×
×

الطائفية في لبنان… المأساة: الحرب الأهلية 5/4

كشفت الحرب أن الأزمة في لبنان أعمق من كونها أزمة علاقات بين القوى السياسية الطائفية… لقد كشفت، يقول عبد فتوني، أنها أزمة مجتمع لم يستطع أن يطور في تاريخية عوامل التشارك الاجتماعي الطائفي، إلى حد ترسيخ عناصر الوحدة المجتمعية على أسس من القيم المشتركة.

تابعنا على امتداد الجزأين، الثاني والثالث، بعضا من الجذور التاريخية للطائفية في لبنان… في هذا الجزء الرابع، نصل إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي شكلت مأساة لا نظير لها في تاريخ البلد.

أخذت عوامل الحرب الأهلية في لبنان تنضج منذ أواخر ستينيات القرن الذي مضى، وعلى امتداد أوائل سبعينياته…

عوامل كرسها أساسا، ميثاق 1943، الذي أدى إلى تقاسم السلطة في البلاد، على نحو أفضى إلى تمايزات واضحة، يقول المؤرخ اللبناني علي عبد فتوني في كتابه “تاريخ لبنان الطائفي”.

هذا الميثاق، جاء بعد استقلال لبنان عن فرنسا عام 1943م، وهو عبارة عن اتفاق بين اللبنانيين بمختلف طوائفهم، يؤسس لنظام الحكم في البلاد… وهو، بالمناسبة، لم يكن اتفاقا مكتوبا.

 منذ أن وضعت الحرب أوزارها عام 1990م، لم تُسجل أي عملية مجدية للبحث عن الحقيقة… أو أي محاولة لإنشاء سردية دقيقة وموضوعية عن الحرب.

الذي يعنيه ذلك، أن اللبنانين توافقوا عرفيا على توزيع السلطة، على نحو يضمن التمثيل السياسي لجميع الطوائف الثمانية عشرة في البلاد… لكن، بموجب ما ورثوه عن الانتداب الفرنسي.

بمعنى أن المسيحيين الموارنة سيحظون برئاسة الجمهورية، فيما سينال المسلمون الشيعة رئاسة البرلمان، على أن يحصل المسلمون السنة على رئاسة الوزراء.

كعكة المناصب هذه التي ستتقاسمها الطوائف، لا تشمل بالمناسبة هذه المناصب الثلاثة فقط، إنما تمتد لتشمل مناصب أخرى عديدة.

هذا التمايز سيؤسس للشكل الطائفي الذي ظهرت عليه الحرب، ذلك أنه سيؤدي إلى منح امتيازات لفريق طائفي دون آخر، وعلى حساب هذا الآخر، ولمناطق ذات لون طائفي دون أخرى، وعلى حسابها…

اقرأ أيضا: من الأردن، بشار حداد يكتب: #دمتم_وقودا

الواقع أنه منذ أن وضعت الحرب أوزارها عام 1990م، لم تُسجل أي عملية مجدية للبحث عن الحقيقة… أو أي محاولة لإنشاء سردية دقيقة وموضوعية عن الحرب[1].

وقد فتح ذلك المجال أمام الفرقاء السياسيين بالتنافس على وضع اليد على سجلات التاريخ، فجاءت في غالبيتها إلقاء لوم على الفريق الآخر…

ولما كانت السرديات متعددة، مسيسة ومُجتزأة، سيكون الخوض في تفاصيل الحرب غير موضوعي، فغالبية الروايات المتعلقة بها مستمدة من الذكريات الفردية التي تناقلتها الأجيال شفهيا[2].

على مدى 15 عاما و6 أشهر من الحرب، كانت النتائج كارثية، فقد أسفرت عن تهجير أزيد من مليون لبناني؛ أي ثلث سكان لبنان، ونزوح حوالي 600 ألف شخص من 189 بلدة وقرية؛ أي نحو 22 بالمئة من اللبنانيين.

غير أنه مؤكد أن الحرب الأهلية اللبنانية اندلعت شرارتها في الـ13 من أبريل 1975م، وقد صَوّر فيها الشعور الطائفي المتضخم منذ قرون لأبناء كل طائفة على حدة، أن مصير الطائفة كلها مهدد بالزوال من قبل العدو؛ أي الطوائف الأخرى.

ذلك الحقد تجاه الطوائف الأخرى، وشهوة الانتقام، وكذا تهجير الآخرين قبل أن يحل التهجير بهم، دفع بالطائفيين إلى ارتكاب أكثر أنواع القتل وحشية…

وحشية تنطلق من موقف نفسي مريض، لا يرى في المعركة إلا أحد الوجهين؛ قاتل أو مقتول… لا ينم ذلك، وفق عبد فتوني، سوى عن إرث تاريخ من الانغلاق الطوائفي مرة أخرى.

اقرأ أيضا: علم نفس الجماهير… بين دراسة لوبون ودراسة فرويد 3/1

هكذا، وعلى مدى 15 عاما و6 أشهر من الحرب، كانت النتائج كارثية، فقد أسفرت عن تهجير أزيد من مليون لبناني؛ أي ثلث سكان لبنان، ونزوح حوالي 600 ألف شخص من 189 بلدة وقرية؛ أي نحو 22 بالمئة من اللبنانيين.

الخسائر المباشرة قدرت بنحو 25 مليار دولار أمريكي، فيما كانت أفدح الخسائر التي تسببت فيها الحرب: 150 ألف قتيل، 300 ألف جريح و17 ألف مفقود.

منذ إنهاء الحرب عام 1990م، لم تُؤت أي محاولة تفاوض جادة تؤول إلى معالجة إرث تلك الحرب…

كما تابعنا في الجزء الأول، 2 بالمائة من اللبنانيين… قتلوا على أيدي أبناء وطنهم من اللبنانيين!

بعد كل ما حدث، في الـ23 من ماي 1989، ستحتضن مدينة الدار البيضاء (المغرب) مؤتمر قمة، كانت أبرز نتائجه تشكيل لجنة ثلاثية شملت المغرب والسعودية والجزائر، دعت إلى عقد مؤتمر بمدينة الطائف (السعودية).

اقرأ أيضا: هل سقط قناع حقوق المرأة في السعودية؟

وفي الـ30 من شتنبر من ذات السنة، سينعقد المؤتمر بحضور 62 نائبا لبنانيا، يمثلون الأحزاب المتقاتلة… هؤلاء، أخيرا سيتعضون، وهناك، سيوقعون على وثيقة الطائف التي وضعت حدا للحرب الأهلية في بلادهم.

بالمناسبة، في مارس 1991، سيصدر قانون عفو عن كل الجرائم التي حصلت منذ اندلاع الحرب… كما حُلت جميع الميليشيات باستثناء حزب الله، وبدأت عملية بناء الجيش اللبناني كجيش وطني غير طائفي.

اندلعت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية في الـ13 من أبريل 1975م، وقد صَوّر فيها الشعور الطائفي المتضخم منذ قرون لأبناء كل طائفة على حدة، أن مصير الطائفة كلها مهدد بالزوال من قبل العدو؛ أي الطوائف الأخرى.

لكنها، أي الحرب، كشفت أن الأزمة في لبنان أعمق من كونها أزمة علاقات بين القوى السياسية الطائفية…

لقد كشفت، يقول عبد فتوني، أنها أزمة مجتمع لم يستطع أن يطور في تاريخية عوامل التشارك الاجتماعي الطائفي، إلى حد ترسيخ عناصر الوحدة المجتمعية على أسس من القيم المشتركة.

الأفدح في كل هذا، أنه منذ إنهاء الحرب عام 1990م، لم تُؤت أي محاولة تفاوض جادة تؤول إلى معالجة إرث تلك الحرب…

اقرأ أيضا: ثورة لبنــــان الجميلة

وها هو لبنان إلى اليوم، يعيش حالة من عدم الاستقرار الشديد على الصعيدين الداخلي والخارجي، فمؤسساته، التي تعاني من فراغ في السلطة، تبدو أكثر عجزا من أي وقت مضى…

لا يعبر عن ذلك أكثر من استمرار الأزمات الحادة في تقديم الخدمات العامة، والإدارة غير المنضبطة والفعالة، كما تبدو الدولة عاجزة أمام الوصول المفاجئ للكم الهائل من اللاجئين السوريين[3].

في الجزء الخامس والأخير… جيل جديد: هل تسقط أسطورة الطائفية في لبنان؟

لقراءة الجزء الأول: الطائفية في لبنان… من الجذور إلى المأساة 5/1

لقراءة الجزء الثاني: الطائفية في لبنان… لعنة أزلية؟ 5/2

لقراءة الجزء الثالث: الطائفية في لبنان: إلى ما بعد الاستقلال… خطأ تاريخي أم استمرار للعنة؟ 5/3

لقراءة الجزء الخامس والأخير: الطائفية في لبنان… جيل جديد: هل تسقط الأسطورة؟ 5/5


[1]  “الحرب كما أراها”، تقرير منشور عن المركز الدولي للعدالة الانتقالية، عام 2018.
[2]  المصدر نفسه.
[3]  “أطلس لبنان… تحديات جديدة”، منشورات المجلس الوطني للبحوث العلمية (لبنان)، عام 2016.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *