×
×

الأشعرية: جذور الاختلاف مع الفكر المعتزلي 2\3

توسل الأشاعرة بالمنهج العقلي في إيضاح المسائل الإيمانية المختلفة عن توجه المعتزلة من جانب، وعن أهل السنة والجماعة في جزئيات بسيطة.
بذلك، يمكن اعتبار الأشعرية أولَ من أقحم المنهج العلمي المنطقي في عقائد أهل السنة والجماعة، إيمانا منهم بطبيعة المرحلة، والتي عرفت انبثاق الوعي الفلسفي في الفكر العربي، متجاوزة كل أشكال التفكير الجامد والتحليل التقليداني للنصوص.

بعدما تابعنا في الجزء الأول من هذا الملف، كيف شقت الأشعرية طريقها من رحم المعتزلة، وكيف تأثرت بالمنهج العقلي المعتزلي، نتابع في هذا الجزء الثاني أهم النقاط الخلافية بين الأشعرية والمعتزلة.

يعتبر أنصار العقل أن التزام حرفية النص، وتحريم استعمال العقل في تأييد ما ورد به من حقائق، أمر خاطئ، لا يقول به إلا أنصار الجمود والكسل.

مع هذا، فالتزام العقل وحده، دون “تحصينه” بسياج من الشرع، وبخاصة في الآراء التي تتصل بالعقيدة، أمر خاطئ أيضا بحسب الأشاعرة.

إذن… فمن الخير للحق، في ذاته وللجماعة التي تعمل على اكتشافه، أن تتخذ في ذلك منهجا وسطا يزاوج بين العقل والنص.

وفق هذا المنطلق المنهجي، الذي حدده الأشعري لمذهبه، سيعمَل الأشاعرة على الرد على طروحات المعتزلة، في مسائل متفرقة، والتي شكلت محور الصراع بين أهل السنة والمعتزلة.

في قضية خلق القرآن:

لقد كان السؤال الذي أحدث ضجة فكرية وسياسية في العهد العباسي: هَل القرآن قديم قدم الحياة والنشأة، محفوظ في اللوح منذ اليوم الأول لخلق الكون، ملازما مع الله غير مخلوق؟ أم مُحدث مع السياقات والوقائع؛ أي أنه قريب العهد وليس قديما؟

ذهب المعتزلة إلى القول بخلق القرآن، انطلاقا من مسألة صفات الله؛ بحيث اعتبروا كلام الله صفة غير ذاتية فيه، وهو مخلوق مُحدث أنزل على النبي محمد ليكون دالا على نبوته. والقرآن يتقدم بعضه على بعض، وهذا لا يوجب قِدمه، إذ القديم هو ما لا يتقدمه غيره.

يرى الأشاعرة أن للإنسان قدرة. لكن، لا تأثير لهذه القدرة أمام قدرة الله، وللإنسان أفعال، لكن الله هو من خلقها. لذا، يعد الإنسان مختارا في أفعاله لكن هذه الإرادة والإختيار هي من عند الله. لكن حسين مروة يذهب إلى القول بأن موقف الأشاعرة هذا، لا يختلف عن الجبرية، باعتبار أن موقفهم لا يثبت للإنسان الاختيار بتعبير مباشر صريح.

“إن كلام الله سبحانه، لم يزل متكلما، وأن كلام الله سبحانه صفة له، قائمة به، وهو قديم بعلمه وقدرته. وأن الكلام ليس بحرف وصوت، ولا يتجزأ، ولا يتبعض، وأنه معنى واحد بالله عز وجل، وأن الرسم هو الحروف المتغايرة، وهو قراءة القرآن، وأنه خطأ أن يُقال كلام الله هو هو أو بعضه أو غيره، وأن العبارات عن كلام الله سبحانه تختلف وتتغاير، وكلام الله ليس بمختلق ولا متغاير. وإنما سمي كلام الله سبحانه عربيا؛ لأن الرسم الذي هو العبارة عنه وهو قراءته عربي، فسمي عربيا لعلة. أن الله لا يخلق شيئا إلا قال له كُن، ويستحيل أن يكون قوله “كن” مخلوقا”.[1]

بذلك، يذهب الأشاعرة إلى القول بـ: أن كل حي هو متكلم، فإذا كان الله حيا بحياة قديمة، إذن هو متكلم بكلام قديم، ومن لا يتصف بالكلام فهو متصف بضده. فالله متكلم بكلام قديم.

من هذا المنطلق، يميز الأشعري بين نوعين من كلام الله: الكلام النفسي، وهو المعنى القائم في النفس. والكلام المكون من الأحرف والأصوات وهو الحادث أو الجديد.

وفق هذا التقسيم، فإن الأشاعرة يذهبون إلى القول بأن القرآن الذي نقرؤه، مخلوق من حيث الألفاظ والحروف والأصوات. أما المعنى القائم في النفس، فإنه يدل على معنى واحد قائم في الله قديم، لا يتعدد ولا يتبعض ولا يتفاضل، يستوي فيه الأمر بالنهي والخبر بالاستخبار.

يختلف الأشاعرة مع المعتزلة ومع أهل السنة في موقفهم من خلق القرآن. من زاوية، يتفقون مع المعتزلة في خلق القرآن من حيث الحروف والصوت والترتيب. لكن الاختلاف يكمن في الكلام النفسي القائم في الذات الإلهية، أهو ثابت لله أم لا؟

وهم يختلفون مع أهل السنة في القول بخلق القرآن من حيث الحروف والأصوات، إذ يذهب أهل السنة بأن القرآن غير مخلوق من كلا الجانبين. وهو ما يقره أحمد بن حنبل: “ومن زعم أن ألفاظنا بالقرآن، وتلاوتنا له مخلوقة، والقرآن كلام الله، فهو جهمي. ومن لم يكفر هؤلاء كلهم فهو مثلهم”.[2]

في مسألة أفعال الإنسان:

يذهب المعتزلة إلى القول بمبدأ “الاختيار” عند الفرد ، مُنطلقهم في ذلك، أن الله عدل حكيم، يتنزه عن فعل القبيح، فلو كان الله خالقا أفعال عباده من المعاصي فذلك ظلم، والله منزه عن الظلم.

بينما الطرف الثاني، ممثلا في “الجبرية“، فيذهب إلى أن العبد غير فاعل لفعله، وإنما هو عبد للقضاء والقدر؛ وفي ذلك تعطيل لأحكام الشريعة من الأوامر والنواهي، وبطلان الحكمة من إرسال الرسل.

الأشعرية “وقفوا فيها موقفا وسطا بين الجبرية والمعتزلة، إذ قالوا بأن أفعال الإنسان إن لم يستطع خلق عمله، فهو قادر على كسبه”.[3]

بمعنى أن الأفعال التي يقوم بها الإنسان، يخلقها الله فيه، في حين أن نتائج هذه الأفعال يكسبها. “ابن القيم نقل عن الأشعري أنه صرح في عامة كتبه، أن معنى الكسب أن يكون الفعل بقدرة محدثه، فمن وقع منه الفعل بقدرة قديمة فهو فاعل خالق، ومن وقع منه بقدرة محدثه فهو مكتسب. فالأشعري نفى، إذن، أن يكون العبدُ فاعلا. أراد بالفعل الخلق، وحينما أثبت العبدَ كاسبا، أراد بالكسب غير الخلق”[4]، فيكون خلقا من الله إبداعا وإحداثا، وكسبا من العبد حصولا تحت قدرته.

يختلف الأشاعرة مع المعتزلة ومع أهل السنة في موقفهم من خلق القرآن. من زاوية، يتفقون مع المعتزلة في خلق القرآن من حيث الحروف والصوت والترتيب. لكن الاختلاف يكمن في الكلام النفسي القائم في الذات الإلهية، أهو ثابت لله أم لا؟، كما يختلفون مع أهل السنة في القول بخلق القرآن من حيث الحروف والأصوات، إذ يذهب أهل السنة بأن القرآن غير مخلوق من كلا الجانبين.

بناء عليه، يرى الأشاعرة أن للإنسان قدرة. لكن، لا تأثير لهذه القدرة أمام قدرة الله، وللإنسان أفعال، لكن الله هو من خلقها. لذا، يعد الإنسان مختارا في أفعاله؛ لكن هذه الإرادة والإختيار هي من عند الله.

لكن حسين مروة يذهب إلى القول بأن موقف الأشاعرة لا يختلف عن الجبرية، باعتبار أن موقفهم لا يثبت للإنسان الاختيار بتعبير مباشر صريح.

“هم يرون أن الله يخلق في الإنسان الفعل والاستطاعة، وأن الإنسان يتصرف بهذا الفعل كما يُريد، خيرا أم شرا، وبذلك يكتسب الثواب أو العقاب، أي أن الإنسان بهذا التصرف يتحمل تبعة أفعاله. لكن الأشاعرة، في مذهبهم الذري، يقولون بأن الجواهر وأعراضها متغيرة محدثة، والله هو الذي يخلق هذه الجواهر وأعراضها خلقا مباشرا مستمرا. وبذلك يهدمون حرية الإختيار هذه، ما دام الرأي عندهم أن الله يتدخل باستمرار في كل فعل للإنسان وفي كل حركة من حركاته تدخلا مباشرا”[5].

هذا الموقف جعل مسألة الكسب عند الأشعري، تتعرض للنقد من داخل الأشاعرة أنفسهم، كما ذهب إلى ذلك الرازي، الذي اعتبرها أيضا صورة مقنعة من صور الجبر.

هكذا، توسل الأشاعرة بالمنهج العقلي في إيضاح المسائل الإيمانية المختلفة عن توجه المعتزلة من جانب، وعن أهل السنة والجماعة في جزئيات بسيطة.

بذلك، يمكن اعتبار الأشعرية أول من أقحم المنهج العلمي المنطقي في عقائد أهل السنة والجماعة، إيمانا منهم بطبيعة المرحلة، والتي عرفت انبثاق الوعي الفلسفي في الفكر العربي، متجاوزة كل أشكال التفكير الجامد والتحليل التقليداني للنصوص.

 

[1] – هادي أحمد بن علي طالبي: أبو الحسن الأشعري بين المعتزلة والسلف.
[2] – أحمد بن حنبيل: شذرات البلاتين من طيبات كلمات سلفنا الصالحين، مطبعة السنة المحمدية – القاهرة.
[3] – حسين مروة: المرجع السابق.
[4] – هادي أحمد بن علي طالبي: المرجع السابق.
[5] – حسين مروة: المرجع السابق.

لقراءة الجزء الأول: الأشعرية: بداية تشكل الاستدلال العقلي عند جماعة أهل السنة والجماعة 1\3

لقراءة الجزء الثالث: رفضهم أهل السنة واتهموا بالبدعة: في نقد الأشعرية 3/3

مقالات قد تهمك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *