×
×

عن العنف والتحرش الجنسي في المدرسة وضعف الكفايات… مجلس عزيمان يدقّ ناقوس الخطر!

معطيات كثيرة يقدمها التقرير، تجعلنا نصل لخلاصة مقتضبة ومخيفة: أنّ الإصلاحات تتالت دون أن يكون لها مفعول ملحوظ ينعكس إيجابيًّا على المكتسبات!

دقّ المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، ناقوس خطر تفشي العنف والتحرش الجنسي وضعف الكفايات اللغوية وهدر الزمن الدراسي… ودور كل ذلك في التأثير على عملية التحصيل والمردودية في النظام التربوي بالمغرب.

جاءت هذه المخلصات ضمن البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات PNEA2019… فكيف يمكن رصد هذا الضعف وفق ما تقدّم به هذا البرنامج؟ وما هي أهم مسبباته؟

معضلات العنف والتّحرش

يشير التقرير إلى كون العنف، سواء اللفظي أو الجسدي الذي يتعرّض له التلاميذ، يؤثّر بشكل سلبي جداً على مردوديتهم الدراسية.

بلغة الأرقام، كان 28% من تلامذة السنة السادسة ابتدائي و%39 من تلامذة السنة الثالثة إعدادي ضحايا السب والقذف من طرف زملائهم؛ وهو ما يشهد على حجم ظاهرة العنف اللفظي الذي يسم المعيش اليومي بين التلامذة سواء في المدارس الابتدائية أو في الإعداديات.

كما تؤكّد الدراسة أنّ 13% من تلامذة الابتدائي و%25 من تلامذة الإعدادي كانوا ضحايا للسب والقذف من طرف مدرسيهم و%11 و%22على التوالي كانوا ضحية له من طرف أطر الإدارة التربوية.

كما صرح مدرسو %2 من تلامذة الابتدائي و%3 من تلامذة الإعدادي أنهم كانوا ضحايا عنف لفظي من طرف تلامذتهم.

العنف المادي هو بدوره واقع فعلي بالنسبة لتلامذة الابتدائي والإعدادي، حيث أن %24 من تلامذة الابتدائي و%25 من تلامذة الإعدادي يصرحون أنهم تعرضوا لاعتداء جسدي من طرف زملائهم.

عادة ما تكون لهذه الممارسات نتائج وخيمة على المسار الدراسي للتلامذة (انقطاع دراسي، هدر) أو على نموهم النفسي (الجنح، الصدمات، لجوء الآباء إلى القضاء).

أمّا بخصوص التّحرّش الجنسي، فالدراسة تشدّد على أنّ أداء تلامذة الابتدائي والإعدادي ضحايا التحرش أدنى بشكل واضح من أداء التلامذة الأقل عرضة للتحرش.

في ذات السياق، صرح 9% من تلامذة السنة السادسة ابتدائي و%17 من تلامذة السنة الثالثة إعدادي أنهم كانوا ضحايا تحرش جنسي من طرف زملائهم. كما أن %8 و%13 على التوالي صرحوا أنهم كانوا ضحايا التحرش الجنسي من طرف مدرسيهم مقابل %7 و%11 من طرف أطر الإدارة التربوية.

يذهبُ التقرير إلى أن التحرش الجنسي يمسّ بالطفل وكرامته “حيث يحس بالإذلال والإهانة والتشيؤ، وهو ما يعطبه ویشله ويصدمه عاطفيا بما يؤثر سلبا على نموه المعرفي والنفسي والمادي والاجتماعي، وبالتالي، فإن من واجب المؤسسة التعليمية باعتبارها مؤسسة تربية وتكوين محاربة هذه الظاهرة المدمرة والحاطة من الكرامة تربويًّا وإداريًّا”.

أكثر من ذلك، فالتحرش لا يسمُ العلاقة بين التلامذة فقط، بل يسم أيضاً العلاقة بين التلامذة والمدرسين، وبينهم وبين أطر الإدارة التربوية. وتأخذ الظاهرة حجما أكبر في الإعدادي منه في الابتدائي.

إشكالية تعلّم اللغات

كشف التقرير أنّ مستويات مكتسبات التلامذة في الكفايات اللغوية تفصحُ عن كون نسبة هامة منهم لا تتحكم في الكفايات اللغوية الأساسية والضرورة لمتابعة التحصيل، أساساً في اللغة العربية بالنسبة لتلامذة السنة السادسة ابتدائي والسنة الثالثة ثانوي إعدادي.

حسب المعطيات التي توصّل إليها التقرير بخصوص الكفايات في اللغة العربية، يتبين أنّ %31 من التلامذة اكتسبوا أقل من %42 من البرنامج الرسمي للسنة السادسة ابتدائي، مقابل %46 من تلامذة السنة الثالثة ثانوي إعدادي الذين اكتسبوا أقل من %36 من برنامج السنة.

أثناء البحث، شكّلت نسبة تلامذة السنة السادسة ابتدائي العاجزة عن الإجابة بشكل صحيح عن كل أسئلة الرائز (وهو مِعْيَارٌ أو وَسِيلَةٌ اخْتِبَارِيَّةُ في عِلْمِ النَّفْسِ والتَّربِيَةِ، يُمَيَّزُ بِهَا بَيْنَ أفْرادِ جَمَاعَةٍ مَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى مِقْيَاسٍ مُعَيَّنٍ يُعَيِّنُ الذَّكَاءَ أَوِ الْمُلاحَظَةَ أوْ غَيْرَهَا مِنَ الْمَلَكاتِ) %2. لم يكتسب هؤلاء التلامذة أي مكتسب ولا يتوفرون على أي مورد، ولو في حدوده الدنيا، ليتابعوا برنامج اللغة العربية الرسمي لهذا المستوى الدراسي.

يضيفُ التقرير ذاته، أن نسبة %7 من التلامذة أجابت بشكل صحيح عن الأسئلة الخمسة الأكثر سهولة نسبيا ضمن أسئلة الرائز؛ وهم بالكاد يتحكمون في %18 من برنامج اللغة العربية للمستوى، ويستطيعون تعرف نوعية النص، ومعنى كلمة من كلماته، وفكرته الرئيسية والقيمة التي يروج لها هذا النص.

وتتقدم المدارس الابتدائية الخصوصية المدارس العمومية الحضرية بمعدل 293 مقابل 246 نقطة في تدريس اللّغة العربية.

كما يؤكّد مجلس عزيمان أنّ تلميذات السنة السادسة ابتدائي حقّقن معدل 255 نقطة في اللغة العربية، وهو معدل يتجاوز المعدل الوطني بـ5 نقط، في حين أن المعدل المحصل لدى التلاميذ هو 245 نقطة أي أقل من 5 نقط من المعدل الوطني.

أمّا على المستوى الإعدادي، فتقدر نسبة التلامذة الذين لم يستطيعوا الإجابة عن أي بند من بنود الروائز بـ%5. ولم يحصل هؤلاء التلامذة على أي مكتسب في التعليم الابتدائي ولا على المستلزمات اللغوية الضرورية للتمكن من متابعة دراسة برنامج اللغة العربية المسطر في السنة الثالثة إعدادي.

ماذا عن الفرنسية؟

مشكل تعلّم اللغات ينحو منحى أكثر حدّة حين يتعلّق باللغة الفرنسية، حيث يسجّل المجلس أن %41 من تلامذة السنة السادسة ابتدائي لم يكتسبوا بالمرة طوال سنوات السلك الابتدائي الموارد الضرورية لمتابعة دروس اللغة الفرنسية في السنة السادسة ابتدائي.

الخطير أنّ %12 فقط من تلامذة السنة السادسة ابتدائي و%11 من تلامذة السنة الثالثة ثانوي إعدادي هم الذين استوعبوا مجموع البرنامج الرسمي؛ بينما أغلبية التلامذة في نهاية السلك الأساسي يجدون صعوبات في الكتابة باللغة الفرنسية بشكل سليم.

تظهر المقارنة حسب الوسط أن أداء التلامذة الذين يدرسون بمؤسسات الوسط الحضري یكون في نهاية السلك الابتدائي، أحسن قليلا في اللغة الفرنسية (246 نقطة) من أداء تلامذة الوسط القروي (236 نقطة). بالنسبة لتلامذة الوسط القروي، فإن الانتماء لمدرسة جماعاتية قد يرفع نسبة التلامذة الذين يتحكمون في مجموع برنامج اللغة الفرنسية الرسمي إلى ما بين %6 و%9.

لعلّ ما يرعبُ أنّ 49% من تلامذة الإعدادي العمومي، صرّحوا أن مدرسيهم يلجؤون إلى الدارجة لشرح درس اللغة الفرنسية. وهكذا، يجدُ المجلس الأعلى أنه، أمام الضعف البارز للتلامذة في اللغة الفرنسية بعد أن أمضوا تسع سنوات في التعليم الأساسي، يضطر الأساتذة إلى اللجوء إلى الدارجة لشرح درس اللغة الفرنسية.

هذا يؤكد معطى آخر، وهو أن الولوج إلى السلك الثانوي الإعدادي ليس مشروطا بالتحكم في الكفايات الأساسية المذكورة في البرنامج الرّسمي للغة الفرنسية في التعليم الابتدائي.

و… بهذا تكونُ كفايات التلاميذ في اللغات جد ضعيفة.

هدر الزّمن الدّراسي…

في شقّ آخر من التقرير، نجدُ أنّ نتائج البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات 2019 تؤكّد أن فقط %12 من تلامذة السنة السادسة ابتدائي يجدون أن زمن التدريس هو جيد ولهم حكم إيجابي عليه.

بعبارة أخرى، فإن أغلبية التلامذة يعتبرون أن زمن التدريس غير مستغل بشكل جيد بسبب ضياع الوقت خصوصا قبل بداية الدرس وأثناءه.

بحسب التقرير، فإن هذه الوضعية لا تختلف عن وضعية التعليم الثانوي الإعدادي، ذلك أن حوالي %68 من تلامذة الإعدادي يحكمون سلبيا على زمن التدريس في اللغتين العربية والفرنسية، مقابل %61 فيما يخص زمن التدريس بالنسبة للرياضيات والعلوم أي علوم الحياة والأرض والفيزياء والكيمياء.

إضافة إلى ذلك، “فإن %52 و %54 في المتوسط من تلامذة الإعدادي يصرحون بأن التلامذة يشوشون على مدرسي اللغتين العربية والفرنسية في بداية الدرس. هذه النسب تتراجع قليلا إلى %49 و %47 بالنسبة للرياضيات والعلوم (علوم الحياة والأرض والفيزياء والكيمياء)”.

أيّ دور للمدرّس؟

تبرزُ معطيات البرنامج الوطني لتقييم المكتسبات بعض المعلومات الصادمة التي يمكن التسطير عليها؛ منها مثلاً أنّ مدرسي النشاط العلمي لحوالي نصف تلامذة السنة السادسة ابتدائي (%48) ومدرسي الرياضيات لحوالي الثلث من التلامذة (%31) هم حاصلون على… بكالوريا أدبية!

نفس المفارقة تنسحبُ لتشمل المواد الأخرى؛ “فمدرسو اللغة الفرنسية لنصف تلامذة السنة السادسة ابتدائي لديهم بكالوريا علمية. نفس الملاحظة بالنسبة المدرسي اللغة العربية لثلث التلامذة تقريبا. هكذا، فإن إسناد تدريس هذه المواد للمدرسين لا یکون دائما مطابقا لتكوينهم”.

يرى مجلس عزيمان أن مثل هذا المعطى لا يمكن إلا أن تكون له آثار سلبية على جودة التعلمات العلمية واللغوية للتعليم الابتدائي.

كما يعدّ ابتعاد آباء وأولياء التلامذة عن الشؤون المدرسية لأبنائهم ملاحظة عامة؛ إذ اتّضح أن المدرسة لا تتصل بالآباء إلا في حالة مواجهة التلامذة الصعوبات في التّعلم أو في التّكيف!

معطيات أخرى كثيرة يقدمها التقرير، تجعلنا نصل لخلاصة مقتضبة ومخيفة: أنّ الإصلاحات تتالت دون أن يكون لها مفعول ملحوظ ينعكس إيجابيًّا على المكتسبات!

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *