×
×

المرجئة… من الانتهازية تقرّبا للخلافة إلى الثّورة على الخلافة! 2\2

كيف كانت… يا ترى نقطة تحوّل المرجئة من التبرير للخلافة إلى الثورة عليها؟

عرضنا في الجزء الأول لظهور فرقة المرجئة في سياق سياسي متشنج بين الأمويين من جهة ضد الشيعة والخوارج من جهة ثانية، وكيف أن فرقة المرجئة اتخذت موقفاً وسطاً أبان عن انتهازية بعد انتصار معاوية بن أبي سفيان.

في هذا الجزء الثاني، نرصد التحول الذي طرأ على التيار الإرجائي من كونه فكراً تبريرياً للأمويين، إلى الانقلاب على الخلافة ونهج سبيل الثورة ضدّها.

سنعتمد في هذا الجزء على كتاب “الحركات السرية في الإسلام” لمحمود إسماعيل، باعتباره من المراجع الهامّة التي درست ثورية المرجئة ومخاض التحول الذي مسّها في النّهاية.

من التبرير إلى الثّورة

هكذا عنون محمود إسماعيل الفصل المتعلّق بالمرجئة، ليوضّح أنّ الفرقة لم تظلّ على ولائها للأمويين لوقت طويل، تبرّر قرارات الخليفة وتدعو المسلمين إلى طاعته، فالسّخطُ على بني أمية ما لبث أن بلغ مداه، والمشكلة الاجتماعية زادت تفاقماً.

حتى محاولات الإصلاح التي أنجزها الخليفة عمر بن عبد العزيز تنكّر لها خلفاؤه. واشتدّت ضربات اليسار (الخوارج والشيعة). ورغم بأس الأمويين ومغالاتهم في القمع والبطش، فإنّ سقوط الدولة الأموية، لحظتئذٍ، بات يلوح في الأفق.

تمكّن الخوارج والشيعة من الصمود وإضعاف الخلافة، دفعَ المرجئة إلى تغيير الوجهة، من تبرير الحكم الأموي إلى الثورة عليه، ما يوضح أنهم يميلون حيثُ تميل الكفّة!

فجأة، تعاطفوا مع دعوات العدالة والمساواة والحرية الإنسانية، التي دعا لها كل من الخوارج والمعتزلة، وتحوّلت الآراء التبريرية إلى أفكار إصلاحية تنهل من الواقع الاجتماعي وتناقضاته داخل “الدّولة”، بل وتطالب بالعمل بالقرآن والسنة والأخذ بمبدأ الشورى.

مسّت الثورة حتى الأفكار المؤسسة للإرجاء، فتأثرت بالخوارج والشيعة في الثورة على الظلم، وبالقدرية فيما يخصّ حرية الإنسان المسلم في الاختيار.

هذا التحول في البنية الفكرية، جعل الموالي بالخصوص يقبلون على اعتناق المذهب، فكانوا اللبنة الأساسية للإرجاء في حلّته الحديثة المُؤَنسَنة، وهو ما اتضح بقوة حين انخرط المرجئة في الثورة التي قادها كلّ من عبد الرحمن بن الأشعث ويزيد بن المهلب ضدّ الأمويين.

هذا المنعطف تمّ مكانياً بالكوفة، خلال الستينيات من القرن الأول الهجري، بعد أن كانت البصرة تشهد الآراء التبريرية من قبل.

في الكوفة تحديداً، لأنّ التربة كانت خصبة للمحاججة وتبادل الأفكار في جو علمي مشحون بالتّسامح و”العقلانية”، فتمكّن الإرجاء أن يغترف من بعض الفرق لكي يبني مرجعيته الجديدة.

في النّهاية تمخض عن ذلك تسليمهم بأنّ الإمامة لا تثبت إلاّ بإجماع الأمّة. هذا الموقف أدى إلى نسف الأساس الفكري للحكم الأموي، وتمّ بالتّبعية، إسقاط حقّهم في الحكم، لكون حفنة من الشرائح لم تعترف بشرعية خلافتهم.

المرجئة… والعداء للخلافة!

من بين المنعطفات التي لامست الفكر الإرجائي، ما يتعلق باقتباسهم من الخوارج آراءهم السياسية الديمقراطية، فقالوا بجواز الإمامة لغير قريش، وأنها حقّ لكلّ مُسلم قَائم بالكِتاب والسّنة.

أصبَحت المُرجئة، إذن، فرقة مناوئة للخلافة، وتخلت عن معتقداتها التبريرية فيما يخصّ الفصل بين الإيمان والعمل، واستلهموا أفكار الخوارج والقدرية بخصوص شرط العمل في الإيمان، وفي دلالة ذلك، الرغبة في التصدي لتقويم الانحراف والنهي عن المعاصي.

العمل هنا، كما يورد محمود إسماعيل، لصيقٌ بالإيمان وصادرٌ عنه ضمنياً، خاصّة وأنّ “الإيمان لا يزيد ولا ينقص”. هذا يعني أن الإرجاء في صيغته الجديدة أعلى من مستوى الإيمان بما يحقّق العمل، مما جعل المرجئة فرقة متشددة.

هذا التشدد نجد له أصلاً عند الخوارج الداعين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. لعلّ التقارب بين الإرجاء ومذهب الخوارج في تلك المرحلة، كان سبباً في التسمية التي أطلقت على المرجئة آنئذ: مرجئة الخوارج.

لأسباب سياسية أيضاً، تأثر الإرجاء بالتشيع، فأخذ عن الشيعة عقيدة التأويل، التي تخوّل لهم نصيباً من المرونة في تكييف أنفسهم مع الواقع الاجتماعي المتغير.

الحقّ أنه ما كان للإرجاء أن يغدو مذهباً ثورياً إلا بعد أن اعتنقه الموالي، الذين انضموا إلى أحزاب المعارضة، لإلباس ثورتهم لبوساً شرعياً بناءً على أسس مذهبية ودينية.

تقسّم الموالي على الأحزاب المعارضة الثلاثة، ويذكر ابن سعد نصًّا هامًّا ينقله عنه محمود إسماعيل: “كان للفقيه ابن أبي الجعد الغطفاني مولى له ستة بنين، فكان اثنان منهم متشيعين، واثنان مرجئين، واثنان يريان رأي الخوارج”. وكان موالي الكوفة “سباقين إلى اعتناق مذهب المرجئة حيثُ أخذوه عن سادتهم من العرب الذين لم يكونوا على وئام مع الحكومة الأموية من جراء سياستها في التّحيّز لعرب الشام دون عرب العراق“، يقول محمود إسماعيل.

باتَ الإرجاء، إذن، مذهباً للثوار، فكانت الثورة سياسية بمسوح دينية، عوّل من خلالها بعض زعماء عرب العراق على تحقيق المساواة، فبثّوا هذا المطلب في مواليهم من الفرس تحت مظلة الفكر الإرجائي.

محمد بن الأشعث، المرجئي، كان حانقاً على بني أمية وفق تعبير الكاتب. وحاربهم في صفوف مصعب بن الزبير، ثم ورث ابنه عبد الرحمن أحقاده فقام بثورته.

أيضاً، تلقى “عمر بن قيس الماصر مذهب الإرجاء عن محمد بن الأشعث ونشره بين الموالي، وكان ذر بن عبد الله بن زرارة الهمداني – الذي ورث عن أبيه حقده على بني أمية وولاتهم في العراق – وعمر بن مرة بن عبد الله المراري – من أقطاب الدعوة للإرجاء بين موالي الكوفة”.

عندما بات واضحاً أن المرجئة غدت من الفرق المناوئة للحكومة الأموية، أقدمت الأخيرة على ملاحقتهم واستئصال شأفتهم والتنكيل بهم، خصوصاً في فترة الخليفة هشام بن عبد الملك، الذي نصب على العراق واليا معروفا بالقسوة، هو خالد بن عبد الله القسري. كما تمّ التنكيل ببعض شيوخهم وقتلهم؛ ويقال إنّ الجعد بن درهم، أحد أعلام المرجئة، تمّ ذبحه صبيحة عيد الأضحى كذبح الخراف، من طرف خالد بن عبد الله القسري بنفسه.

في الأخير، يتضح أنّ فكر المرجئة بدأ في الساحة وسطياً وانتهازياً لا يحسمُ في مواقفه بسرعة، قبل أن يدعي ولاءه للخلافة الأموية ويقوم بالدّعوة إليها.

لكن الإرجاء في النهاية، تصالح مع الواقع وحاول درء مظالم الخلافة الأموية، ودفعها إلى إصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية للمسلمين، فكان الإرجاء من الأسس النظرية الدينية للثورة، إلى جانب الخوارج والشيعة، وكذلك المعتزلة بكيفية من الكيفيات.

قوة الإرجاء، على كل حال، في كونه بدأ انتهازياً، إلاّ أنه سرعان ما بات ثورياً يناضل في وجه الظلم باسم الدين… بناء على أسس الشريعة!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *