×
×

حسن الحو: هل هناك عقوبة للمتحرش في الاسلام؟!

هناك بعض السلوكيات، التي تندرج اليوم في خانة الأفعال الجنحية، نصت التشريعات الوضعية الحديثة في الدول الإسلامية على عقوبات زجرية لمقترفيها، تأسيا بالعالم المتحضر، لم تكن في نظر الشريعة شيئا شنيعا يستوجب العقاب.
من هذه الأفعال والسلوكيات، “التحرش الجنسي” الذي كان يُتعامل مع مقترفيه بتساهل دون مراعاة لحقوق الضحايا من النساء.

هناك الكثير من التشريعات الإسلامية التي تعتبر صادمة لمن تلقى دينه وراثة، دون عناء بحثٍ وتنقيب…

وقد سلفت بعض تلك الأحكام ، التي تُعنى بالتفريق بين عورة الأمة والحرة، في المقال السابق على موقع مرايانا: “التحرش من زمن الخلافة إلى زمن الكبت“.

أحكامٌ وتشريعات، تجعل القارئ البسيط يقف مندهشا حائرا من مضامين تلك الأحكام الفقهية، حتى تتداركه ترقيعات المتعسفين لتنتشله من حيرته، وتُطَمْئِنَ إيمانه المضطرب بتأويلات بعيدة عن مراد الشارع، ومخالِفةٌ لتاريخ السلف وتطبيقاتهم لمنطوق ومفهوم النصوص.

سنحاول في هذا المقال، تسليط الضوء على بعض الأحكام الغائبة عن ثقافة العامة، بمناسبة حادثة التحرش بفتاة “طنجة”، وما خلفه من ردود أفعال متباينة تكشف عن عقائد بائدة، لازلت تتحكم في أحكام القيمة عند من شحذ سيوف اللوم والعتاب، محملا الفتاة جريرة السلوك الهمجي للمتحرش.

إيراد الأحاديث (التي تدلل على غياب عقوبة ضد المتحرش)، ليس تنقيصا من شأن مرحلة من تاريخ الإسلام، بقدر ما هو توضيح للصيرورة التطورية في حياة المجتمعات، ونزوعها الدائم للرقي والكمال، وذلك بتجاوز الكثير من السلوكيات، التي كانت تُعتبر شيئا عاديا، كالتحرش والاسترقاق…

– فمن أين استقى أولئك المنتقدون أحكامهم لقلب الموازين وإلباس الضحية ثوب المتهم؟؟

لا يخفى على الدارسين للعقوبات الجنحية والجنائية في الإسلام انقسامها إلى:

 1 – حدود نص الشارع على مقادريها وشروط تطبيقها كحد الرجم والسرقة والحرابة

2 – وتعزيرات، فوض فيها المشرع لولي الأمر والقاضي، تحديد العقوبات المناسبة للأفعال غير المنصوص على عقوبتها بالتحديد.

لكن… هناك بعض السلوكيات، التي تندرج اليوم في خانة الأفعال الجنحية، نصت التشريعات الوضعية الحديثة في الدول الإسلامية على عقوبات زجرية لمقترفيها، تأسيا بالعالم المتحضر، لم تكن في نظر الشريعة شيئا شنيعا يستوجب العقاب، ومن هذه الأفعال والسلوكيات “التحرش الجنسي” الذي كان يُتعامل مع مقترفيه بتساهل دون مراعاة لحقوق الضحايا من النساء.

ورغم أن المرقعين الجدد، حاولوا ردَّ الأحاديث الصحيحة في الموضوع، ومواكبة التغيرات المتسارعة، بعد تجريم التحرش في القانون الوضعي، وذلك بإيراد أحاديث عامة، كحديث الاستيصاء بالنساء خيرا، وحديث تحريم الدماء والأعراض، وحديث تحريج حق الضعيفين المرأة واليتيم، وغيرها من الأحاديث الفضفاضة، إلا أن ذلك لن يغير من حقيقة التعايش مع التحرش زمنَ التشريع، وعدم وضع العقوبة المناسبة له… رغم اكتمال أركان الفعل الموجب للعقاب.

روى مسلم في صحيحه من طريق عبد الله قال: جاء رجل إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال: يا رسول الله، إني عالجت امرأة في أقصى المدينة، وإني أصبت منها ما دون أن آتيها، فأنا هذا، فاقض في ما شئت. قال: فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت نفسك، فلم يرد عليه النبي – صلى الله عليه وسلم – شيئا، فانطلق الرجل فأتبعه رجلا فدعاه، فتلا عليه هذه الآية: “أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ”، فقال رجل: يا رسول الله، هذا له خاصة؟ قال: “لا، بل للناس كافة“.

وعن ابن عباس: أن رجلا أتى عمرَ فقال: إن امرأة جاءتني تبايعني، فأدخلتها الدولج، فأصبت منها كل شيء إلا الجماع، فقال: ويحك، بعلها مغيب في سبيل الله؟ قلت: أجل، قال: ائت أبا بكر فأتاه، فقال مثل ما قال لعمر ورد عليه مثل ذلك، وقال: ائت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فاسأله. فأتى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال مثل ما قال لأبي بكر وعمر، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: “بعلها مغيب في سبيل الله؟” فقال: نعم. فسكت عنه، ونزل القرآن: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات) فقال الرجل: ألي خاصة يا رسول الله، أم للناس عامة؟ فضرب عمر صدره، وقال: لا، ولا نعمة عين، ولكن للناس عامة. فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: “صدق عمر”.

…هذه الأحاديث، تبين كيفية التعامل مع المتحرش، دون أدنى اهتمام بالمرأة ومصيرها وانكسار نفسيتها… بل هناك أحاديث صحيحة تجاوز المتحرش مقدمات الجماع إلى الجماع نفسه، ورغم ذلك، رُفع عنه حد الزنا، لعدم اكتمال نصاب الشهادة المحدد في أربعة شهود وتم جلد الشهود ثمانين جلدة لاتهام رجلٍ محصن بالزنا!!!!

رغم أن المرقعين الجدد، حاولوا ردَّ الأحاديث الصحيحة في الموضوع، ومواكبة التغيرات المتسارعة، بعد تجريم التحرش في القانون الوضعي، وذلك بإيراد أحاديث عامة، كحديث الاستيصاء بالنساء خيرا، وحديث تحريم الدماء والأعراض وغيرها من الأحاديث الفضفاضة، إلا أن ذلك لن يغير من حقيقة التعايش مع التحرش زمنَ التشريع، وعدم وضع العقوبة المناسبة له… رغم اكتمال أركان الفعل الموجب للعقاب.

جاء في سير أعلام النبلاء للذهبي، عن عبد العزيز بن أبي بكرة قال: كنا جلوسًا وأبو بكرة وأخوه نافع وشبل فجاء المغيرة، فسلم على أبي بكرة، فقال: أيها الامير! ما أخرجك من دار الإمارة؟ قال: أتحدث إليكم، قال: بل تبعث إلى من تشاء، ثم دخل، فأتى باب أم جميل العشية، فدخل، فقال أبو بكرة: ليس على هذا صبر، وقال لغلام: ارتق غرفتي، فانظر من الكوة، فانطلق، فنظر وجاء، فقال: وجدتهما في لحاف، فقال للقوم: قوموا معي، فقاموا، فنظر أبو بكرة فاسترجع، ثم قال لأخيه: انظر، فنظر، فقال: رأيت الزنى محضًا؟ قال: وكتب إلى عمر بما رأى، فأتاه أمر فظيع، فبعث على البصرة أبا موسى، وأتوا عمر، فشهدوا حتى قدموا زيادًا، فقال: رأيتهما في لحاف واحد، وسمعت نفسًا عاليًا ولا أدري ما وراءه، فكبر عمر، وضرب القوم إلا زيادًا.

وللقصة أصل في البخاري كما رواها عبد الرزاق في مصنفه، قال: أخبرنا محمد بن مسلم قال: أخبرني إبراهيم بن ميسرة عن ابن المسيب قال: شهد على المغيرة أربعة بالزنى فنكل زياد [أي تردد في الشهادة] فحدَّ عمر الثلاثة، ثم سألهم أن يتوبوا فتاب اثنان فقبلت شهادتهما، وأبى أبو بكرة أن يتوب، فكانت لا تجوز شهادته… وكذلك رواها الشافعي في الأم بأسانيد صحيحة.

إن إيراد هذه الأحاديث، ليس تنقيصا من شأن مرحلة من تاريخ الإسلام، بقدر ما هو توضيح للصيرورة التطورية في حياة المجتمعات، ونزوعها الدائم للرقي والكمال، وذلك بتجاوز الكثير من السلوكيات، التي كانت تُعتبر شيئا عاديا، كالتحرش والاسترقاق…

لكن العيب كل العيب، هو ممن يريد استصحاب منظومة ثقافية، أنتجتها سياقات وظروف اجتماعية تعود لأربعة عشر قرنا، ويجعلها حاكمة على تعقيدات القرن الواحد والعشرين.

ولن نستغرب إذا وجدنا أناسا من هؤلاء، لازالوا يبررون أفعال المتحرشين والمغتصبين، ويأتون بالعجائب من الأفكار والأحكام التي عفا عنها الزمن.

 

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *