×
×

من اليمن، صفا ناصر تكتب: رحلتي مع متدين فاحش

جو الحافلة المعبّق بالصراخ كان كفيلًا بقتلي. سأكون أول إنسان يموت بفعل الضجيج. غدًا ستكتب الصحف عني… تخيّلت العناوين: ”وفاة امرأة جراء تعرضها للضجيج ”. سيكون خبرًا مثيرًا دون ريب.

صفا ناصر، باحثة وصحفية من اليمن

بسبب الحرب في اليمن، صارت الرحلة من عدن إلى صنعاء تستغرق ساعات طوال في دروب وعرة. غير أن بداية رحلتي لم تنبئ بما انتهت إليه. بدأت بداية طيبة، استعدادات، تبادل الأحاديث الخافتة والنكات… لم يعكّر الصفو إلا صوت المغنّي المنبعث من مسجّلة، لم يتناسب صوته الخشن الأقرب إلى الصراخ مع بدايات النهار. انطلقت الرحلة، أغمضتُ عيني لعلي أنام.

تمر دقائق قليلة وصوتٌ مزعج يوقظني. لا… لم يكن صوت المغنّي، فتحت عيني لأرى مصدر الصوت. عند باب الحافلة رأيته. رجل يقترب من السبعين، يقف بقامته المديدة وكتفيه العريضين، له لحية طويلة خالطت الحمرة بياضها.

بدا غاضبًا، يختم كل عبارة بقرع عصاه على الأرض. ها هو يستعد للصعود… تنهدتُ بحسرة، داخلني شعور أن الرحلة ستزداد مشقة مع القادم الجديد.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: فضيلة من نوع خاص… لأخ من نوع خاص جدا (قصة واقعية)

ركب خلفي مباشرة… فلترحمني السماء. لم يكد يجلس في مقعده حتى بدأ بالشكوى. يصب لعناته على الحياة والبشر. يشارك السائق حديثه. يصرخ فيمر صوته من فوقي، ويسقط على رأسي كمطرقة حجرية.

هو العذاب لا ريب، ولا أراني أحتمله ثمان عشرة ساعة أو تزيد. التفتتُ إليه وقلت في رفق: ”سيدي، ألا تهدأ قليلا“؟. لا أظنه سمعني. أرخى بصره إلي قدر لحظة ثم عاود صراخه، وتطايرت كلماته مع نثار ريقه. اعتدلتُ في مقعدي في هدوء. ظل يلحّ على رجل يجلس في المقعد الأمامي كي يتبادلا الأماكن. انتقل الشيخ النزق إلى مقدمة الحافلة. ها قد استجابت السماء لصلواتي…

تلاشى الأمل سريعًا، ما يزال ماضيًا في  صراخه، وما يزال صوته يهشّم رأسي.

يحين وقت الصلاة فيصرخ منبهًا، ”الصلاة يا سواق“… وحين يرد السائق بأنه يتعيّن عليه أن يجد مكانا لائقًا، أو أن يقترح أحد الركاب التوقف للأكل أولًا، ينهر الجميع  بسرعة وانفعال: ”أول شي وقبل كل شي الصلاة“. يردف قوله بخطبة دينية طويلة.  يأمر الركاب بالنزول ملوحًا بعصاه. ننزل، ما عدا فتاة تشغل مقعدًا في الركن، تقترب منها امرأة تسألها بصوت خافت: ”ألا تنزلين معنا لأداء الصلاة؟“ ترد عليها باستهانة: لا.

اقرأ أيضا: من سوريا، نُعمى فواخرجي تكتب: عندما قررت أن أعيش!

يبلغ التطفل منتهاه، فتحاول المرأة تخمين سبب الرفض. تهمس لها رفيقتها: ”ربما لديها عذر شرعي؟“. تقاطعهما الفتاة بحدة: ”لا شيء لدي غير أني لا أصلي، وأظن أن هذا شأني وحدي“. تشي العيون  بانتقاد خفي، وتكمل الرحلة طريقها. يبدأ الشيخ النزق نقاشًا جديدًا يثير معه الجدال والصياح. جو الحافلة المعبّق بالصراخ كان كفيلًا بقتلي. سأكون أول إنسان يموت بفعل الضجيج. غدًا ستكتب الصحف عني… تخيّلت العناوين: ”وفاة امرأة  جراء تعرضها للضجيج ”. سيكون خبرًا مثيرًا دون ريب.

يغمرني النعاس… يثقل رأسي… أشعر به يسقط فوق صدري.

في حال بين النوم واليقظة تتلاحق الصور أمامي. أشجار البن على جانبي الطريق. قاعة المحكمة. رأيت القاضي يتلو على المتهم جرائمه، ويصدر عليه حكمًا بالتزام الصمت عشرين عامًا.

تنتزعني من أحلامي وتخيّلاتي أصوات مختلطة. فتحت عيني. تسود المكان ظلمة كثيفة. وصلنا أطراف المدينة وشارفت الرحلة على نهايتها، الساعة تقارب الثانية فجرًا. تلفتُ حولي أحاول فهم ما يحصل. سمعت صوت الشيخ النزق يصيح مهددًا: ”قلت لك أنزلها هنا. هي ليست يمنية“. كان من ضمن الركاب امرأة من جنسية أفريقية، اعترض الشيخ على طلبها أن يوصلها السائق إلى منزلها، تحتج المرأة منفعلة: ”ماذا تعني بأني لست يمنية؟ ألستُ إنسانًا“؟. يكمل موجهًا حديثه إلى السائق: ”هل تخاف على قـ…؟“

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: سنطرد المومسات…

بهذه الكلمة اكتملت اللوحة السريالية التي رسمها الشيخ النزق مع أول طرقة من عصاه. تعالت همهمات الاحتجاج: ”لا يليق بك هذا يا رجل، عيب يا عم“. انشغل الجميع بالجدال وشغلني أمر آخر. تأملتهم. من تكلم ومن صمت. نأى بنفسه من كان يسابق الجموع للصلاة. التزموا صمتًا مشينًا لا يتسق وظاهر تدينهم.

أين هم من تعاليم دينهم التي تقول بنصرة المظلوم؟ وماذا عن قذف المحصنات؟ ألا يقولون إنه محرم شرعا؟ حصروا الدين في الطقوس فكنت أرى علامات السجود في جباههم، لا أثر الصلاة في مسلكهم.

الموقف الأقوى صدر عن الفتاة التي أعلنت بجرأة أنها لا تصلي، والتي نالت نصيبها من النظرات المستنكرة حينها. قالت بصوت متهدج بالغضب: ”يالك من رجل وقح! لن تنزل امرأة وحيدة وسط طريق خال بعد منتصف الليل. وافعل ما يحلو لك“.

تصاعد حنقه: ”إذن أنزل أنا“. لم يجد من يعترض على تهديده. حمل حقيبته بغضب ظاهر ورحل. أطبق السكون فور رحيله. أكمل السائق طريقه وسط الظلام، يلف المكان هدوء مخدّر… لأول مرة منذ بداية الرحلة الجهنمية.

اقرأ أيضا: #ألف_حكاية_وحكاية: في واحتنا مسلمون جدد

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *