فاتح ماي في المغرب: من نضال الميدان إلى بروتوكول البيان
هل لا يزال فاتح ماي يحمل في المغرب رمزيته كمحطة نضالية لانتزاع الحقوق، أم استحال إلى ما يشبه طقسا احتفالا باردا بالتنظيم النقابي وزعيمه أكثر من الاحتفاء بالعمال؟
من “محطة للمحاسبة” إلى “بروتوكول اجتماعي”، هكذا أصبحت حكاية الأول من ماي… يوم تملأ فيه النقابات الفراغ السمعي والبصري ليوم واحد، تصاغ معها المطالب بلغة إنشائية لا تلامس جوهر التحديات الراهنة.
مسيرات تنتهي عند نقطة الانطلاق، ليعود الجميع في اليوم الموالي إلى واقع لم يتغير فيه شيء، وتعيد الشغيلة تكرار نفس المأساة ونفس المعاناة.
في المغرب، لم يعد فاتح ماي، في الوجدان العمالي المغربي، ذلك الموعد “المقدس” لانتزاع الحقوق، بل تحول بمرور السنوات، إلى ما يشبه طقسا احتفاليا باردا، يطغى فيه الشكل على الجوهر.
المتأمل في المشهد، يجد مسيرات باهتة تجوب شوارع المملكة، تخنقها الشعارات المستهلكة ويهيمن عليها “فلكلور” النقابات الذي بات يعيد نفسه بصورة رتيبة.
“عيد العمال”.. أو “الكرنفال”
خطابات لا تلبث أن تتبخر في اليوم الموالي، دون أن تترجم إلى مكاسب ملموسة على أرض الواقع، أو تفرز تحولات حقيقية في قوانين الشغل. تحول عيد العمال في المغرب إلى محطة لتأكيد الحضور التنظيمي للزعامات النقابية أكثر منه وسيلة للضغط الاجتماعي، مما عمق الهوة بين القواعد العمال وقياداتها.
يوم أصبح مجرد “ذكرى سنوية” تُفرغ من حمولتها النضالية والحقوقية، لتصبح موعدا لاستعراض خيبات الأمل ببدلات رسمية.
من يوم انتزع فيه العُمال مطالبَ مشروعة، خاصة تخفيض ساعات العمل، بعد نضالات طويلة وقاسية، أضحى هذا اليوم “كرنفالا احتفاليا”، لا بالمعنى الاحتفالي، كما يحدث في كثير من دول العالم التي يحتفي فيها الفنانون والموسيقيون بعمال بلدهم في الساحات والشوارع، بل فقط، إلى ما يشبه المناسبة التي تتعالى فيه الأصوات احتفاء بزعماء النقابات صباحا، ثم تخفت مساء.
… في عيد “العمال المغربي”، يحضُر الأمين العام لحِزب مشارك في الحكومة، والتي من المفترض أن تخرج الطبقة الشغيلة للتظاهر ضدها، ورفع مطالبها لها. يخرج الأمين العام ليلبسَ قبعة النقابي، يُلقي خطابا ضد الحكومة التي هو جزء منها ويُشكل أغلبيتها.
وفي الثاني من ماي، يعود لقبعته الوزارية، ليُدافع عن تصور حكومة، كان بالأمس يتظاهر ويرفع مطالب الشغيلة لها.
في زمن ما، خرج رئيس الحكومة نفسه، والحديث هنا عن عبد الإله بن كيران، ليُلقي كلمة أمام الشغيلة التي خرجت لرفع مطالبها لحكومته، بل والأدهى أنه ألقى كلمة أمام النقابة التابعة لحزبه، ليقول أحد الحاضرين “أنت عزيز يا ابن كيران“..
هي ليست مجرد مفارقة، بل هي القشة التي قسمت ظهر العمل النقابي.
حين اختلط الحزبي بالنقابي، حين أصبحت النقابات تُدار على المقاس الحزبي والهوى السياسي، كيف يُنتظر أن يصبح عيد العمال عيدا للعمال حقا؟
الأصل أن ينفصل النقابي عن الحزبي… مهمة النقابي تقتضي الدفاع عن المصالح الاجتماعية، أن يسترد حقوق العامل ويصون مكتسباته التاريخية، بعيدا عن كل البعد عن أي مظهر من مظاهر التحزب، ومنفصلا في قراراته واختياراته عن أي توجه سياسي أو حزبي، قد يجعل القرارات تأتي من فوق.
لكن… في بلد، انهزمت فيه الحزبية والسياسة أصلا، وتراجعت فيه قيمة النضال لصالح قيم الأعيان وحرفيي الانتخابات، لم يكن مفاجئا أن تلحق نفس الهزيمة بالنقابي… الذي ظل لزمن طويل، مجرد تنظيم موازي وتابع للحزبي، لتنطسر مطالب العمال وأحلامهم نقابيا، كما انكسرت انتظارات المواطن حزبيا.
عيد العمال.. مناسبة لتوسيع الحقوق
عبد الإله الخضري، رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، يعتبر في تصريح خص به مرايانا، أن الأول من ماي من كل سنة، ليس مجرد يوم عابر في الزمن، بل يُستحضر من خلاله ذاكرة إنسانية وحقوقية صنعتها تضحيات أجيال من العمال والعاملات، ممن ناضلوا من أجل الكرامة قبل الأجر، ومن أجل الإنسان قبل الإنتاج، ومن أجل أن يكون العمل وسيلة للتحرر لا أداة للاستنزاف.
يضيف عبد الإله الخضري في تصريحه: “من رحم مرحلة قاسية انطلقت مطالب كبرى أصبحت اليوم من بديهيات الحقوق الإنسانية للشغيلة، منها أساسا تحديد ساعات العمل، الحق في الراحة، الحق في الأجر العادل، الحماية الاجتماعية، التنظيم النقابي..”.
لكن السؤال، حسب عبد الإله الخضري: “هل ما زال هذا اليوم يحتفظ برمزيته الحقيقية كعيد للعمال، أم تحول إلى طقس سنوي تتلى فيه الخطابات، وترفع فيه الشعارات، ثم يعود العامل في اليوم الموالي إلى نفس الهشاشة، نفس الغلاء ونفس القلق، ونفس الشعور بأنه حاضر في البلاغات وغائب عن السياسات؟”.
من زاوية حقوقية، وفق رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان، فإن: “العمل ليس مجرد علاقة تعاقدية بين مشغل وأجير، بل هو امتداد مباشر للحق في الكرامة. فحين لا يكفي الأجر للعيش الكريم، وحين يصبح المرض تهديدا اجتماعيا، وحين تتحول البطالة إلى خوف دائم، وحين تُفرغ النقابات من قوتها التمثيلية، فإننا لا نكون أمام خلل اقتصادي فقط، بل مساس عميق بالعدالة الاجتماعية وبجوهر الدولة الاجتماعية”.
يتابع عبد الإله الخضري: “عيد العمال لا ينبغي أن يكون مناسبة لتجميل الواقع، بل لحسن الإصغاء إليه. ولا ينبغي أن يتحول إلى منصة للمزايدات، بل إلى لحظة مساءلة جماعية. الدفاع عن العامل اليوم لا يعني فقط الدفاع عن فئة مهنية، بل الدفاع عن توزان المجتمع كله”.
الأول من ماي، ليس عطلة فقط، بل سؤال مفتوح في وجه الجميع، أي مجتمع نريد. مجتمع يستهلك جهد العمال ثم ينساهم؟ أم مجتمعا يتعرف بأن اليد التي تبني، والعقل الذي يبدع، والجسد الذي يتعب، كلها تستحق الكرامة والإنصاف والاعتبار؟
عيد العمال، وفق الخضري، سيظل عيدا حقيقيا للعمال بقدر ما يكون مناسبة لتوسيع الحقوق لا لتكرار الوعود، ولتقوية صوت العامل لا لاستعماله رمزيا، وأيضا لتحويل الذاكرة النضالية إلى قوة اقتراح ومحاسبة وإصلاح.
فاتح ماي.. دعوة لإعادة بناء الفعل النقابي
من جانب آخر، اعتبر الأستاذ والباحث عبد الإله أبعصيص، أن فاتح ماي لم يكن، في بدايات نشأته، مناسبة للاحتفال، بل كان يوما احتجاجيا بكل دلالات ومعنى الاحتجاج، إنه يختزل في الذاكرة الإنسانية كل معاني الصراع الاجتماعي ومطالب الشغيلة من أجل تحسين ظروف العمل والكرامة.
عبد الإله أبعصيص أضاف في تصريحه لمرايانا: “هذا اليوم، الذي ولد من رحم المواجهة، عرف تحولات تدريجية، حتى لا نقول تحولا واحدا، في دلالته ووظيفته، حيث أصبح في كثير من السياقات، ومنها السياق المغرب، أقرب إلى طقس احتفالي رمزي منه إلى لحظة نضالية ضاغطة”.
تحول، وفق الباحث، لا يمكن فهمه بمعزل عن التحولات العميقة التي عرفها الحقل السياسي والنقابي في كل أنحاء المعمورة، ومنها المغرب بكل تأكيد، والتي أعادت صياغة معنى الفعل الاحتجاجي في كل تجلياته، خاصة العمل النقابي وحدود تأثيره. كما لا يمكن فصله عن ظاهرة التشردم النقابي التي أسهمت في إضعاف وحدة الشغيلة وتراجع زخمها الاحتجاجي.
تحولات تاريخية، حسب الباحث، يمكن من خلالها فهم انتقال فاتح ماي من يوم للاحتجاج إلى يوم للاحتفال بوصفه نتيجة لمسار مركب، انطلق مع مأسسة الفعل النقابي، وتأثر بتغير بنية الشغل، وتعدد الفاعلين، وتفاقم التشردم النقابي.
بهذا المعنى، يتابع أبعصيص، يظل عيد العمال في المغرب مرآة لتحولات المجتمع والدولة والنقابة، ومؤشرا على توازن دقيق بين الاستقرار والمطلب، بين الذاكرة والنسيان. وهو، قبل كل شيء، دعوة مفتوحة إلى إعادة بناء الفعل النقابي على أسس من الوحدة والتجديد، حتى يستعيد هذا اليوم معناه الأصلي: يوما للاحتجاج الواعي.. والاحتفال المستحق.



