×
×

التربية الجنسية في المغرب… هل تشفي المجتمع من ازدواجيته؟ 1\2

كلما أثير موضوع التربية الجنسية، فهو يضعنا أمام خيارين اثنين، إما أن تتحمل الجِهات المعنية مسؤوليتها لتدرّس النّشأ مادة التربية الجنسية لحمايته وتوعيته، أو تبقى الحياة الجنسية بمثابة الطابو الأكبر، إلى جانب استِمرارية “الخطاب الازدواجي المنافق” داخل المُجتمع المغربي، بحيث أفكاره في واد وسلوكاته في واد آخر…

بات موضوع التربية الجنسية أقرب إلى النّمطية والاستهلاك… إلاّ أنه نقاش قديم/ جديد، يخفتُ ثم يطفو، ويطفو ثم يخفت.

الحقيقة أنه مستمرّ ببقاء آفات التحرش والعنف الجِنسيَين والاغتِصاب والبيدوفيليا وتزويج القاصرات

نالت التربية الجنسية نصيبها من الشّيطنة والتشويه، على غرار العَلمانية والحريات الفردية، إذ يكفي أن تقول لفرد إنك مع تدريس التربية الجنسية، ليصفعك بجواب يعتبرك داعيا للتّفسخ والإباحية والخلاعة و … “كل ما من شأنه” أن يهلكَ الحَرث والنّسل.

أغلبية المجتمع المغربي غارقة في المحافظة، مع أن البعض يتحفّظ على هذه الصفة.

الواقع أنّ ثمّة عائلات تعيشُ من الأموَال التي تحصلها بناتها من امتهان الجنس؛ ومع ذلك، إن سألتهم، فالتوقعات تشير أنهم سيرفضون إدراج التربية الجنسية في المناهج التربوية… أو شباب يمارسون الجنس مع صديقاتهم \ يمارسن الجنس مع أصدقائهم، ثم يعارضون حملة “خارجة عن القانون” باعتبارها “تتعارض وقيم المجتمع”… وغيرها كثير!

هذا جزء حقيقيّ من المجتمع المغربي، وهذه هي حكاية الازدواجية مع الطابو…

التّربية الجِنسية: “الشّفاء” من النّفاق!

الباحثة في الجنسانية، سمية نعمان جسوس، تجيبُ عن سؤال مرايانا بخصوص مادة التربية الجنسية وكيف يمكنها أن تساعد المجتمع المغربي على التخلص من “النفاق” و”الازدواجية”، حيث تعتبر أن هناك خلطا، لغاية في نفس يعقوب، بين التربية الجِنسية والحُرية الجِنسية أو الفَوضى الجِنسية.

لذلك، فإن الرّهان الأول المطروح على هذه المادة، هو أن يعرف الناس ما هي التربية الجنسية، في تجرد تام من أية أحكام مُسبقة ومجحفة.

الأفلام الإباحية، في معظمها، تصور نساء يستمتعن بالعنف الذي يمارَس عليهن خلال العلاقة الجنسية، مما يرسخ انطباعا مغلوطاً لعدد من الشباب بأن العنف خلال الجنس يمتع النساء.

أيضا، في بعض الأفلام الإباحية، يتم تصوير العلاقة الجنسية لرجل مع أكثر من امرأة كـ “علاقة طبيعية”، بل وعلاقة تستمتع بها النساء؛ وهذا يخلق خللا في تصور العلاقات الجنسية والعلاقات الإنسانية بشكل عام.

دخولاً في صلب السؤال، ترى جسوس أنّ المجتمع المغربي، في غالبيته، غارق في خطابات الطّهرانية، بينما الواقع يكشف الكَثير من الحقائق، التي تتعارض مع ذاتِ الخطاب.

ومنه، تعتقد جسوس أنه لا يمكن تربية أطفال متوازنين جنسياً في مجتمع مماثل، ونحن لم نقم بتأطير غرائزهم بضوابط معرفية وعلمية مناسبة لمختلف مراحل عمرهم، يعرفون عبرها كيف تتطوّر الذّات الإنسانية من منظُور جنسي، وعلامات البلوغ، سواء بالنّسبة للذّكور أو للإناث على حد سواء.

على سبيل المثال، فعدد كبير من الفتَيات في بلدنا يشعرن بصدمة نفسية وخوف شديد حين يعشن تجربة الحيض لأول مرة، لأنهن لم يحظين بمواكبة تربوية علمية استباقية، ومنهن من لا تعرف مصدر تلك الدّماء، ولا تستطيع الاستفسار لأنها ستصطدم بمفاهيم “الحشومة” و“الحياء”، رغم أن الأمر راجِع إلى الطّبيعة البشرية، تشرحُ الباحثة في علم النّفس الاجتماعي.

تضيف الباحثة في الجنسانية أن المجتمع سيحسم مع مبدأ النفاق عبر تلقين الأطفال، منذ نعومة أظافرهم، ضرورة احترام الآخر لكرامته الإنسانية وآدميته، وأن جسده ملك له، لا دخل للأغيار فيه؛ وبالتالي، سيحترم هو كرامة الآخرين واختياراتهم وذاتيتهم وحريتهم الفردية، وسيكون متصالحا مع ذاته.

المثير أن مناهضي التّربية الجِنسية لا يقدّمون لنا معطيات عمَلية للحدّ من بعض الظواهر التي تنخر مجتمعنا، بسبب غياب التأطير، منها ظاهرة الأمّهات العازبات مثلاً.

كل ما يدفع به الأصوليون، هو أن الجنس رذيلة وفساد وفاحشة، في وقت يشهدُ الواقع أن الجِنس موجود بقوة في المجتمع.

أجل. ظاهرة الأمهات العَازبات في ارتفاع مهول؛ والأطفال المتَخلى عَنهم حدّث ولا حَرج، مع أننا نعرف أن القانون لا يعتَرف بأُولئك الأطْفال ولا بأمّهاتهم.

في ذات السياق، وضمن أكثر من مناسبة، أعربت عائشة الشنا، الناشطة في حماية الأمهات العازبات بالمغرب، أن الأمر يأخذ منحى موغلاً في الخُطورة، على اعتبار أنه يتم التخلي سنويا عن 5000 طفل، وأنه يوجد في المتوسط 24 طفلا يلقى بهم يومياً في المزابل.

أيضاً، كانت مريم العثماني، رئيسة جمعية “إنصاف” المدافعة عن حقوق الأطفال والنساء، أفادت بأن زهاء الـ300 طفل يعثر عليهم في حاويات القمامة بشكل سنويّ في جهة الدار البيضاء وحدها.

أمّا بخصوص إحصائيات المركز المغربي لحقوق الإنسان، فقد أوضحت أنه يولد ما يربو عن الـ100 طفل مجهول الأب بشكل يوميّ.

بالتالي، في التقدير السّليم، فإن هؤلاء الأطفال سيطرحون العديد من الإشكالات على المجتمع مستقبلاً، وما هم سوى نتائج حتمية للهفوات التي تحدث، والتي هي راجعة، بكيفية من الكَيفيات، لغياب التّأهيل المعرفي للفعل الجنسي. نستطيع أن نعوّل على التربية الجنسية في تطْويق هذه التحولات والممارسات، التي سيتنكر لها المجتمع عندَ حدوثها، تقول جسوس.

المشكل أن “المخاطر والأخطاء التي تحدث خلال النّشاط الجنسي، لا تصيب فقط الأميين والذين لم يدرسوا، بل أيضاً المتعلمين من دعاة الأخلاق أو الحداثة والعصرنة والتحرر، ذلك أن المشكل ليس في الأسرة فحسب، وإنما في المدرسة والإعلام كذلك”، تضيف جسوس.

قلة هم من يفكّرون في الأمرَاض المنْقولة جِنسياً مثلا، وإمكانية حدوث حمل غير مرغوب فيه والعواقب المترتبة عن كل ذلك؛ بينما من بين أدوار المدرسة  حِماية الأجيال وتحصينهم، من خلال تلقينهم أدبيات الممارسة الجنسية وشُروطها.

الوجه الآخر للديمقراطية الرّقمية، أنها ساهمت في خلقت استيهامات جنسية “وحشية” و”حيوانية”، نجدُها في المَواقع البورنوغرافية مثلاً. يحاول الشباب أن يطبّقوا ما يرونه في الواقع؛ لأنهم، في غياب تربية جنسية سليمة، يعتبرون أن ما يرونه في الأفلام الإباحية هو الطريقة المثلى لممارسة الجنس.

بالنّسبة لجسوس، التّربية الجِنسية مهمة، لأنها ستعلم جزءً مهمّا من الشّباب أنّ الزواج ليس الغرض منه هو التّوالد والتّناسل فقط، بل هناك أحاسيس ومودة ودفء يجمع الجنسين في جو من التّوافق والمُساواة، حيثُ تذوب تلك الرؤية التّفوقية للذّكر.

الخلاصة أنه، حين يسقط النّفاق، سيسقط عمليا مفهوم الطابو، وسَيغدو الحديث عن الجِنس مألوفاً وعادياً كالحديث عن الصحة والتّغذية… ولن نحتَاج وقتئذٍ إلى بتر قُبلة من مشهد سِينمائي أو تلفزيوني… إلخ!

… بالتالي، كلما أثير موضوع التربية الجنسية، فهو يضعنا أمام خيارين اثنين، إما أن تتحمل الجِهات المعنية مسؤوليتها لتدرّس النّشأ مادة التربية الجنسية لحمايته وتوعيته، أو تبقى الحياة الجنسية بمثابة الطابو الأكبر، إلى جانب استِمرارية “الخطاب الازدواجي المنافق” داخل المُجتمع المغربي، بحيث أفكاره في واد وسلوكاته في واد آخر.

الاختيار للمجتمع

الإنسان عدوّ ما يجهل. والأنترنيت اليَوم يلعب دوراً محورياً في نفاذ الشباب إلى المَفاهيم الجِنسانية، ولو أن هذا المعطى يظلّ محفوفاً بخطر الانزلاق، نظراً لانعدام مناعة تجاه ذلك الكم الهائل من المعلومات… وتلك المناعة لا تتشكل إلا بتربية جنسية منيعة بدورها.

الوجه الآخر للديمقراطية الرّقمية، أنها ساهمت في خلقت استيهامات جنسية “وحشية” و”حيوانية”، نجدُها في المَواقع البورنوغرافية مثلاً. يحاول الشباب أن يطبّقوا ما يرونه في الواقع؛ لأنهم، في غياب تربية جنسية سليمة، يعتبرون أن ما يرونه في الأفلام الإباحية هو الطريقة المثلى لممارسة الجنس.

عديد من الدراسات النفسية بينت أن المواقع الإباحية خطر على التوازن الجنسي للأطفال، لأنها تهيّج الرغبات أكثر من الحد المعقول ولأنها تعطي تصورات غير صحيحة عن الجسد، الأعضاء التناسلية، الممارسة الجنسية، إلخ.

بينما التربية الجنسية تعلّمه كيف يتحكم في تلك الرّغبات، ومنه، تأجيل الممارسة الجنسية إلى سنّ مقبول ومع شريك يقبل تلك الممارسة.

التّربية الجِنسية مهمة، لأنها ستعلم جزءً مهمّا من الشّباب أنّ الزواج ليس الغرض منه هو التّوالد والتّناسل فقط، بل هناك أحاسيس ومودة ودفء يجمع الجنسين في جو من التّوافق والمُساواة، حيثُ تذوب تلك الرؤية التّفوقية للذّكر.

أغلب الآراء تذهب في اتجاه أنه، إذا تركنا الفرصة للمواقع البورنوغرافية للقيام بدور “التربية الجنسية” أولاً وأخيراً، فإننا نفتح الطّريق أمام شباب هائج جنسياً، وهو ما يلقي بالمجتمع في مآزق التّحرش الجنسي والاغتصاب والعنف خلال الممارسة، ذلك أن الشابّ يُحاول تقلِيد الأفلام الإبَاحِية، ويعتبرها مؤشراً للفحولة والقوة الجنسية.

كما أن الأفلام الإباحية، في معظمها، تصور نساء يستمتعن بالعنف الذي يمارَس عليهن خلال العلاقة الجنسية، مما يرسخ انطباعا مغلوطاً لعدد من الشباب بأن العنف خلال الجنس يمتع النساء. أيضا، في بعض الأفلام الإباحية، يتم تصوير العلاقة الجنسية لرجل مع أكثر من امرأة كـ “علاقة طبيعية”، بل وعلاقة تستمتع بها النساء؛ وهذا يخلق خللا في تصور العلاقات الجنسية والعلاقات الإنسانية بشكل عام.

في الأفلام الإباحية، يتم اختيار ممثلين بأعضاء تناسلية حجمها كبير، مما قد يخلق عقدا لدى شباب أعضاؤهم التناسلية ليست بذات الحجم، أو غير قادرين على الاحتفاظ بالانتصاب لنفس المدة… كل هذا يتسبب في نشوء العديد من العقد النفسية وبالتالي، التأثير على العلاقة الجنسية ليس فقط لدى الشباب بل حتى لدى الراشدين وحتى داخل العلاقة الزوجية نفسها (سناء العاجي، مديرة نشر مرايانا والباحثة في علم الاجتماع، كانت قد أشارت لتفاصيل أكثر عن تأثير الأفلام الإباحية على الجنسانية في كتابها الجنسانية والعزوبة في المغرب).

كل هذه التفاصيل تجعل من التّربية الجنسية ضرورة حتمية، خصوصا أمام دمقرطة الوصول للفيلم البورنوغرافي…

في زمن ما، كان الحلم والخيال والاستمناء بديلاً. لكن، في زمننا، وبسبب هذه المواقع، بات الجنس مع شريك فعلي ضروريا بالنسبة للشباب… شباب لو سألته مثلاً “هل أنت بتول؟”، لاستشاط غضباً وعبّر عن شتى عبارات التذمر، بأنّك أهنت رجولته وكرامته، أي أنّه يربط رُجولته بعدَد مُمارَساته الجِنس.

لكل هذه الأسباب التي جئنا على ذكرها، أضحى من الصعب القيام بدراسة ميدانية رصينة لمعرفة السن التقريبي لأول ممارسة جنسية عندنا. أولاً لأن الذكور يبالغون في المسألة، وتجد شابا حديث البلوغ، يصرّح بأنه ضاجع أربع إناث أو خمسة أو ستة. وذلك لكون الأمر ارتبط في المخيال الجمعي بالفحولة. بالمقابل، بالنسب للفتيات، فمن الصعب أن تُصرحن بممارساتهن الجنسية، لأن نفس الممارسات التي ترفع من قيمة الفحولة، تضعف من قيمتهن كنساء في مجتمع يربط شرفهن بانعدام أي ممارسة جنسية خارج الزّواج.

هنا، نجد أن العالم، اليوم، بات مفتوحاً، والإبحار فيه ممكن بفعل العوالم الافتراضيّة. لذلك، على المجتمع أن يختار بين أخذ زمام المبادرة المسؤولة والجادّة، لتلقين الطفل أسس التربية الحياتية والجنسية وسبل النظافة والوقاية، أو أن نسمح له بتحصِيلها من فضَاءات وحشية، قد تعُود علينَا بالعزاء الجنسي.

بالأحرى، الاختيار بين “حيوان جنسي”، وبين إنسان تربّى جنسياً.

فماذا يمكن أن ندرس كمضمون في هذه المادة؟ وكيف يمكن تدريسها؟

أسئلة سنحاول الإجابة عنها في الجزء الثاني من هذا الملف.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *