكبر على الدولة والتقدم”، وتحتها اسم ابن خلدون…

طبعا اعتقدت الأمر نكتة في البداية، إذ من البديهي أن عبارة مثل هذه، لا يمكن، لا من جهة معجمها ولا لغتها ولا مضمونها أن تصدر عن شخص مثل ابن خلدون؛ فعبارة الإسلام السياسي عبارة نشأت في القرن العشرين؛ ومفهوم التقدم والدولة هو مفهوم نتج عن تصور غربي تاريخاني حديثٍ كليةً. لهذا، اعتقدت في البداية أن الرجل يمزح، أو على الأقل، إن كان معتقداً فيما يقول فعلاً، أن أحد أصدقائه سينبّهه لهذا التّزوير القبيح والجهل المعيب. لكن العجيب أنني عوض هذا، وجدت الناس تتفاعل مع العبارة وتتقاسمها وتثني عليها وتثني على ابن خلدون الذي زعموا أنه قائلها.

  • ما الذي تريد أن تقوله بالضّبط هنا؟ 

ما أود قوله، ببساطة، إنّ مجال وسائل التواصل مجال سائب ومرسل، لا ضابط معرفي أو أخلاقي أو ذوقي له. إنه مجال التواطؤ التام. مجال يمكن أن تجد فيه منشورا ينسب لفيلسوف ما حول الحرب مثلا، بجوار وصفة طبخ للدجاج “فريدة ولذيذة”، وتحتها إشهار حول دواء جديد يمثل الحل السّحري لعلاج العجز الجنسي أو الطّفح الجلدي أو شيء من هذا القبيل. إنه مجال يستدعي أدوات مختلفة تمامًا عن ثنائية الحقيقة والخطأ أو الواقعيّ والزّائف، أو حتى الخير والشّر أحيانًا، حتى نفهم كيف يشتغل ويتكون.

أريد أن أشير في هذا السياق إلى أمر آخر قريب من هذا، وهو هذا الاهتمام “المخملي” الذي قد يبديه اليوم بعض أهل المال والسلطة، من ذوي التكوين التقني الخالص والثقافة الفرنسية الشّكلية، بما يمكن أن يكون في تصورهم “التّصوف”. في هذا السياق، تأتي بعض اللقاءات التي نسمع بها، حول ابن عربي أو الحلاج، والتي تعقد سواء في جلسات خاصة، أو في حفلات تتعهدها جمعيات ثقافية تابعة لأبناك أو شركات تجارية أو غيرها. هذه اللقاءات أيضا لا تختلف في شيء عما ذكرناه سابقا، لأنها لقاءات “فارغة” معرفيًّا. لقاءات يتحدث فيها الجميع ليبدي آراء وانطباعات حول كتب لم يقرؤوها وأسماء لا يعرفون حتى كيف تكتب. أذكر أني في لقاء من هذا النوع، ذكرت معلومة وردت في “لسان العرب”، فأجابني أحد الحاضرين بعربية مفلولة، لكن بثقة تامة في النفس، أنه يعرف “السيد لسان العرب ولا يتفق مع ما يقوله هذا الكاتب”.

طبعا استحييت أن أخبر هذا المتدخل، على الملأ، رفعا للحرج عنه، أن لسان العرب كتاب وليس رجلا، وأنه معجم، ولهذا فليس فيه أي رأي قد تختلف أو تتفق معه.

الخلاصة، كل هذا الاهتمام “اللايت” لا يمكن أن يؤخذ على محمل الجد، لأنه مجرد نوع من البحث عن تأثيث الواقع المادي بشيء رمزي رغبة في “الترويح”، من “الروح” و”الراحة” معا، أو قل بلغة فلسفية خالصة، إنه محاولة من مجتمع الاستهلاك لتحويل المجال الرمزي والروحي نفسه إلى شيء يستهلك، شيء “يؤكل” على صورة الوجبات السريعة، حتى ولو كان منطق العالم الرمزي في عمقه متعارضا، بل ومضادا، لقيم الاستهلاك والسرعة و”الجوتابل” التي تحكُم عصرنا.

في الجزء الثالث والأخير، يشرح لنا حدجامي أهمية الدين في حياة الناس كمعنى، لا كحقيقة، ويقدم رؤيته لحركات الإسلام السياسي المعاصر.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *