×
×

فريد الزاهي: التحرش في الجامعة والمجال المهني: الشطط في السلطة و”حاميها حراميها”

ليس عدد قضايا التحرش الجنسي، كما قضايا الاغتصاب ونسبتهما، هُما ما يصل لأسماعنا أو يبلغ المحاكم والجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي، فبعض هذه القضايا تتم مواجهتها بشكل مباشر (بين طالب وطالبة، وبين إداري وإدارية من المستوى نفسه).
بيد أن الكثير منها تكبتها صاحباتها في أعماق النفس والذاكرة، ويعشن تبعاتها النفسية إلى آخر حياتهن، خوفا من العار ومن الحرج. التحرش عنف يترك ندوبا في النفس والذاكرة، ويخلق ردود فعل تؤثر على العلاقة بالرجل، خاصة حين لا يتم العمل الحثيث على مواجهتها أو مجاوزتها. كما أن التستُّر عن حالات التحرش، وممارسة التحرش المعنوي على الضحية يفرز آثارا أعمق، تؤدي أحيانا إلى الانطواء بل حتى إلى الانتحار…

فريد الزاهي Farid Zahi
فريد الزاهي

لشدَّ ما أثارني الخبر الذي قرأته هذه الأيام من أن الشخص الذي انتدبته وزارة التربية الوطنية للتحقيق في فضيحة “النقط مقابل الجنس” (كما سمّيت) قد وجد نفسه، حين بلغ الجامعة المعنية، يواجه شكايات مباشرة أخرى تخص لا فقط الحادثة المعنية، وإنما أيضا حوادث أخرى مماثلة في مراكز دكتوراه أخرى بالجامعة نفسها.

إن السؤال الذي يطرح علينا نفسه، وقبل أن نحلل هذه الظاهرة، هنا مزدوج:

–       لماذا تحول الحرم الجامعي لدينا من مجال تربوي تكويني يعتمد على بناء الكفاءات إلى مكان يتحول فيه حاميه إلى حراميه كما يقول المثل؟

–       لماذا تنتظر الوزارة المعنية استفحال هذه الظاهرة كي تتصدى لها؟ لماذا تتركها في أيدي العدالة وهي تعلم علم اليقين أن لها كافة السلطات التأديبية والاحتراسية سواء على مستوى التكوين أو في مستوى الجامعات؟

من الغزل والغواية إلى التحرش

حين صدر قانون محاربة التحرش من سنوات قليلة، اتصل بي صحفي يسألني عن رأيي في الأمر، فكان جوابي عموما كما يلي: علينا أن نفرق بين الغزل والغواية والتحرش، فالغزل لنا فيه تاريخ في الثقافة العربية والشعبية، ومنه العفيف ومنه الفاحش، ومنه الذكوري ومنه الأنوثي، وإن كان هذا الأخير أقل تداولا وسرية. فإذا كان الغزل فعلا لغويا، فإن الغواية قول وفعل، يتزاوج فيها الغزل اللفظي بأفعال من قبيل الهدايا والدعوة لعشاء أو سفر أو تقديم خدمات معينة للمرأة أو الرجل. أما التحرش، فهو نوع من العنف اللفظي أو الفعلي العدواني الذي قد يتكرر ويتسلسل، بحيث تتسبب حدته في الإضعاف أو الإنهاك النفسي للضحية. وهو يهدف إلى الترهيب أو السيطرة أو، في حال التحرش الجنسي، إلى الحصول على معاشرة جنسية بغير قَبول من صاحبها. لكن، كيف نميز بين الغزل والغواية والتحرش؟ ما هي الحدود بينها؟

حين يستغل شخص متزوج وأب لأبناء موقعه في التراتبية (المهنية أو التكوينية) كي يتحرش بامرأة أو فتاة في عمر أبنائه، محاولا إكراهها على إتيان فعل مقابل النقطة أو النجاح أو القبول في الدراسة، فذلك لا يمكن أن يكون سوى تعبير عن شخصية مرضية في مجتمع مرضي

طبعا، ليست هناك حدود عازلة مطلقة بين الغزل والغواية والتحرش الجنسي، فالمغالاة في الغزل قد يبدو لامرأة ما تحرشا، والمغالاة في الغواية قد تتحول إلى ضرب من التحرش. حين يُصِر المتغزل أو الغاوي على الاستمرار في صنيعه من غير أن يولي اهتماما لضجر المرأة ولحنقها ولتضررها النفسي وربما الاجتماعي من ذلك، يدخل هذا في باب التحرش، خاصة إذا ردعت المرأة ما تتلقاه من غزل أو غواية لسبب شخصي أو اجتماعي.

بالرغم من وجود ظاهرة امتهان الجنس (التي لها أسبابها الاجتماعية المعروفة)، فإن العلائق بين الرجل والمرأة، خاصة في المضمار الجنسي، تتحدد بتقنين مؤسسي مبني على الرضا، أي القبول؛ بحيث يمكننا القول إن العلاقة الجنسية تمتح قداستها من هذا الرضا، فكما لا إكراه في الدين كذلك لا إكراه في المباضعة. وكما أن التدين في شكله الإيماني كما العبادي ينبني على كومة من العواطف والأحاسيس، فكذلك العلاقة الجنسية تنبني على الرغبة. والرغبة التي نعني هنا ليست الرغبة الجنسية وإنما الرغبة بصفة عامة، التي يتداخل فيها الليبيدو بالأخلاق بالنوازع بالعلاقات مع الآخر. لهذا بالضبط، كان الجسد موضوعا أساسا للقدسية الإسلامية.

من ثمَّ، فإن التحرش الجنسي هو ضرب من العنف ضد النساء، وهو في فضاء البيت أو العمل أو المدرسة والحرم الجامعي (وأنا أستخدم عنوة هذه العبارة لما لها من نبرة مقدسة) أعمق تأثيرا، وآثاره أكثر تحطيما للذات البشرية، لأنه يتم في المكان الذي يقضي فيه الإنسان سحابة يومه، ويمسه في شخصه أمام أقرانه كما يمس حاضره ومستقبله التكويني والمهني. بيد أن التحرش الجنسي، كما يقول علماء الاجتماع، ليس خالصا، ولا يوجد لوحده، إذ يصاحبه أو يليه تحرش معنوي تكون الضحية فيه موضوعا للتحقير والتهديد وممارسة التسلط. لا يمس التحرش هنا الكلية الجسدية للمتحرش بها وكينونتها الجنسية وإنما أيضا كينونتها الاجتماعية؛ فحين يصاحب التحرش المعنوي التحرش الجنسي، يكون الدمار الذي تتعرض له المرأة شاملا.

المجتمع المغربي لا زال يختزن رسوبات تحول المرأة إلى مسبِّب مطلق للتحرش نظرا لطريقة لباسها أو نظرا لعدم ستر تداوير جسدها أو بسبب تجمُّلها… والحال أن المرأة مالكة وحيدة لجسدها ولمظهرها، وهو أمر لا حق لأحد التدخل فيه. وما لا يفهمه الكثير من الذكوريين هو أن علاقة المرأة بجسدها علاقة حميمة، وتختلف كثيرا عن علاقة الرجل بجسده.

من السلطة إلى السلطة المضادة

لنقل منذ البداية بأن كل تحرش في المجال التكويني أو المهني، إذا ما هو حصل في إطار تراتبية (أستاذ/طالب-تلميذ؛ رئيس/مرؤوس؛ مسؤول إداري/مواطن) يكون شططا في استعمال السلطة، واستغلالا للنفوذ. وهو جرم لا غبار عليه. وهو حين يتم بين رجل وامرأة (وفي الغالب يكون الأمر كذلك) فهو يكون ضربا من التحرش النوعي الذي يكون الهدف منه إثبات سلطة النوع الذكوري، وتثبيتا للتفاوتات النوعية الاجتماعية.

صحيح أن مجال العمل المشترك يتجاوز أحيانا هذه التراتبيات، ويفرز علاقات احترام مبنية على الندية والاحترام المتبادل. هذا النوع من العلاقات هو الذي يمكن أن يفرز علاقات إنسانية وعاطفية خالية من الشطط ومبنية على التفاعل والحرية. لكن، حين يستغل شخص متزوج وأب لأبناء موقعه في التراتبية (المهنية أو التكوينية) كي يتحرش بامرأة أو فتاة في عمر أبنائه، محاولا إكراهها على إتيان فعل مقابل النقطة أو النجاح أو القبول في الدراسة، فذلك لا يمكن أن يكون سوى تعبير عن شخصية مرضية في مجتمع مرضي. طبعا هذا المثال ليس عاما، فالسن والوضعية الاجتماعية ليسا محددين للتحرش. إن أغلب المتحرشين ليسوا دوما أشخاصا أسوياء في قدراتهم الجنسية، فقد يكون التحرش تعبيرا عن الضعف العاطفي والجنسي، وقد يكون بحثا عن تحقيق استيهامات لا تسمح بها العلاقات الزوجية، وقد يكون تفريغا لنرجسية مرضية…

لنقل منذ البداية بأن كل تحرش في المجال التكويني أو المهني، إذا ما هو حصل في إطار تراتبية (أستاذ/طالب-تلميذ؛ رئيس/مرؤوس؛ مسؤول إداري/مواطن) يكون شططا في استعمال السلطة، واستغلالا للنفوذ. وهو جرم لا غبار عليه. وهو حين يتم بين رجل وامرأة (وفي الغالب يكون الأمر كذلك) فهو يكون ضربا من التحرش النوعي الذي يكون الهدف منه إثبات سلطة النوع الذكوري، وتثبيتا للتفاوتات النوعية الاجتماعية.

ليس عدد قضايا التحرش الجنسي، كما قضايا الاغتصاب ونسبتهما، هُما ما يصل لأسماعنا أو يبلغ المحاكم والجرائد ومواقع التواصل الاجتماعي، فبعض هذه القضايا تتم مواجهتها بشكل مباشر (بين طالب وطالبة، وبين إداري وإدارية من المستوى نفسه). بيد أن الكثير منها تكبتها صاحباتها في أعماق النفس والذاكرة، ويعشن تبعاتها النفسية إلى آخر حياتهن، خوفا من العار ومن الحرج. التحرش عنف يترك ندوبا في النفس والذاكرة، ويخلق ردود فعل تؤثر على العلاقة بالرجل، خاصة حين لا يتم العمل الحثيث على مواجهتها أو مجاوزتها. كما أن التستُّر عن حالات التحرش، وممارسة التحرش المعنوي على الضحية يفرز آثارا أعمق، تؤدي أحيانا إلى الانطواء بل حتى إلى الانتحار…

أحيانا، تلجأ بعض النساء إلى استعمال ذكائهن والتشهير بالمتحرش من خلال استعمال التسجيل السمعي والبصري ونشره. إن عملية الفضح هذه هي، بشكل ما، عملية دفاعية تتحول إلى سلطة فاعلة خارجة عن إطار المؤسسات (محاكم، شهادات…). لكن الشروط التي تتم فيها عملية التحرش لا توفر دوما هذه الإمكانية الدفاعية الذاتية، بل إنها لا توفر أدنى إمكان للانفلات من وضعية التحرش الجنسي والمعنوي إلا بالمداورة والتماطل، أوبالإذعان، وهو ما يحدث أحيانا، أو بالتخلي عن المشوار التكويني أو المهني تماما…

عملية الإعلان عن التحرش بطريقة إدارية أو قانونية تشكل حقا مبدئيا يتحول هو أيضا، بشكل ما، إلى سلطة مضادة، بالرغم مما يحيط بذلك من إحراج لمن تعرض للتحرش، ومن تشكيك أحيانا ومن امتدادات عائلية تكون عواقبها أحيانا وخيمة. المجتمع المغربي لا زال يختزن رسوبات تحول المرأة إلى مسبِّب مطلق للتحرش نظرا لطريقة لباسها أو نظرا لعدم ستر تداوير جسدها أو بسبب تجمُّلها… والحال أن المرأة مالكة وحيدة لجسدها ولمظهرها، وهو أمر لا حق لأحد التدخل فيه. وما لا يفهمه الكثير من الذكوريين هو أن علاقة المرأة بجسدها علاقة حميمة، وتختلف كثيرا عن علاقة الرجل بجسده.

حين نتحدث عن الحياة الجامعية وعن ضرورة الاهتمام بها، فإن ذلك يعني أن نضمن لها أن تسلم من كافة الأمراض التي تخترق المجتمع والتي ينتمي بعضها إلى مخلفات المجتمع الأبوي ومخلفات التسلطية. وليس أضمن لذلك من أن تؤدي كل هيئة مهامها التي هي منذورة لها (التكوين والمعرفة) ويترك أعضاؤها نزواتهم وأمراضهم خارج أسوار الحرم الجامعي.

عود على بدء

حين بدأنا بالحديث عن التحرش في الجامعة المغربية، كان هدفنا التنبيه إلى أنه من الضروري، حتى لا نبلغ استفحال هذه الظاهرة، الانتباه إليها من منظور جديد يأخذ بعين الاعتبار التحولات الجديدة التي يعرفها المجتمع المغربي. قبل أن تتولى الوزارة الوصية القيام الظرفي بالتحقيق في هذه الواقعة أو تلك، عليها إرساء آليات احتراسية وتأديبية للحدّ من هذه الظاهرة في قلب المؤسسات الجامعية. وهي ظاهرة قد تستفحل أكثر نظرا لتزايد أعداد الطلبة والطالبات الراغبين في استكمال الدراسات العليا، في مجال الماستر والدكتوراه. ففي غياب مناصب الشغل، ولأن الجامعة المغربية لا تكون من أجل الشغل، ولأن سوق الشغل من الوَهن والضعف بحيث يستوعب خريجي التعليم الخصوصي أكثر بكثير من العمومي، يجد العديد من الطلبة أنفسهم محرومين من ولوج الماستر ثم الدكتوراه نظرا “للقدرة الاستيعابية” لتلك المسالك.

إن التفكير في هذه الآليات ليس بَدَلا للعدالة أو للجوء إليها، وإنما هو خلق لشفافية تواصلية بين المسؤولين عن تلك المؤسسات وبين الأساتذة والطلبة. هذه الشفافية ينبغي تعضيدها بتمكين الطلبة والإداريين من تفادي التحرش واستفحاله من خلال منحهم الإمكانية المؤسسية للتفكير فيه ولكشفه وللإفصاح عنه ولدرئه من غير التعرض لأي تدابير ردعية (إدارية أو أجتماعية). ولن يتم ذلك إلا باستراتيجية يقظة وبإرادة تربوية لتقويضه، وتحويله إلى موضوع للنقاش العلني.

حين نتحدث عن الحياة الجامعية وعن ضرورة الاهتمام بها، فإن ذلك يعني أن نضمن لها أن تسلم من كافة الأمراض التي تخترق المجتمع والتي ينتمي بعضها إلى مخلفات المجتمع الأبوي ومخلفات التسلطية. وليس أضمن لذلك من أن تؤدي كل هيئة مهامها التي هي منذورة لها (التكوين والمعرفة) ويترك أعضاؤها نزواتهم وأمراضهم خارج أسوار الحرم الجامعي.

مقالات قد تهمك:

تعليقات

  1. رجاء نتحموت

    شكرا لمشاركتك المقال حقا رائع يستحق القراءة فبين أسطره ما يستحق التأمل وتفكير فهو يرصد الواقع المعيش، دام لك التألق أستاذي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *