×
×

بين ”المنصة” و “الجنسانية والعزوبة بالمغرب”… كتب عرّت المأساة الجنسية للإنسان المعاصر.

كثير من الباحثين، كشفوا، بمنهج علمي، عن النفاق الذي يطبع تصور المغاربة للجنسانية وقاربوا موضوعا… لم يتصالح معه المغاربة بعد!
إلى غاية اليوم، مازال العديد من المغاربة يناقشون الفصول القانونية التي تهدد المغاربة بالسجن بسبب علاقاتهم الجنسية خارج الزواج، ومازال البعض يعتقد أن لهذه القوانين مكانا في ترسانتنا القانونية… لحماية الأخلاق والهوية!

ما أكثر تجليات المأساة الجنسية للإنسان المعاصر…

بعضهم اختار التمرغ في أجساد صارت كالسلع في شارع الأضواء الحمراء في أمستردام، وفئة أخرى قطعت نصف الكرة الأرضية من أجل عيون السياحة الجنسية في تايلاند وجامايكا، وآخرون من بائسي العالم الثالث لم يجدوا حتى بيتا لممارسة حاجة بيولوجية تمارسها القطط في أي شارع وزقاق.

من سخرية القدر، حقق الإنسان الكثير في العلوم والتكنولوجيا. لكنه ظل عاجزا عن صون جنسانية سليمة تنأى عن الإحباط، وعدم استحداث ممارسات تعود للعصر الوسيط، وتكرس ارتباط الجنس بالاستغلال والإباحية.

يقول الكاتب المصري أحمد خالد توفيق: ”تطور العلم لا يمد يد العون للأخلاق… قارن العهر فى أثينا القديمة بأعياد “ماردى جرا” المعاصرة ونوادي التعري وتجارة البورنو. لقد انحدرت البشرية إلى القاع”.

إذا كان مفهوم البورنوغرافية نفسه قد تطور مع الفنون، خصوصا الرسم والأدب، وكان حريصا على البعد الجمالي[1]، فإنه صار مع التكنولوجيا الحديثة مرتعا للممارسات السادية (حتى احترام الحرية الجنسية واستيهامات الأشخاص يتعارض عمليا مع تعنيف المرأة)، حيث تصور أغلب الأفلام الإباحية عبر العالم الممثلات كنساء يتعرضن للعنف، بل ويستمتعن به.

”المنصة”… بشاعة السياحة الجنسية

لأن الجدل يرافقه كظل وقدر محتوم، اختار الروائي الفرنسي ميشيل ويلبك في روايته ”المنصة” تيمات ”السياحة الجنسية” و”الحياة الجنسية للمواطن الأوربي”.

وكأنها محاكاة لبداية رواية ”الغريب” لكامو، يبدأ النص بموت والد ميشيل، بطل الرواية. لكن ميشيل سيستقبل خبر الفجيعة ببرودة، وسيجد في تراجيدية الظرفية فرصة لإشباع نزواته في أصقاع بعيدة. حتما… لم يجد بديلا عن دولة تايلاند.

”كلما منحتهم بعض الأيام من الحرية، يذرع سكان أوربا الغربية نصف العالم عبر الطائرة … يتصرفون تماما كهاربين من السجن”. بهذه السخرية المضمرة، عبر ويلبك عن هوس بعض الأوربيين بإشباع غرائزهم الجنسية، ولوكان ذلك على حساب الفقر والهشاشة، حيث أبرز الروائي مظاهر الفقر السائدة في تايلاند.

كأي مواطن أوربي يربط جنسانيته بالحرية المطلقة، لم يتورع ميشيل في مضاجعة التايلانديات في صالونات التدليك والاستمناء على صور المجلات، حتى أن شبقيته الجامحة أنسته استعمال العازل الطبي في إحدى المعاشرات الجنسية.

لم يُروَ هذا الظمأ إلا عندما التقى ميشيل بحبيبته فاليري. هنا، سيشبع الأربيعيني كل استيهاماته. وحده هذا الدفء سيدفعه لاستخلاص تصوره لجنسانية المواطن الأوربي.

”أن تمنح جسدك كشيء رائع، أن تمنح اللذة مجانا، هذا مالم يعد الغربيون قادرين عليه. لقد فقدوا تماما فضيلة العطاء وتصور الجنس كأمر طبيعي، لا يقتصر الأمر على شعورهم بالخجل من جسدهم الذي لا يشبه المعايير العالية لصناعة البورنو، بل عدم الإحساس بالافتتان تماما نحو جسد الآخر”.

”ستصبح أكبر قواد في العالم”، هكذا خاطب ميشيل، بطل الرواية، جون إيف، مسؤول في شركة فنادق وأسفار عالمية؛ وكأن الكاتب الفرنسي لم يجد سوى الكوميديا السوداء لتوصيف بشاعة ما أقدمت عليه الشركة التي أصبحت، بالإضافة للإقامات الفندقية، تقترح بشكل مضمر خدمات جنسية على السياح من خلال صالونات التدليك وآسيويات تعرضن كالبضاعة في العلب الليلية.

الغرب ليس جنة، ففي كتابه ”مرآة الغرب المنكسرة”، ذكر حسن أوريد بالممارسات الجنسية المنحرفة التي سادت في بعض دول المعسكر الشرقي سابقا (ساد الاعتقاد أن كل شيء يجب أن يصير مشاعا… حتى الأجساد)؛ مما أدى إلى تكاثر الأمراض الجنسية، كما ذكر الكاتب بتنظير الكاتب الفرنسي دوساد للممارسات الجنسية العنيفة، حيث صار اسمه ملازما لمفهوم “السادية”.

”الجنسانية والعزوبة بالمغرب”… صدام الممارسات المتحررة والموروث الثقافي

كتابٌ للباحثة في علم الاجتماع ومديرة نشر موقع مرايانا، سناء العاجي، كان ثمرة لبحث نيل شهادة الدكتوراة في علم الاجتماع.

تنطبق على الكتاب مقولة جورج أورويل: “إن أفضل الكتب هي الكتب التي تخبرنا الأشياء التي نعرفها مسبقا”، فمن جهة، قد يتوهم قارئ الكتاب (خصوصا غير مهتمين بالعلوم الانسانية) أنه يدرك سلفا كل ما ذكر في البحث عن الممارسات الجنسية للعزاب في المغرب. من جهة أخرى، يرتكز الكتاب على أطر نظرية متينة (”البريكولاج الثقافي”، التحول الجنسي، ”الهابيتوس”، إلخ…)، تمحص شقين أساسين: ممارسات الحياة الجنسية للعزاب المغاربة، والخطاب المعبر عن هذه الممارسات.

استهلت الباحثة الكتاب بالتمييز بين الجنس والجنسانية، فالمفهوم الثاني يبقى أكثر عمقا، ويرصد الأبعاد الثقافية والاجتماعية لهذه الممارسة البيولوجية، وتأكيد مقاربتها للموضوع بعيدا عن خطاب الوعظ (والذي يتبناه البعض حين يقارب موضوع الجنسانية من داخل الحقل الديني)، عن خطاب المظلومية (باعتبار أن الكثير من الأبحاث حول الموضوع تصور المغاربة، في علاقتهم بجسدهم، ضحايا لمجتمعهم بمقاربة لا تترجم تحولات المجتمع بشكل صادق)، وعن الخطاب الثوري (الذي يدعو لثورة جنسية في المغرب).

أجرت الباحثة لقاءات مع العديد من العزاب، كما اعتمدت على منهجية “الملاحظة النشيطة” (L’observation active) (وهي مقاربة منهجية تعتمد على تتبع وملاحظة السلوكيات والخطاب حول الجنسانية، سواء في الواقع أو على الأنترنيت، خارج الخطاب الرسمي للأفراد حولها. بمعنى أن الملاحظة النشيطة من طرف الباحثة اعتمدت على استقراء سلوكيات وخطاب أفراد مختلفين خارج اللقاء المباشر والرسمي الذي أجرته مع عينة محددة للحديث عن الموضوع؛ وهي منهجية تُعتَمد في الأبحاث في ميدان العلوم الإنسانية، خصوصا حين يتعلق الأمر بمواضيع قد يزيف فيها خطاب الأفراد خلال اللقاءات الرسمية (entretien) ممارساتهم وخطابهم وسلوكهم العفوي).

من خلال هذه اللقاءات وكذلك من خلال الملاحظة النشيطة، خلصت العاجي (ضمن خلاصات أخرى) إلى أن التصورات المرتبطة بالممارسات الجنسية في المغرب مرتبطة بجنس الشخص الفاعل. إنها مقاربة مبنية على النوع الاجتماعي : نفس الممارسات تقيَّم بشكل مختلف حسب الانتماء الجنسي للفاعل. في نفس الوقت، هناك تقسيم متفق عليه ضمنيا للأدوار بين الشريكين في العلاقة الجنسية، حيث يتكلف الشاب مثلا بالأمور اللوجستيكية للعلاقة الجنسية.

لأن الموروث الثقافي والقانون يكبحان نظريا العلاقات الجنسية خارج الزواج في المغرب، يبقى ”البريكولاج الثقافي” حسب الكاتبة سمة تَمثُّل العزاب المغاربة لممارساتهم الجنسية، حيث يُصر هؤلاء في العلن على الورع والحياء أمام المجتمع. لكن، في الخفاء يمارسون بكل حرية الجنس قبل الزواج.

في الشق الثاني من الكتاب، تطرقت سناء العاجي للخطاب المرتبط بالحياة الجنسية للعزاب: كيف يتحدث المغاربة عن جنسانيتهم وكيف يتطرق الإعلام للقضايا المرتبطة بالجسد؟ بالإضافة إلى عنف الألفاظ المستعملة للتعبير عن هذه العلاقة الجنسية، خصوصا في علاقتها بالنساء.

بالحديث عن مقاربة الإعلام المغربي الموضوع، عادت الباحثة أيضا لتمحيص جزء من أرشيف ركن ”من القلب إلى القلب” على جريدة الأحداث المغربية، حاولت من خلاله قراءة وتحليل مجموعات من الخطابات المرتبطة بالجسد والجنس؛ كما خلصت في الأخير إلى أن غياب أراء مختصين واكتفاء الجريدة بآراء المتفاعلين مع ركن “من القلب إلى القلب” ساهم في تمرير العديد من المغالطات.

لم تكن العاجي الوحيدة التي كشفت، بمنهج علمي، عن النفاق الذي يطبع تصور المغاربة للجنسانية، حيث تطرق العديد من الباحثين في المغرب والخارج لموضوع… لم يتصالح معه المغاربة بعد! إلى غاية اليوم، مازال العديد من المغاربة يناقشون الفصول القانونية التي تهدد المغاربة بالسجن بسبب علاقاتهم الجنسية خارج الزواج، ومازال البعض يعتقد أن لهذه القوانين مكانا في ترسانتنا القانونية… لحماية الأخلاق والهوية!

في النهاية، يمكن أن نقولها بالكثير من المرارة: المغاربة … إنه الشعب الذي يكذب حتى على جسده.

[1] – Introduction à la pornographie. Un panorama critique / Annie Baron-Carvais, Claude-Jean Bertrand.

 

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *