×
×

الطائفية في لبنان… جيل جديد: هل تسقط الأسطورة؟ 5/5

يرى البعض أن جيل الشباب الحالي في لبنان ليس لديه ارتباط بذاكرة الحرب؛ يدرك فقط أنه يعيش حالة من الفساد في الدولة، وفشل معظم الأحزاب في تقديم طروحات جدية بديلة، ومن ثم فهو مستعد ومتحمس أكثر من أي وقت مضى لإسقاط النظام “الطائفي”، والذهاب إلى إرساء نظام جديد يتجاوب مع تطلعاته…

تابعنا في الجزء الرابع بعضا من فصول الحرب الأهلية اللبنانية؛ الحرب التي دامت لـ15 عاما وقَتَل فيها اللبنانيون 2 بالمائة من أبناء وطنهم اللبنانيين، في ما يشكل تاريخيا إحدى أسوأ نتائج تضخم الشعور الطائفي في بلاد الأزر.

في هذا الجزء الخامس والأخير، نتابع المشهد الأحدث في لبنان، حيث يعيش مؤخرا احتجاجات يبدو في السطح أنها قد طوقت، لكنها تفصح عن وعي جيل جديد قد يسقط يوما ما أسطورة الطائفية في البلاد.

منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، عام 2005، ولبنان يعيش حالة من الشلل السياسي المستمر، نتج عنها صراع على اقتسام الموارد والسلطة حال دون إقرار إصلاحات مهمة.

زاد طين الوضع بلة، أن لبنان يقع وسط إقليم مضطرب، توقفت فيه مبادلات تجارية مهمة مع عدة دول على نحو أدى إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي للبلاد، وانكشاف مشاكل اقتصاده البنيوية.

في أكتوبر 2019، قصمت الحكومة اللبنانية ظهر المواطن اللبناني بإعلانها عن خطط لفرض ضرائب أكبر على البنزين والتبغ، وكذا استحداث ضريبة على استخدام تطبيق المكالمات الهاتفية “واتساب”…

أما ما زاد من كارثية الوضع، فقد كان عجز الحكومة اللبنانية عن توفير الخدمات الرئيسية، كما تابعنا في الجزء الرابع، مثل الكهرباء والمياه النظيفة، وسائل النقل، منع التلوث وجمع القمامة…

ينبغي ألا نغفل أيضا أن لبنان قد عاش في العقد الأخير حالة وصفها البعض بالغريبة، إذ ظل كرسي رئاسة الجمهورية شاغرا لعامين ونصف، قبل أن ينتهي ذلك بانتخاب ميشال عون رئيسا للبلاد.

وواضح اليوم، وقد مضى على انتخابه أزيد من ثلاث سنوات، أنه لم يأت بأي حلول تنتشل البلاد من المشاكل التي تقبع فيها.

اقرأ أيضا: ثورة لبنــــان الجميلة

ولا الانتخابات النيابية لـ2018، شكلت المنعطف الذي انتظره اللبنانيون مطولا لتحسين أوضاعهم المعيشية والاقتصادية… بل خلاف ذلك، أعادت إنتاج الطبقة السياسية نفسها تقريبا.

ثم، في أكتوبر 2019، قصمت الحكومة اللبنانية ظهر المواطن اللبناني بإعلانها عن خطط لفرض ضرائب أكبر على البنزين والتبغ، وكذا استحداث ضريبة على استخدام تطبيق المكالمات الهاتفية “واتساب”…

كان ذلك بالنسبة لكثير من اللبنانيين تعبيرا صارخا عن فشل الحكومة في إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية التي يرزح تحتها البلد.

أهم ما ميز هذه الاحتجاجات، وفق متابعين للشأن اللبناني، كونها عابرة للطوائف… المحتجون اعتبروا أن النظام في لبنان بكافة تشعباته، ومن أهمها الطائفية، العامل الذي يعيق أي إصلاح فعلي…

فالدين العام في لبنان يتجاوز حاليا 85 مليار دولار أمريكي؛ أي ما يمثل 150 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي؛ ومعظمه، بالمناسبة، مستحق للبنوك اللبنانية التي تملك نفوذا واسعا في الطبقة السياسية.

أمام هذا الوضع، حدث في الـ17 من ذات الشهر أن اندلعت احتجاجات غير مسبوقة للضغط باتجاه إسقاط النظام السياسي الذي يحكم البلد منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990م.

اقرأ أيضا: الشبكات الاجتماعية… فضاءات حرة لسلطة مضادة عمادها المواطنون! 1\3

أهم ما ميز هذه الاحتجاجات، وفق متابعين للشأن اللبناني، كونها عابرة للطوائف…

المحتجون اعتبروا أن النظام في لبنان بكافة تشعباته، ومن أهمها الطائفية، العامل الذي يعيق أي إصلاح فعلي…

الاحتجاجات كانت دليلا على الفشل البنيوي لنظام المحاصصة الطائفية، ورأت فيه نظاما ريعيا، تقتسم فيه السلطة والثروات ويستأثر بها وفق معايير لا تعتمد الكفاءة بينها…

 يرى البعض أن شعار إسقاط النظام الطائفي فضفاضٌ وذو سقف عال، وقد استورد من “الربيع العربي” بما لا يتناسب مع الوضع اللبناني.

فالزعامات في لبنان أساسها طائفي، والمحاصصة همها تقاسم المغانم بين الطوائف!

هكذا، بدا جليا أن مزاج الاحتجاجات ينحو إلى إسقاط الطبقة السياسية الحاكمة، وهذه المرة، أساسا، تجاوز نظام المحاصصة الطائفية وتقسيم المناصب والمنافع العامة المعمول به منذ ميثاق 1943.

لكن، خلاف انتفاضات ما سمي بـ “الربيع العربي”، لم تعمر الاحتجاجات اللبنانية طويلا، فقد ظلت في الشارع لثلاثة أشهر فقط متراوحة بين المئات وبضعة آلاف.

اقرأ أيضا: بعد تنحي بوتفليقة وعزل البشير… هل هي عودة لـ”الربيع العربي”؟

يرى البعض، أن الحَراك اللبناني قد فشل في استقطاب عدد أكبر من المحتجين، إذ ظل محصورا في العاصمة بيروت مع تحركات محدودة في بعض المناطق، ناهيك عن انعدام أي تفاعل من قبل اللبنانيين في المهجر.

وبالنظر إلى عدد المحتجين هذا، يرى البعض أن شعار إسقاط النظام الطائفي فضفاضٌ وذو سقف عال، وقد استورد من “الربيع العربي” بما لا يتناسب مع الوضع اللبناني.

الدين العام في لبنان يتجاوز حاليا 85 مليار دولار أمريكي؛ أي ما يمثل 150 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي؛ ومعظمه، بالمناسبة، مستحق للبنوك اللبنانية التي تملك نفوذا واسعا في الطبقة السياسية.

لكن، بالمقابل، يرى البعض الآخر أن جيل الشباب الحالي ليس لديه ارتباط بذاكرة الحرب الأهلية.

الذي يعنيه ذلك أن جيل الشباب هذا، يدرك فقط أنه يعيش حالة من الفساد في الدولة، وفشل معظم الأحزاب في تقديم طروحات جدية بديلة، وفترات حكومات ائتلافية تتفق فيها كل المنظومة السياسية.

اقرأ أيضا: ياسين عدنان يكتب: المثقفون والحراك: منطق الابتزاز

هكذا، الجيل اللبناني الشبابي الحالي، طالما لا يملك أي ارتباط بالنظام القائم، مستعد ومتحمس أكثر من أي وقت مضى لإسقاطه، والذهاب إلى إرساء نظام جديد يتجاوب مع تطلعاته…

بالمناسبة، أغلبية اللبنانيين، وفق دراسة أجريت عام 2012، تعتبر نفسها لبنانية في المقام الأول، وإن كانت النتائج قد أظهرت أن اللبنانيين لا يفتخرون بقوميتهم.

من ثم، ربما يكون الجيلَ الذي سيسقط أسطورة الطائفية في لبنان!

المصادر

  • تقارير إعلامية؛
  • تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2016 – صادر عن منظمة الأمم المتحدة؛
  • تقدير موقف “انتفاضة لبنان: أسبابها وتداعياتها” عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أكتوبر 2019؛
  • تقرير “من إسقاط النظام إلى كلن يعني كلن: قراءة في لبننة شعار الربيع العربي”، عن المؤسسة البحثية “مبادرة الإصلاح العربي”، دجنبر 2019.

لقراءة الجزء الأول: الطائفية في لبنان… من الجذور إلى المأساة 5/1

لقراءة الجزء الثاني: الطائفية في لبنان… لعنة أزلية؟ 5/2

لقراءة الجزء الثالث: الطائفية في لبنان: إلى ما بعد الاستقلال… خطأ تاريخي أم استمرار للعنة؟ 5/3

لقراءة الجزء الرابع: الطائفية في لبنان… المأساة: الحرب الأهلية 5/4

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *