×
×

عادل حدجامي لمرايانا: الدين يدخل في نطاق المعنى لا الحقيقة، وسلطة الدين على المجال العام تنحصر… 3\3

رأينا في الجزء الأول كيف حصن التصوف المغاربة من التقاتل مع بعضهم باسم الدين، وحاكمنا المقولات التي تخضع التصوف لمنظور المنطق واللامنطق… وتابعنا في الجزء الثاني رؤية عادل حدجامي لعودة التصوف “افتراضيا”.
في هذا الجزء الثالث والأخير، يوضح لنا حدجامي كيف أن الإيمان ينبني على التّسليم لا على التّدليل، وأنه يدخل في إطار المعنى، لا في إطار الحقيقة. كيف ذلك؟ لنتابع.

  • اشتغلتَ فيما كتبت على قضايا ميتافيزيقية كثيرة، منها دراساتك وترجماتك حول سبينوزا. لكن، في النهاية، تتأكد دائماً “محدوديّة” العلم والفلسفة والمنطق، إلخ، في إثبات وجود الله من عدمه، ويتبيّن بالضّرورة، مجدّدًا، أنّ الإيمان ينبني على التّسليم لا على التّدليل أو الاستدلال العقلي. هل هذه “المحدودية” تساعد في تحرير فكرة الله من قبضة التّيارات الأصوليّة؟

الأصولية بجميع معانيها الموافقة والمخالفة نعم، لا شك في ذلك. ربما ينبغي أن نؤصل لهذه المسألة قليلا، وهنا نحتاج لشيء من الفلسفة.

من المعلوم أن الميتافيزيقا كانت إلى حدود النهضة “أم العلوم”، بل غايتها وعلة وجودها. بيد أن هذا الأمر انفرط تماما مع بداية القرن الثامن عشر، وقد كان المجسد لهذا هو النقد الذي أجراه الألماني إيمانويل كانط للميتافيزيقا من جهة ما هي معرفة. لهذا، فلا أعتقد أننا بعد القرن الثامن عشر، وبعد كانط تحديدا، لمن يعرف كانط، ثم بعد العلوم الإنسانية، والأنثروبولوجيا خصوصا، ومع علوم الدماغ والأعصاب اليوم، وما تبينه من الأصل العصبي لمسألة الإيمان والاعتقاد، يمكن اليوم أن نتحدث في مثل هذه الموضوعات حديثا “موضوعيًّا”، أوقل حديثا على أساس “العلم”، لسبب بسيط هو أن العلم لا سلطة له إلا في ما هو مقيس، أي فيما يلتقي فيه الحس بمقولات العقل. والحال أن هذه القضايا تتعلق بما لا إمكان لقياسه حسيا، إنها “غيبيات”، أي “ما يغيب” عن حواسنا. لهذا، فهي ليست موضوعا للمعرفة، بل هي موضوع للإيمان.

بناء عليه، فإن هذه المسائل لا تدخل في مجال الحقيقة، بل تدخل في مجال المعنى. المعنى الذي يعطيه الفرد منا لحياته وموته ولمعاناته وأفراحه وأتراحه. بيد أن المعنى هنا قد يكون أخطر وأهم من الحقيقة، إذ الحقائق باردة وصماء، المعاني حية دافئة. إنها ما يمنح الدّلالة لحياتنا. إنها ما يسميه بعض الفلاسفة بـ”الباثوس” pathos، الذي يسبق كل فعل نظري، بل ويدفعنا ابتداءً إلى أن ننشئ تصورات نظرية. هذا شيء أولي وسابق، شيء نسلم به دون برهان، شيء يتعلق بما يسميه القدامى بالقلب، وهذا هو عينه الإيمان، أي ما “يأمن” له القلب ويسكن دون حاجة إلى دليل. ينتج عن هذا، من الناحية المعرفية، أمر مهم، وهو أن الإيمان يصير مسألة فردية خالصة، لا يمكن أن تكون مجال تحكّم أو تدبير جماعي، بما أن الناس لا يمكن أن تتناقش أو “تقيس” الباثوس، فحدود ما تلتقي فيه هو ما يكون قابلاً لأن يرى ويقاس “خارج” الذّوات، من مثل المصالح والاقتصاد والسّياسة وغيرها. أما الاعتقاد، مهما كان مضمونه، فهو شيء خاص، إنه ما لا سلطة للخارج عليه.

  • مع أنّ هذا الأمر ليس مسلّما به، بعد، عمليا في واقعنا المعيش؟

أنا أدرك أن الناس لا تختلف على شيء أكثر من هذا. لكن الذي أنا مقتنع به هو أننا ذاهبون عمليا إلى التسليم بهذا الأمر. قد يطول الزمان أو يقصر، قد تعترض هذا الأمر موانع يتقدم فيها ويتأخر، وهذا طبيعي لأن الواقع معاند والتاريخ مكابر. لكن الأمر سيتحقق في النهاية، بل أنا أراه يتحقق فعليًّا مع الأجيال الصاعدة، مهما بدا لنا الأمر عكس هذا، ومهما شاهدنا من “ظواهر” تكذّبه، بل مهما بدا لنا من عنف وقتل حتى في هذا الشأن، لأن كل هذا ليس إلا ما يسميه بعضهم “رقصة الديك الأخيرة”. إنها انتفاضة النظام القديم وهو يحاول استدامة نفسه. بيد أن حكم التاريخ عنه صدر وانتهى. العالم القديم مات، حتى ولو طالت مدة الحداد وحتى ولو بدت مظاهر الدفن قاسية وصعبة.

  • على ذكرك العنف، نسجل أن بعض القراءات ترى أن ابن تيميّة تعرّض للاختطاف من طرف الحَركات الإسلاميّة المتطرّفة، واستغلّت فتاويه في إطار ممارسَتها الميدانية؛ خصوصاً “فتوى ماردين”، التي ترتبطُ بسياق هواجس ابن تيميّة في التّعامل مع غزوات المغول والتّتار للأناضول والشّام. في نظرك، ألا يساعدُ وضع فتاوي ابن تيميّة في سِياقها في تجفِيف منابع الإرهاب باسم الدّين في المِنطقة؟

لست متخصصا في هذا الأمر وعلاقتي به لا تسمح لي بقول شيء ذي قيمة كبيرة. لهذا، سأستغل سؤالك هذا لأعمق أكثر ربما جوابي السابق. ما يمكن أن أقوله فيما يخص الإرهاب، هو أن هذه المسألة ظرفية. في هذا السياق، سبق لي أن قدمت بحثا حول مسألة العنف، بينت فيه أن العنف الموسوم بالإسلامي المعاصر، الأصل فيه لا يعود لعناصر مبدئية في الدين الإسلامي، أو حتى تأويلية لاحقة من مثل فكر ابن تيمية، بل هو أمر متعلق بظرف تمر به ثقافة معينة هي الإسلامية اليوم. لا ينبغي أن ننسى أن العنف فعل من صميم التجربة البشرية، وأشرس أشكال العنف التي عرفها التاريخ لم تكن متعلقة بالإسلام، ولا حتى بالدين ربما، فأنت تجد العنف يحصل باسم العرق أو السياسة أو المصالح، بل أحيانا باسم اللادين عينه.

وهذا يلتقي فيه الفكر الثوري الحديث، كالثورات البريطانية والأمريكية والفرنسية التي نعرف مقدار العنف الشديد الذي صاحبها وتلاها، بالمعاصر على غرار الفكر الماركسي في القرن العشرين والحركات التي استلهمته وحاولت تطبيقه.جميعنا يذكر فظاعات الخمير الحمر والعسكرتاريات اللاتينية في جنوب أمريكا وما خلفته من ملايين الضحايا؛ بل حتى مع الفكر الرجعي أو اليميني. لا نحتاج لبسط ما خلفه التبشير المسيحي في أفريقيا وأستراليا وأمريكا الجنوبية من مذابح وإبادات جماعية، ولا ما خلفته الفاشية والنازية من عشرات ملايين القتلى. الأمر إذن، في اعتقادي، لا يمكن أن يفسر، قياسا إلى ما يحصل في الدول المسلمة بفكر شخص فرد، بل إن الرجوع إلى هذا الفكر، واستخدامه لتبرير العنف الذي نراه عندنا هو نفسه أمر ينبغي تفسيره، إنه مظهر وليس جوهرا، إنه ما يظهر من جبل الجليد كما يقال، وليس كل الجبل.

  • كيف نفسر هذا الأمر إذن، وما هو هذا الجبل الذي يختفي تحت هذه الذروة التي لا نرى غيرها؟

إنه التحولات الديمغرافية والاقتصادية والصراعات العميقة اللاواعية التي تحصل في باطن المجتمعات. في هذا السياق أستحضر دائما عملا ماتعا للمؤرخ والديمغرافي الفرنسي الشهير إيمانويل طود مع زميله التونسي يوسف كورباج عنوانه، “موعد الحضارات” (صدر عن دار سوي 2007) وأتبعه بعدها بكتيب صغير هو ملخص لحوار مطول معه عنوانه دال وهو “لا ذنب لله في كل هذا” Allah n’y est pour rien، صدر سنة 2011، مع بداية ما سمي بالربيع “العربي”.

ما يبينه طود وصديقه في هذا الكتاب هو أن ما نراه اليوم، سبق وحدث في حضارات وشعوب أخرى، في مراحل شبيهة بهذه، إذ أن المعاينة السوسيولوجية والمقارنة التاريخية تبين أن الشعوب والحضارات كلما بلغت درجة من التحول الديمغرافي، وكلما تراجع مستوى الأمية فيها إلى مستوى معين، وكلما تراجعت سلطة الأسر الممتدة والقبيلة، وكلما ارتفع سن الزواج وتراجعت زيجات القرابة، نشأت تمزقات داخلية. هذه التمزقات تأخذ دائما شكلا عنيفا. حصل هذا مع روسيا في بدايات القرن الماضي ومع الصين في الأربعينيات، بل وقبل هؤلاء مع ألمانيا القرن التاسع عشر ودول وشعوب أخرى. الأمر لا دخل له إذن بقناعات أو فتاوى قديمة، بل هو متعلق بأمور أكبر وأعمق بكثير.

إذا تبينا هذا، سيصير، في نظري، هذا النزوع القدامي وهذا الاستحضار لفتاوى قديمة، دليلا على التحول الذي يحصل كما قلت قبل قليل، لأنه محاولة بدافع الحنين إلى النظام القديم والفزع من النظام الجديد، لمقاومة شيء حاصل ومتحقق بذاته، في استقلال عن أقوالنا ووعينا.

  • لكنّكَ سبقَ وقلتَ إنّ “النّاس لا تختلفُ ولا تقتَتل عن شيء أكثر من اقتتالها عن الدّين والسّياسة”. المفكر التّونسي فتحي المسكيني يقول إننا نعيشُ فترة “ما بعد الدّين” أو “ما بعد الملّة”. في تصوّر عادل حدجامي، كيف يمكنُ أن يقتنعَ المسلمون بأهميّة الإيمان الحرّ أو حرّية الضّمير كأحد أهم أسُس مرحلة “ما بعد الدّين”؟

لا يمكن بالنسبة لي الحديث بهذه اللغة القطعيّة. ولا أعرف بالضبط مرحلة “ما بعد الدين” كيف يقدمها الصّديق والمفكر المحترم فتحي المسكيني، لأن الأمر يظل رهينا بأمور أكثر دقّة.

  • يقصد بها أنّ العصر لم يعد يقبلُ توقيع الدين في الفضاء العمومي؛ وأن أجهزة الملّة عليها الانخراط في نادي الإنسانيّة

هذا أنا متفق معه، لأنّ الدين بمعناه القديم يتحوّل، وسلطته على المجال العام تنحصر، وهذا ذكرته سابقا ولا شك عندي فيه. بيد أن هذا لا يمكن أن يبيح لي أن أقول إننا أمام نهاية للدين. الإنسان لا يستطيع أن يحيا دون معنى يلقيه على الأشياء، لا بد له من مقدس ما. لا بد من “حرام” ما. لا بد من شيء نتواطأ حوله حتى نكون… قد يكون الإيمان بالإنسانية أو بقدسية الطبيعة أو حتى قدسية الطفولة كما يحصل اليوم. لكن لا بد من محرمات. فحتى تكون هناك “مباحات”، لا بد من ممنوعات. وحتى تكون هناك اختلافات، لا بد من تواطؤات.

الصورة التقليدية تنحل نعم، لكن الاعتقاد في ذاته لن ينحل، بل سيتحول ويتخذ صورا أخرى لا غير. لكن، كيف تقنع المسلمين أو غيرهم بهذه الفكرة أو غيرها، فهذا لا أعرف جوابه ولا أعتقد أن أحداً يعرفه، إلا أن يكون دجالاً أو ساذجًا. لسبب بسيط، هو أن النّاس ليست كائنات سالبة مستعدة للتلقي الصّامت المهادن، بحيث لا يكون علينا إلا أن نقول لها ما ينبغي فعله، أي أن نحشوها بقناعات، كما يظن الفكر الدّعوي البسيط، حتى تمر إلى الفعل. الناس ليسوا أشياء. الناس إرادات قوة تتنوع وتتغير وتتقاذف وتحترب. الأطفال عينهم لم يعودوا اليوم قابلين لهذا التصور البسيط عن التربية. الاقتناع هنا، في اعتقادي، يسبق فيه التطبيق كل تنظير، في ممارستهم لحياتهم اليومية التي هي ضمنيًّا مشبعة بهذه الأفكار، في فعل التواصل والسفر والتجارة وغيره. سيحققون عمليا هذه القناعة، فلا حاجة لهم بنا كي “نعلمهم” كيف ينبغي أن يفكروا أو يفعلوا. سيعلمهم الواقع نفسه. نعم، قد يطول الأمر، قد يتأخر، قد يأخذ قرونا حتى، لكن حياة المجتمعات لا تقاس بحياة الأفراد. هناك مثل معروف يقول: “الطريق إلى الجحيم مفروش بالنّوايا الطيبة”، وبالأفكار الطّيبة لا نصنع إلا واقعًا قبيحًا.

  • ما العمل إذن، بعبارة لينين الشهيرة؟

أن نمارس دائما جهد الفهم، وأن نجتهد لإدراك ما يحصل ولبيان شروط نشأة ما ينشأ، وأن نسعى، كل من جانبه، إلى أن نضع حجرنا الصغير في صرح التاريخ الكبير، دون أن نعتقد كثيرا في سلطة “أشخاصنا”. هذا الأمر يعني كذلك أن نتخلى عن تصوراتنا الإرادوية والتبسيطية عن الأشياء والواقع، عن تفسيراتنا الأحادية والخطية، عن إسقاط رغباتنا ولواعجنا عن الواقع، عن ذم العالم واتهامه حين لا يتوافق وشبكات قراءتنا القبلية التي نسقطها عليه، عن اتهام الناس والشعوب بالغباء والبلادة حين لا تولي لأقوالنا اهتماما.

علينا أن نكون عقلانيين وماديين جداً. والعقلانية تعلمنا، أول ما تعلم، أن الجزء، الذي هو نحن، أصغر من الكل، الذي هو المجتمع، والمجتمع عينه هو جزء من كيان أكبر اسمه التاريخ والعالم. والمادية تعلمنا أن الواقع “المادي” أولى من كل تصوراتها “النظرية” عنه، مهما بدا لنا الواقع قاسيا وقبيحا، وبدت لنا نظرياتنا سهلة ومتسقة، إذ أن الذي يبقى أمامنا موضوعيا هو “الواقع”، وليس تصوراتها عنه. كان يقال “الواقع لا يرتفع”.

لا ينبغي أن ننسى بأن هذا العالم ليس محكوما بقوانين نظرية أو أخلاقية، بل بقوانين فيزيائية أي بمقادير قوى وعلاقات فعل وانفعال ثابتة؛ وهذا حتى في ذواتنا الصغيرة، إذ أننا نحضر في هذا العالم بأجسامنا، ونغيب عنه بأجسامنا. لهذا، فالجسم أسبق من الفكرة، وهذا حتى فيما نعتبره أسمى ما في الإنسان وهو فعل التفكير، إذ أن التفكير والوعي ليسا إلا مفعول عضو مادي وحامل حسي هو “الدماغ”، وأنت تعرف أن أحد أدق المجالات التي يتوجه إليها البحث العلمي الدقيق اليوم في كبريات مراكز البحث هي مبحث “علوم الدماغ والأعصاب” Neurosciences. الراجح أن الجواب عن أسئلة من قبيل الحرية والوعي والحب والعنف، بل والتدين، هي مسائل نجد الجواب عنها في الدماغ، أي في الحامل المادي غير الواعي الذي يحكم الإنسان، أكثر مما نجدها في التصورات المزهوة بذاتها التي يصوغها الأفراد عن أشخاصهم وقدراتهم.

هذا لا يعني طبعا أن نسقط في نزعة قدرية مطلقة، إذ أن الوعي بشروط الحرية وموانعها “زيادة في الحرية”، من جهة ما أن الحرية ليست هي “أن نفعل ما نريد”، بل أن نعي “ما يمكن فعله بما فُعل بنا”. وهذا يعني، قياسا إلى الرهان المجتمعي والسياسي، أن نفهم ما يحصل حولنا بأسبابه “الموضوعية” المستقلة عنا. فالواقع كما نراه هو واقع تواجدت أسباب نشأته قبلنا. والغالب أن نتائجه لن تتوافق مع “نظرياتنا”، بل الغالب أننا لن نشهد تحققها حتى، بما أن حياة الأمم تقاس بالقرون، وحياة الأفراد تقاس ببعض السنين. هكذا هي الأشياء، باردة صماء، لا تدعو لضحك ولا بكاء، بل فقط جهد الفهم، دون أي ضمان في نجاح هذا الفهم، أو هكذا… قال فيلسوف أثير عندي.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *