×
×

عادل حدجامي لمرايانا: إسلامُ جدّاتنا المغربيّات البسيطات… كان، عمليا، أكثر عمقا من إسلام كثير من الحركات السّلفية! 1\3

رغم أنّه من الوجوه التي تتمتّع بمهارة خاصة في التحليل والكتابة، وتحقق متعة فريدة عند الاستماع إليها، إلاّ أنّه لا يلج النّقاش العام إلا نادراً، مفضلاً الانسحاب إلى كتبه وأشيائه… والأمر يتعلق بعادل حدجامي.

ولد حدجامي بالرّباط سنة 1976، ويعمل أستاذا للفلسفة المعاصرة بجامعة محمد الخامس بالرباط، منذ عشر سنوات. يزاوج بين عمله هذا وانشغالاته بالتأليف والترجمة، حيث أصدر ثلاثة كتب، آخرها سنة 2022 رفقة عبد السلام بنعبد العالي بعنوان: “خارج الفلسفة”، إضافة إلى عشرات من المقَالات والأبحاث الخاصّة بالفلسفة المعاصِرة وفلسفة الدين وقضايا أخرى غاية في الراهنيّة والأهميّة.

حصل حدجامي على جائزة المغرب للكتاب سنة 2012 عن كتابه: “فلسفة جيل دولوز عن الوجود والاختلاف”، وعلى جائزة “الشيخ زايد” العالمية للكتاب في السنة الموالية.

حدجامي، الذي سبق وقال عنه الراحل محمد سبيلا إنه سيحمل، رفقة نفر من أبناء جيله، مشعل التفلسف في المغرب، لم يتردد كثيراً في تلبية دعوة مرايانا، رغم قلة حديثه وإلحاحه المتكرر، خلال مرحلة الإعداد، على كونه “لا يعتبر نفسه مثقفًا يملك الحق في الحديث أكثر من غيره، إذ هو لا يمتلك فائض معرفة يعرضها، ولا سلطة وصاية على غيره يفرضها بدعوى الثقافة”… في هذا الحوار، تسائل مرايانا حدجامي عن تصوراته، كباحث، حول التّصوف والدّين والتّطرف والإرهاب.

  • قلتَ في إحدى مداخلاتكَ حول الدين: جدل المعنى والحقيقة، بأنّه لو كان هناك شكل للتديّن ترضاهُ لنفسك، فسيكون هو التصوّف، نظراً لكونِ المتصوّفة في التّاريخ أعربوا عن عمق الدين من ناحية التّسامح، وظلّوا مُسالمين ولم يقتلوا أحداً، إلخ… هل يمكنُك أن تتوسّع في هذه الفكرة؟

لست أذكر تحديداً السياق الخاص الذي ورد فيه مثل هذا القول، وإن كنت أذكر السّياق العام، بيد أنه واضح من مضمونه أنه كان سياق مشافهة وعفو خاطر، وربما حتى سجال. وإلا، فإنني كنت سأتحوط كثيراً في إصداره بهذه الصيغة، إن كان الجواب قد أتى كتابة. لعل السياق الذي جاء فيه كان الدفاع عن التصوف باعتباره إمكانا تأويليا للدين يتقابل مع التأويل الذي ينعت بـ”السلفي”، والشاهد على هذا قولي إن “المتصوفة لم يقتلوا أحدا”.

الحقيقة أن هذا الأمر كان يجيب عن اعتراض ضمني على نقد يمارسه بعض من يشكك في نمط تدين المغاربة، قديما وحديثا، فينعت إسلام أهل هذا القطر بـ”الطرقي” والصوفي، وأنهم، كما يقال، “يحبون النبي أكثر مما يحبون الله”، وكل هذا بالتوافق مع قول شائع مفاده أن “المشرق بلد الأنبياء والمغرب بلد الأولياء”.

لا أحتاج لبيان ما في مثل هذه الأقوال من تعريض واضح أو خفي، بل ما فيه من تنقيص من إسلام المغاربة بزعم أنهم “طرقيون” وصوفيون في عقيدتهم، وهم بذلك يخالفون ما يعتبرونه صحيح العقيدة، فكان المقصود من جوابي الرد على هذا اللّمز بالقول، نعم، فليكن… إن المغرب بلد الطرقية والتصوف. لكن الطرقيين والمتصوفة لم يكونوا على الأقل يتعبدون بالقتل والتكفير.

  • كان هذا هو المرمى من كلامك حينها، إذن؟

نعم، هو كذلك. بيد أننا، إذا ما أردنا تمحيص الأمر أكثر هنا، وفي هذا السياق الذي يبدو أكثر برودة ومسافة، فإنني سأقول إنه كان في الزعم المذكور الذي عارضته، جانبا صحيحا، وأن في الجواب الذي قدمته جانبا صحيحا أيضا، أو لنقل ما قال الشاعر القديم: “إنهم صدقوا في الحكم وإني ما كذبت في الرد”. صدقوا لأن التصوف هو فعلا أحد أركان الإسلام المغربي، فالمغاربة يقولون ألا عقيدة سليمة لمن لا “ولي له”، ومنها ما نزال نحفظ عبارات من مثل “ما عندو والي ولا تالي”، كناية عن التشرد وانعدام الالتزام في نفس الآن، تماما كما أن المغاربة كانوا ينقسمون قديما بحسب ولاءاتهم الطرقية، وأن مدن المغرب ومداشره وقراه، كلها تأسست على خاصرة مزار أو ضريح، وهذا ما تراه من تسميات مدنه وتقسيمات أحيائه ومناطقها قديما وحديثا. بل إن دولاً ما كانت لتقوم أو تعلن عن ذاتها إلاّ لأنها كانت تجد “زاوية” تؤازرها.

ثم إن عدداً من أشهر أولياء المشرق عينه هم من أصول مغربية. بيد أن هذا الأمر، الذي قد يعتقده البعض “نقصا” في الدين، كان على الحقيقة عنصر وقاية للحياة الاجتماعية للمغاربة. أقول الاجتماعية وليس السياسية، لأن هناك دولا قامت بالمغرب كانت غاية في العنف على المستوى العقدي (المرابطون وبعدهم الموحدون خصوصا). هذا الولع بالتصوف والكلف بالزوايا قد حصّن المغاربة، على مستوى حياتهم اليومية على الأقل، من إنتاج عقيدة الإقصاء، وهذا ما نعرفه كلنا عن أجدادنا وأسلافنا، فأجدادنا كانوا يشطحون في المواسم ويتبركون بالأولياء ويأخذون التقدمات للأضرحة، بل وقد يبالغون ويخرجون إلى الاعتقاد في كرامات وخرافات. بيد أنهم كانوا، وعلى اختلاف أوليائهم ونحلهم، لا يكفرون جيرانهم بسبب اختلاف وليهم، ولا يرمونهم بالزندقة أو يدعون إلى اجتثاث شأفتهم باسم “صحيح” الدين و”المحجة البيضاء” كما نسمع اليوم مع هذا الإسلام الصحراوي المسلفن القادم من أرض وجغرافية طبيعية وبشرية لا علاقة لها بالمغرب. لعل متصوّفتنا المغاربة كانوا على خطأ نظريا، فليكن، حتى ولو كنت لا أسلم بهذا الأمر إلا جدلا، لكنهم كانوا على صواب “إجرائيا”، هذا ما قصدته من مثل هذا القول.

أعلم أن قولاً مثل هذا فيه كثير من إمكان الأخذ والرد، وأنه ليس حكما “معرفيا” خالصًا. بيد أنه انتصار لأهل بلدي. أنا فعلاً أُفَضل الإسلام الصّوفي، وأفضل فقهاءه على كثير غيرهم، مهما تصوفوا، بل لأنهم تصوّفوا. هكذا فأنا أُفَضل، عِلما وسُلوكا، فقيهًا محدثا مثل أحمد بن الصديق الغماري، الذي لم يمنعه كونه أعلم أهل عصره بعلم الحديث من أن يتغنى في الزاوية الصديقية بالأوراد، بل ويأخذه الوجد فيشطح. أفضلهُ على مجموع محدثي وفقهاء الحنابلة المعاصرة، الذين لا يلجون الزوايا نعم، ولا يأخذهم وجد أو رعشة شطح نعم، بيد أنهم ما أنتجوا من كل هذا “التعفف” الصوري غير مسوخ قميئة دموية، بشعة الأسماء والأفعال، أساءت لهذه الأمة ولأهلها أيّما إساءة. وكفاك بما تراه في البلاد التي سيطرت عليها “داعش” و”دامل” وما لست أدريه من كريه النّعوت، شاهداً على ما أقول.

عِلمًا وأثراً وسلوكًا، أُفضل إسلام جدتي وزيارتها الأسبوعيّة لضريح سيدي العربي بن السايح، وحضورها “الوضيفة” وإقامتها لليلة الدرقاوية وافتخارها بزوجها الذي ما كانت تسميه إلا “الفقير”. أُفضّله على كل أشكَال التّدين المتعالم الصافية نظريا ربما، لكن الملوّثة عمليًّا.

  • تحدثت عن متصوّفة المغرب. لكن، بالمقابل، هناك حلقاتُ تكفير وإعدام للتّصوف: الحلاج، عين القضاة والسُّهرَوَردي وغيرهم، في التّاريخ الإسلاميّ بالمشرق. ما هي قراءتك له؟

لست ممن يطرب للأجوبة الإيديولوجية، ولا ممن يحسن القراءات البعدية للتاريخ. لهذا، فإنني لا يمكنني أن أعطي جوابا، من الناحية الموضوعية، عن مثل هذا، خصوصا وأن علاقتي بالتصوف ليست علاقة “تخصص”.

الذي يمكن قوله هنا، أن الروايات المأثورة عن صلب الحلاج وابن عربي والسهروردي وغيرهم، فيها كثير من اللبس، فقد داخلت هذه الأسماء أكاذيب وأساطير، من جهة الخصوم و”الأصدقاء” معا. الخصوم نسبوا إلى هؤلاء كل أوصاف الكفر والزندقة، والمساندون، ومنهم كثير من المستشرقين ممن لم تكن نياتهم “خالصة”، سربلوهم برداء رومانسي، زاد من هالته ما أضافه الشعراء والأدباء من بعدهم، في القرن العشرين خصوصا. إذا توضح هذا، يبدو لي أن الباحث الجاد مطالب بالتحوط من إرسال الأحكام في مثل هذه القضايا، خصوصا وأن هذه المحاكمات حضرت فيها “السياسة” بقدر غير قليل. هكذا، فقد كانت تلك الأحكام أحكاما سياسية بقدر ما كانت أحكاما عقدية.

  • من الناحية العقدية، هناك من يعتبر الأمر “عجزاً” لدى الفقهاء في فهم مكنُونات فعل التّصوف والرمز الصّوفيّ؟

صراحةً، لا أدري هل أن الفقهاء “عجزوا” عن فهم أسرار أقوال المتصوفة، فلا أعتقد أن الفقهاء هم أشخاص بليدون ورجعيون بالضرورة، كما قد نتصورهم بحسب ما يروّج له كثير من الناس. الفقهاء كما غيرهم من الناس، فيهم من كل صنف ونوع. والفقهاء الكبار الذين اشتهروا، هم على قدر من الذّكاء والحنكة، تبدو اليوم مذهلة قياسا إلى عصرهم. يكفي أن تقرأ كتاب “الأم” للشافعي، أو تنظر إلى مضامين فقه “أبو حنيفة النعمان”، الذي يدين بمذهبه عدد غير قليل من مسلمي اليوم، لتعرف قوة الملكة النظرية عند الأول، والروح الإنسية التي امتلكها الثاني في نظرته للواقع والناس. وهي الروح التي إن قارنتها بشروط عصره وأفكار رجال الدين عند الأمم الأخرى في ذلك العصر، لبدا لك الرجل استثنائيًّا.

الذي يمكن أن أقوله هنا، وبعد هذه التحوطات كلها، هو أن التصوف، في الإسلام كما في غيره من الأديان، يملك عنصراً مضافًا ما، وهو ما قد أسمّيه بـ“الوعي التراجيدي”. المتصوفة كانوا أناسًا مكنتهم ألمعيتهم من أن يجربوا، في جسد محدود هو جسدهم، وفي زمن محدود هو عمرهم، شيئا يتجاوزهم، فكان أن جعلوا، بعبارة قلتها مرة، من هذا الجسد صفيحة إمكان لتلقي أثر العناصر… فكان أن انكسرت هذه الصفيحة، أو قل بعبارة أخرى، إن المتصوفة أناس جعلوا من عمرهم فرصة لتجربة كل الزمن، فكان أن فاضوا بما لا يستطيعون قوله.

المتصوفة أشكال ممكنة من المسيح بمعناه الأخلاقي، شيء من قبس الممكن الوجودي الذي يحكم عليه بأن يحيا في جسد وعمر محدودين، فيكون أن هذا اللامحدود يشقى بأن يحصر في هذا المحدود.

يقول الشاعر:

وإذا كانت النفوس كبارا

تعبت في مرادها الأجساد.

المتصوفة كائنات رأت شيئا يتجاوزها، فشَقت به، وشقّت به الطين الذي كانت فيه “طينك يا الله، الجسد، يدك وما صنعت”، أو هكذا يقول شاعر صديق.

على أن هذا الأمر ليس خاصا بالمتصوفة، بل هو عينه الموجود عند فلاسفة وشعراء وعند موسيقيين كبار. الجامع بين هؤلاء جميعا أنهم رأوا مطلقا ما. شاهدوا شيئا لم يتح لغيرهم. أكلوا من “فاكهة” محرمة ما، فكان أن نذروا حياتهم كلها لتفسير هذا الذي شهدوه. لكن شرح المطلق وبذله للناس، لا تكون نتيجته إلا حز الأعناق وضرب ما بين الكتفين، وهذا أمر فعله كثير منهم، في اعتقادي، عن رضى، بل واستماح وطلب العذر لمن ضرب العنق. إذا اتسعت الرؤية، ضاقت العبارة. هكذا قال الصوفي القديم، وهذا يفسر كل شيء، فلا عتب على من قال، وربما لا عتب على من لم يفهم ما قيل.

  • يقول أدونيس: “التصوف هو تجاوز الواقع، أو ما يمكن أن نسميه باللاعقلانية، واللاعقلانية تعني الثورة على قوانين المعرفة العقلية، وعلى المنطق، وعلى الشريعة، من حيث هي أحكام تقليدية تُعنى بالظّاهر”… هذا الرّأيُ الذي يعدّ التّصوف الإسلاميّ تجسيداً لعقلٍ مستقيل، طبعاً، لم ينفرد به أدونيس. لكن، هل يمكن أن نقرأ التّصوف بمعيار التّفلسف؟

لعل في هذا الموقف وجهًا من وجوه ما ذكرته في الجواب السابق عن علاقة المتصوفة بمؤوليهم من الشّعراء المحدثين، والذي مضمونه أن هؤلاء تناولوا أولئك وفق نمط في النظر لا قبل للتصوف به. لنكن واضحين، التصوف ليس نظرية في المعرفة بالمعنى الفلسفي أو المنطقي. التصوف علاقة معينة باللغة، أساسها طموح إلى التعبير عن شيء وجداني خصوصا. لهذا، فلا معنى لوسمه باللامنطقية أو المنطقية. طبعًا أنا أتكلم هنا عن التراث الصوفي من جهة ما هو نصوص، وليس عن التوظيفات الإيديولوجيّة والسياسيّة التي يمكن أن تكون لهذا التراث؛ وهذه لا تدخل في نطاق ما يمكن أن نهتم به، لأن الإيديولوجيا يمكن أن تُقوّل كلّ شيء لأي شيء، وهذا ليس مما يغري الناظر الحصيف.

حتى نلخص، إن كان حديثنا عن التصوف حديثا عن نصوص موروثة نعرفها، فلا أجد أي معنى لأن نحكم على التصوف من زاوية القيمة الموضوعية النظرية، لاعتبار بسيط هو أن مفهوم الحقيقة في الخطاب الصوفي ليس مفهوما يحتكم لعناصر يمكن النظر فيها “معرفيا”. وغاية ما قد نتناول في إطاره التّصوف، في نظري، هو المستوى الاستطيقي، مع أنّنا نجد عناصر وجودية.

على هذا الأساس، يبدو لي أن مثل هذه الأحكام تتعلق بـ”إيديولوجيا” التصوف، أو قل الرد على من يريد أن يعطي للتصوف بعدا عمليا “سياسيا”. في هذا السياق، يمكن فهم أدونيس ومحمد عابد الجابري وعدد من النهضويين والماركسيين، بل وحتى بعض أقطاب الإسلام السياسي. وفي هذا السياق، لا أجد شيئا لأقوله، لأنني أتفادى دائما النظرة الإيديولوجية، ليس لأني لا أجد قيمة للسجال الإيديولوجي فحسب، بل لأنني أعتقد أن ما يهم هو النظرة الفلسفية والمعرفية. وهذه النظرة تبين مثلا أن النقد الإيديولوجي هو نفسه يسقط في حبال ما يسعى لتجاوزه، لأنه يسلم بإشكالية الخطاب المراد نقده ابتداء، أو قل إنه يسلم بالكيفية التي يطرح بها السّؤال. والحال أن الأمر عندي غير مسلم به.

التصوف موقف إستطيقي من العالم، وعلاقة “جمالية” باللغة، ورؤية أخلاقية ربما، لكيف العيش. لهذا، فمن المهم قراءة التصوف، بل ربما من الضروري لمن يهتم بالفكر ومسألة القيم، لكننا حينها سنقرؤه كما قد نقرأ أي تراث روحي أو أدبي، تماما كما الحال مع تراث الشرق القديم أو الشعر “الجاهلي” أو حكماء العالم القديم. أما أن نتحدث في عصرنا العلموي التقني الخالص، الذي تمتحن فيه الحقيقة “تجريبيا” في المختبرات، ووفق لغة رياضية متواطئة خالصة، عن المنطق والعقلانية في التصوف، فنقول إنه منطقي أو غير منطقي، فهذا من باب تحميل الأشياء ما لا تطيق.

في الجزء الثاني، يجيبنا عادل حدجامي عن نظرته لما يخصّ دعوات مرفوعة لجعل الحب الإلهي أساسًا لتدريس كُل ما يتعلقُ بالعَقيدة.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *