×
×

ياسين عدنان يكتب: المثقفون والحراك: منطق الابتزاز

الجماهير تحتاج إلى مثقف يبجلها وتُبجّله، يمالئُها وَتُقدّسه باعتباره الطليعةَ وحامل اللواء. تحتاجُ مسمّعًا لمواقفها وصدىً مجلجلًا لشعاراتها. تحتاج مَن يُسوِّغ مطالبها ويُشرعِن نزوعاتها الطائفية حينًا، القطاعية تارةً، والشعبوية أحيانًا. لذا، تجدها تُعلي من شأن هذا الصنف من “المثقفين” المُلتحِمين بها مهما كان خطابهم ضحلًا ورؤيتهم ضيقة.

يتعرّض المثقف للابتزاز في مجتمعاتنا بشكل غير مقبول. الكل يبكي غيابه ويندب تخلّيه عن الشعب وتقاعُسه عن الاضطلاع بأدواره التاريخية. إنّما، أيّ أدوار؟

وجهُ الابتزاز الأوضح يتجلّى في أننا نتذكّر المثقف فقط بعدما تصدح الحناجر بالشعارات في الشوارع لحظة الاحتقان والتصعيد؛ ليُطْلَب منه بلورةُ موقفٍ سريعٍ وواضحٍ في شرطٍ ملتبسٍ بالغ التعقيد دون أن نَحْفَل بتشخيصه للوضع. بل غالبًا ما نسارع إلى إعلان تبرُّمِنا من خطابه الذي نجده مُركَّبًا ولا نخفي توجُّسَنا منه. وما إن يحاول بعضُ المثقفين المساهمة في النقاش العام بمساءلة القناعات العامّة والأفكار الرائجة، والذهاب بالتحليل أبعد من الشعارات المرفوعة، حتى يُصْلَبونه بلا رأفة.

من المؤسف أن العديد من الفاعلين في المجتمع من سياسيين ونقابيين وشبيبة مناضلة ينظرون إلى المثقف وكأنه حائط قصير يمكن بسهولة القفز عليه وتجاوزه. يطالبونه بأن يكون بوقًا للجماهير، دون أن يُشوِّش على ثوابتها، أو يزرع بذورَ الشك في قناعاتها العمياء.

المثقف النّقدي الذي يطرح الأسئلة، ويناقش البديهيات، ويراجع المسلّمات، غيرُ مرحّبٍ به في مجتمعات الإجماع التي لا تقبل الرّأي المخالف

الجماهير تحتاج إلى مثقف يبجلها وتُبجّله، يمالئُها وَتُقدّسه باعتباره الطليعةَ وحامل اللواء. تحتاجُ مسمّعًا لمواقفها وصدىً مجلجلًا لشعاراتها. تحتاج مَن يُسوِّغ مطالبها ويُشرعِن نزوعاتها الطائفية حينًا، القطاعية تارةً، والشعبوية أحيانًا. لذا، تجدها تُعلي من شأن هذا الصنف من “المثقفين” المُلتحِمين بها مهما كان خطابهم ضحلًا ورؤيتهم ضيقة. وأخشى أن هذا هو المثقف “العضوي” الذي تتغنّى به الجماهير في بلادنا وتهتف باسمه.

اقرأ أيضا: عبد الله العروي… صاحب “الإيديولوجيا العربية المعاصرة”

أمّا المثقف النّقدي الذي يطرح الأسئلة، ويناقش البديهيات، ويراجع المسلّمات، فغيرُ مرحّبٍ به في مجتمعات الإجماع التي لا تقبل الرّأي المخالف. وكلّما كان المثقف حرًّا حريصًا على استقلاليته، رافضًا الارتماء بين أحضان السلطة من جهة، مستنكفًا في الآن ذاته أن يتملَّق الجماهير ويدغدغ مشاعرها، فإنه يصير منبوذًا من طرف الجميع. وكثيرٌ هي نماذج المثقفين في المغرب الذين تعرّضوا لاضطهاد مزدوج من طرف السلطة والجماهير معًا.

المثقف مقيمٌ في كُتبه، وكل من يبحثُ عنه في أماكن أخرى إنّما يُزايِدُ عليه

في عزّ حركة 20 فبراير التي قادت إلى تغيير الدستور في المغرب في 2011، جاءني بعضٌ من شبيبة الحركة مُحَيّين خروجي معهم في المظاهرات في وقتٍ “اختار فيه المثقفون المغاربة بكل جُبنٍ التراجع والانزواء” على حدّ زعم أحدهم.

كان واضحًا أنّ الشباب تعرّفوا عليَّ أساسًا بسبب البرامج الثقافية التي أقدّمها في التلفزيون. وبما أنني كنتُ مُحاطًا في المظاهرة بنخبة من مثقفي المدينة ممن اختاروا الخروج مع شباب 20 فبراير توقًا للتغيير، بادرتُ إلى تقديمهم للشباب واحدًا واحدًا: هذا فلان الروائي المعروف، وذاك علان الباحث المرموق في علم الاجتماع. هذا كاتب مسرحي، والآخر صاحب تآليف مهمة في الفكر والفلسفة.

ارتبك الشباب الثائر قليلا، خصوصًا وأنهم لم يستدلّوا على أيّ من رفاقي، لا اسمًا ولا صفةً، مع أنني كنتُ أقدّم مع كل كاتبٍ نبذة صغيرة عنه وعنوان مؤلَّفَهُ الأبرز. كان واضحا أن أصحابنا لم يقرأوا لأيٍّ من كُتّاب مدينتهم حرفًا. هل لأنّهم مناضلون مستغنون عن القراءة بالنضال؟ لكن، كان أيضًا مِن بين هؤلاء الكُتّاب من أدّى ضريبة النضال باهظةً سنوات الرصاص.

ما إن يحاول بعضُ المثقفين المساهمة في النقاش العام بمساءلة القناعات العامّة والأفكار الرائجة، والذهاب بالتحليل أبعد من الشعارات المرفوعة، حتى يُصْلَبونه بلا رأفة

منذ تلك الواقعة، وأنا أتعامل بارتياب مع الذين يذرفون دموع التماسيح على غياب المثقف. فأغلبهم ممّن غيَّبوا الثقافة، لغةً وتحليلًا، واستغْنَوا عنها بالشعار. وكلما وجدوا أنفسهم في ورطة سياسية طفِقوا يستصرخون المثقف وكأنه نبيٌّ منقذ. المثقف بالنهاية مجرّد مواطن مِهنتُه حينما يكون مفكّرًا بلورةُ الأفكار، وحينما يكون أديبًا صياغةُ الوجدان.

اقرأ أيضا: فاطمة المرنيسي… أجنحة “واقع المرأة” الذي حلقت به إلى الحلم! 2/1

قد يمارس الالتحام بالجماهير، أنّى شاء وبالأسلوب الذي يناسبه، مِن موقع المواطَنة. لكنَّ عنوانَه الثابت لمن يطلبُ لقاءَه، فهو مُنْجَزهُ الفكري والأدبي.

المثقف مقيمٌ في كُتبه، وكل من يبحثُ عنه في أماكن أخرى إنّما يُزايِدُ عليه. فمن غير المقبول أن نطالب المثقف بأدوار دونكيشوتية لا قِبَل له بها فيما نحن عاجزون تمامًا عن الخطو باتجاهه بسبب عزوفنا التّام عن القراءة.

لكي نلتقي المثقف، علينا أن نكون قرّاء أوّلا، قرّاء بالأساس. لكي نلتقي المثقف، يجب أن نكون قد اكتسَبْنا عادة الذهاب إلى الخزانة والمكتبة والكتاب.

تأثير المثقف في المجتمع بطيءٌ في العادة، لأنه يكتبُ وينتظرُ أن يقرأ الناس ما يكتب ويستوعبوه ليصير لفكرته بعض الأثر. أمّا المثقف الصدى – صدى صوت الشعب – الذي يخرج من قمقمه في لحظات الضيق ليعانق أحلام الجماهير ويغازل شعاراتها ويفوز بهتافها وتصفيقها، فهو وجهٌ آخر لأزمة المثقف وإعلانٌ صريحٌ عن إفلاس دوره النقدي.

يكون المثقف نقديا أو لا يكون. والأنظمة في منطقتنا – بسبب من طبيعتها غير الديمقراطية – ترفض النقد وتحاصِرُه. والمصيبة هي أن شعوبنا ليست أفضل حالًا.

شاهد أيضا: فيديو: واسيني الأعرج وزينب الأعوج في بيت ياسين عدنان

 

ملحوظة: تم تقديم هذه الورقة في إطار المهرجان الثقافي “اقرأ عالمي” (Read my World) الذي نظم في أمستردام خلال أكتوبر 2019

تعليقات

  1. يوسف لمسلم

    تحية وبعد.
    قد لا نتوافق على تعريف دقيق ل “ماهية المثقف”. لكن، قد نتفق على أن ما نسميه مثقفا، هو بالضرورة حامل لمشروع فكري ما. فقيل الحديث عن “المثقف العضوي” علينا الحديث عن المشروع الفكري لهذا المثقف.
    أتساءل الآن، عن مشروعك الثقافي، السيد ياسين عدنان؟ لندع عملك الإعلامي، أدوارك التحكيمية مع لجان تشرف على جوائز في القصة وغيرها، شعرك البسيط الذي تحول بقدرة الصداقة إلى أعمال مسرحية، روايتك التي لم تنل غير ترويج إعلامي..لندع أيضا خصاماتك..
    ما هو مشروعك الفكري؟ هل أنت عبد العروي؟ الجابري؟ محمد سبيلا؟ كيليطو؟.. من تكون؟
    أم أنك الإعلامي المبتدئ كما وصفك يوسف زيدان؟
    لنعد إلى نقطة الجماهير. ألم تطلب يوما دعم الجماهير حينما كانت القناة الأولى ستوقف بث راتبك؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *