×
×

العنف الجنسي… الظاهرة الخفية!معظم الضحايا لا يقمن بتقديم شكايات... والقانون "تمييزي" في تصنيف جرائم العنف الجنسي...

رغم الاعتراف به كظاهرة عالمية، لا يعرفها المغرب وحده، إلا أن العنف الجنسي يواصل تسجيل نسب منخفضة في الأرقام التي تتناول العنف بشتى أنواعه ضد النساء.
قراءة أولية تجعل المرء يظن أن حالات العنف الجنسي معدودة، بيد أن الأمر ليس كذلك كما سنرى. بالمقابل، ثمة جهود لمكافحة نوع العنف هذا، إلا أن بعض التقارير تؤكد أن المشرع ما زال لا يلمس مكمن العطب مباشرة.

الحكاية الأولى

تعرفت عليه وظلت تتواصل معه لثلاثة أشهر. طلب منها لقاء في طنجة، دون إشعار والدتها، فوافقت. استقبلها بمنزل في مدينة مرتيل؛ ثم، لما رغبا في الخلود إلى النوم مساء، جرّدها من ملابسها. رفضت فقام بضربها بطريقة وحشية. صاحت، طلبت النجدة، لكن دون جدوى. فض غشاء بكارتها، ثم طمأنها بخطبتها، فظلت عنده 4 أشهر يمارس معها الجنس بشكل طبيعي.

يتذيل العنف الجنسي قائمة أنواع العنف الممارس ضد المرأة، ولوهلة، يظن المرء أن الحالات المتعلقة به في المغرب معدودة…

في مرحلة البحث التمهيدي، اعترف المتهم بأنه كان يحرضها للقائه بوعد زواج وإرسال النقود.

الحكاية الثانية

متزوجان منذ 11 عاما، ولديهما 3 أطفال. في الأعوام الأربعة الأخيرة، قبل تقديمها شكوى به، بدأ يسيء معاملتها ويعتدي عليها بدنيا مستخدما عصا وحزاما جلديا. ولتحمي وحدة أسرتها، تحملت الضرب.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي: كراهية النساء.. ذلك الاضطراب النفسي المجهول!

لكنه ذات يوم، اعتدى عليها جسديا أمام أطفالهما، وقام بإيلاج عضوه في شرجها وفمها دون موافقتها، فقامت حينذاك بمغادرة منزل الأسرة ثم مكثت مع جدتها.

الحكاية الثالثة

قالت إنه عذبها وضربها وألحق بها الأذى، وأودعت رفقة شكواها، شهادة طبية توثق عجزها لمدة تتجاوز 25 يوما.

الذي حدث، كما صرحت، أن زوجها قام، في ليلة الدخلة، بفض غشاء بكارتها بعنف. واستمر يعطيها المهلوسات حتى فقدت وعيها، ثم قام، وبقسوة، بإيلاج عضوه في شرجها.

أقل أنواع العنف ضد المرأة انتشارا؟

كانت هذه عينة من الشكاوى المقدمة لدى المحاكم المغربية، لنساء تعرضن للعنف الجنسي. عينة لمن أفصحن… أما من لم يفعلن، فيدخلن في عداد الرقم الأسود (الجرائم المقترفة، التي لا تشملها الإحصائيات الرسمية، لأن لا أحد علم بها).

اقرأ أيضا: العنف الاقتصادي… الوجه الآخر لاستبداد الرجل بالمرأة!

في بحث ميداني حول العنف ضد النساء بالمغرب، كشفت المندوبية السامية للتخطيط عن نتائجه في دجنبر 2019، توصلت المؤسسة إلى أن 57 بالمائة من المغربيات تعرضن للعنف، أيا كان شكله أو نطاقه.

حل النزاع بالتسوية أو التدخل الأسري، والخوف من انتقام الجاني، وأيضا مشاعر الخجل أو الحرج، خاصة في العنف الجنسي، كلها أسباب من بين أخرى، تحول دون تقديم الضحايا لشكايات لدى الجهات المختصة.

رقم تؤكده دراسة لجمعية عدالة، نشرتها في ماي 2019، خلصت فيها إلى أن نسبة العنف ضد المرأة بالمغرب عن ذات السنة، بلغت 54.4 بالمائة.

في نتائج الدراستين معا، يتذيل العنف الجنسي قائمة أنواع العنف الممارس ضد المرأة، ولوهلة، يظن المرء أن الحالات المتعلقة به في المغرب معدودة، لكن…

توضح المندوبية أن 10.5 بالمائة فقط من ضحايا العنف (أقل من 3 بالمائة بالنسبة للعنف الجنسي) قمن بتقديم شكاية إلى الشرطة أو سلطات مختصة أخرى. هذه النسبة ذاتها لا تتجاوز 8 بالمائة إذا تعلق الأمر بعنف زوجي.

اقرأ أيضا: “تزويج القاصرات”… دراسة حديثة: الاستثناء المخول للقاضي في مدونة الأسرة أصبح قاعدة! 2/1

ثم… في أحدث استطلاعات “الباروميتر العربي” عن العنف ضد النساء في شمال إفريقيا والشرق الأوسط (نونبر 2019)، نجد أن 9 بالمائة من المغربيات، قلن إنهن إذا تعرضن للعنف، سيلجأن إلى الشرطة، فيما 60 بالمائة قلن إنهن سيلجأن إلى الأقارب، الذكور منهم تحديدا.

ترى منظمة الصحة العالمية أن العنف الجنسي، ظاهرةٌ تشكل خطرا على صحة المرأة وتحد من فرص مشاركتها في المجتمع، كما تتسبب لها بمعاناة إنسانية كبرى.

حل النزاع بالتسوية أو التدخل الأسري، والخوف من انتقام الجاني، وأيضا مشاعر الخجل أو الحرج، خاصة في العنف الجنسي، كلها أسباب من بين أخرى، تحول وفق المندوبية السامية للتخطيط، دون تقديم الضحايا لشكايات لدى الجهات المختصة.

ذات الملاحظة يوردها تقرير أممي صدر أواخر عام 2019، بعنوان “العدالة والمساواة بين الجنسين أمام القانون”، مؤكدا أن الوصول إلى نظام المحاكم لا يزال متواضع المستوى بالنسبة للنساء الناجيات من العنف.

اقرأ أيضا: التمييز بين الجنسين… فروق شاسعة يحاول القانون حظرها بينما يكرسها المجتمع! 2/1

مع ذلك، يبدو أن هناك نجاحا طفيفا في حث النساء المعنفات على التبليغ، ذلك أن النسبة التي تصل أعلاه إلى 10.5 بالمائة، كانت سنة 2009 تبلغ 3 بالمائة فقط.

نحو التجريم

ترى منظمة الصحة العالمية أن العنف الجنسي، ظاهرةٌ تشكل خطرا على صحة المرأة وتحد من فرص مشاركتها في المجتمع، كما تتسبب لها بمعاناة إنسانية كبرى.

تقرير كانت اللجنة الدولية للحقوقيين قد أصدرته عام 2019، بعنوان “معيقات ولوج النساء والفتيات إلى العدالة في قضايا العنف المبني على النوع الاجتماعي في المغرب”، أكد أنه بالرغم من غياب وثيقة دولية تتناول قضايا العنف الجنسي، إلا أنه لاقى انتشارا كقضية آنية، بما جعل طبيعتها غير المشروعة تنشأ كمبدأ من مبادئ القانون الدولي العرفي.

تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصف تصنيف جرائم العنف الجنسي في القانون الجنائي المغربي بـ”التمييزي”.

العنف الجنسي، بحسب المادة الأولى من القانون رقم 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، والذي دخل حيز التنفيذ في شتنبر 2018، هو كل قول أو فعل أو استغلال من شأنه المساس بحرمة جسد المرأة لأغراض جنسية أو تجارية، أيا كانت الوسيلة المستعملة في ذلك.

اقرأ أيضا: عذرية المرأة… حين يصبح “العار” بالزواج شرفا! (الجزء الثاني)

هذا القانون، تقول وزيرة الأسرة والتضامن والمساواة سابقا، بسيمة الحقاوي، في تصريح لموقع “أخبار الأمم المتحدة”، جاء بحزمة من المقتضيات غير المسبوقة… مثل تجريم التحرش الجنسي.

الحقاوي قالت إن الكثيرين لا يعترفون بالتحرش الجنسي كعنف، ويتذرعون بأن الكلام الجميل والطيب والغزل للمرأة لا يضايقها.

لكن…

قانون “قاصر”

ما زالت جرائم العنف الجنسي في المغرب محل جدل. التقرير الأممي أعلاه، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وصف تصنيف هذه الجرائم في القانون الجنائي المغربي بـ”التمييزي”.

مرد ذلك إلى أن هذا القانون لا يعتبر جرائم مثل الاغتصاب وهتك العرض، جرائم ضد الأشخاص، مثلها مثل الاعتداء أو الضرب، إنما ما زال يدخلها في خانة الجرائم ضد النظام الأسري والأخلاق.

يبدو أن هناك نجاحا طفيفا في حث النساء المعنفات على التبليغ، ذلك أن نسبتهن التي تصل اليون إلى 10.5 بالمائة، كانت سنة 2009 تبلغ 3 بالمائة فقط.

التقرير لفت أيضا إلى أنه، بالرغم من تشديد العقوبات على جريمة الاغتصاب، التي تعرّف بـ”مواقعة رجل لامرأة دون رضاها”، ما زال القانون لا يشير إلى الاغتصاب الزوجي كجريمة.

العينة التي تابعناها في البداية، مثلا، عاب تقرير اللجنة الدولية للحقوقيين الأحكام الصادرة فيها، ذلك أنها لم تكيف كجرائم اغتصاب بموجب الفصل 486 من القانون الجنائي.

اقرأ أيضا: جريمة الاغتصاب… بين “الحشومة” والعقوبات القانونية التي لا تكبح جماح الجناة! 3/1

هكذا، دعت اللجنةُ الحكومةَ إلى تعديل القانون 103.13 لضمان حسن امتثاله للقانون الدولي لحقوق الإنسان والمعايير الدولية.

من ذلك، اعتماد تدابير تشريعية وإجرائية من أجل تمكين القضاء من منح أوامر الحماية وتطبيقها بسرعة ودون أي كلفة لضحايا العنف الجنسي، وأيضا تيسير إجراءات الإجهاض الآمن والقانوني ودون موافقة الزوج، وكذا توفير دعم اجتماعي للضحايا من أجل مساعدتهن على تحقيق استقلاليتهن.

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *