بدأ الجنود يتبولون على الأسير ويضحكون… جنود إسرائيليون يعانون “إصابات أخلاقية” بعد الحرب على غزة
نشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية تقريرا مُرعبا ينسفُ سردية “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”.
جنود إسرائيليون كانوا حاضرين في الحرب على غزة، كشفوا خلال هذا التحقيق سلسلة الانتهاكات وجرائم الإبادة والحرب التي طالت مدنيين فلسطينيين عُزل.
اليوم يعيش هؤلاء الجنود صدمات نفسية وأخلاقية، في مواجهة مع مرايا تعكسُ حقيقة وحشيتهم وفظاعتهم. في انتظار أن تصل نفس الصدمة لضمير كل من ينتصر للهمجية والوحشية.
“شعرت بأنني وحش: جنود جيش الدفاع الإسرائيلي يتحدثون عن “الأذى الأخلاقي – والصمت”.
“I Felt I Was a Monster: IDF Soldiers Talk About The ‘Moral Injury – and the Silence”
بهذه العبارة عَنون الصحفي والكاتب “توم ليفنسون” تحقيقا لهُ على صحيفة هآرتس الإسرائيلية، سلط من خلاله الضوء على التبعات النفسية والصدمات الأخلاقية التي تعرَّض لها جنود إسرائيليون بعد عودتهم من الحرب/ العدوان على غزة.
التقرير يكشفُ قصص مُرعبة لجنود وجدوا أنفسهم أمام حُكم الضمير الأخلاقي، ويُبطل الرواية الإسرائيلية التي طالما تحدثت عن “الجيش الأكثر أخلاقية في العالم”.
معطيات سابقة أشارت إلى أنه، بين أكتوبر 2023 ونهاية عام 2025، تم علاج أكثر من 80.000 جندي إسرائيلي من اضطرابات نفسية. وحتى أكتوبر 2025، سجل الجيش الإسرائيلي 279 محاولة انتحار خلال الـ18 شهرا السابقة، بما في ذلك 36 محاولة “ناجحة” أدت إلى الوفاة.
“تامر شيموني”، نائبة ريس قسم إعادة التأهيل في وزارة الدفاع الإسرائيلي، كانت قد صرحت سابقا أن معالجا نفسيا واحدا، بات اليوم يتعامل مع ما يصل إلى 750 مريضا من جنود الاحتلال، وفي بعض المناطق يتجاوز العدد ذلك، مما يجعل من الصعب الولوج إلى كل من يحتاج للرعاية بسرعة.
“تبول” على أسير أعزل
كُل القصص والحكايات التي كشفت عنها جريدة هآرتس مؤلمة… مؤلمة لكل من يمتلك بعضا من الانتماء للإنسانية، ومؤلمة للفلسطينيين العُزَّل طبعا. لكن، تظل القصة التي روَتها “مايا” الأكثر إيلاما وإجراما.
تروي مايا، وهي طالبة فلسفة، خدمت ضابطة موارد بشرية في كتيبة احتياط بسلاح المدرعات، أنها كانت تجلس في غرفة قيادة بجنوب غزة.
في تلك اللحظة، عبر خمسة فلسطينيين غير مسلحين “خطا وهميا” وضعه الجيش، ليُصدر القائد أمرا بإطلاق النار.
أثناءها وجهت رشاشات دبابة فوهاتها نحو الفلسطينيين العزل، وأطلقت مئات الرصاصات خلال ثوان معدودة، مما أدى لمقتل أربعة منهم على الفور. وفي الحين، وصلت جرافة إلى الموقع ودفنتهم حتى “لا تأكلهم الكلاب وتنتشر الأمراض”.
الجزء الأكثر وحشية وإيلاما، حسب رواية مايا، أن الناجي الوحيد حينها وُضع في قفص وهو مُكبل اليدين ومعصوب العينين، بدأ جنود يتبولون عليه ويضحكون، وشاركتهم مايا الضحك آنذاك.
المفاجأة، أن تحقيقا إسرائيليا كشف أن الرجل الفلسطيني كان بريئا وكان يحاول فقط العودة إلى منزله.
صورة الأسير وعجزه ووحشية الجنود، أشعرت مايا بعدها بأنها “منافقة” و”قذرة”، وبدأت تعاني من اضطرابات وتخيلات تلازمها يوميا، ما جعلها تستحم 3 مرات يوميا في محاولة منها لغسل شعور الخزي والعار ذاك.
كيف أصبحت شخصا يقف متفرجا ولا يفعل الشيء الصحيح؟
قصص الإيلام والوجع دائما، تأخذنا هذه المرة نَحو شهادة الجندي الإسرائيلي “يهودا”.
في لحظة، كان “يهودا” يزور متحف “برادو” في مدريد مع زوجته. رأى لوحة تٌظهر رجلا أعزل يواجه البنادق. حينها، شعر الجندي الإسرائيلي بانهيار عصبي، بدأ يتصب عرقا ويبكي بشكل لا يمكن السيطرة عليه، متسائلا: “كيف أصبحت شخصا يقف متفرجا ولا يفعل الشيء الصحيح”.
يهودا كان قد شهد خلال الحرب/ العدوان على غزة، قيام ضابط إسرائيلي بإعدام فلسطيني أعزل كان قد استسلم ورفع يديه.
بعض الضباط في غرفة العمليات وصفوا ما وقع بأنه “جريمة قتل”، لكنها… ما دامت جريمة قتل ضد فلسطيني، فقد تم التستر على ذلك، بل وأبلغ الضباط عن مقتل “إرهابي”، ولم يتم إجراء أي استجواب حول القضية.
لا غفران لما فعتله ولا كفارة
قصة يوفال يُمكن تلخصيها في عبارة واحدة: “حين يتحرك الضمير… ولكن متأخرا”.
في دجنبر 2023، وتحديدا بالقرب من طريق صلاح الدين في خان يونس، تحركت وحدة يوفال بعد أن رصدت طائرة مسيرة “تحركات مشبوهة”. لم يفكر يوفال لحظة واحدة، ليُطلق النار “مثل المجنون”، ويكتشف بعدها أنه ساعد في قتل رجل مسن أعزل وثلاثة مراهقين. كانت جثثهم ممزقة بالرصاص وأحشاؤهم خارجة منها.
الوحشية لم تنته هنا.
وصل قائد الكتيبة، فقام أحد الجنود بالبصق على الجثث صارخا: “هذا ما يحدث لكل من يعبث مع إسرائيل، يا أبناء “العاهرات”.
عاد يوفال إلى تل أبيب. لكن العودة كان لها تبعاتها. بدأ يوفال يشعر بهول الوحشية التي قام بها، ومشاركته في قتل أبرياء دون أي رادع أخلاقي في ذلك الوقت.
ترك يوفال وظيفته في قطاع التكنولوجيا، وبدأت تراوده أفكار انتحارية. يُردد دائما: “ربما بطريقة ما، أريد أن أموت، لأنهي الأمر فحسب”.
يسترسل يوفال:” لقد أزلت المرايا من المنزل، ولا أستطيع النظر إلى نفسي. لا أنتحر فقط لأنني وعدت أمي، لكنني لا أعرف كم من الوقت سأصمد”.
بعد يومين من حديثه إلى جريدة هآرتس، تم إدخاله جناح الطب النفسي.
بين صفة الجندي والمدني
حكاية ران تكشف التناقض الصارخ بين زي الجندي وزي المدني.
ران ضابط في سلاح الجو التابع لقوات الاحتلال، وكانت غريزة الانتقام سببا في قَتله لعديد من المدنيين العُزل.
بدأ ران يشعر بالتناقض بين التخطيط لقتل الأطفال والجلوس لتناول الطعام في شوارع تل أبيب الهادئة.
بعد مدة، قرر ران التوقف عن الخدمة، من مُنطلق أنه بدأ يشعر بخيانته لكل ما هو جميل في ذاته، وأنه الآن يعيش حالة من تعذيب الذات عبر البحث في صور الضحايا الفلسطينيين ليرى إن كان مسؤولا عن قتل أحدهم.
هي قصص خرجت من الظل إلى العلن… خرج بعضُها لاختراق جدار الصمت وكشف جروح خلفتها وحشية جنود عُطل ضميرهم الأخلاقي والإنساني حين ممارستهم لوحشيتهم.
هي حكايات قليلة… لأن كل العالم اليوم، يعرف أن الوحشية التي يقترفها جيش الاحتلال، هي أفظع وأكبر بكثير من بضع قصص وحكايات متناثرة هنا وهناك.



