سناء العاجي الحنفي: كلهم سعد المجرد – عن أنسنة الوحش - Marayana
×
×

سناء العاجي الحنفي: كلهم سعد المجرد – عن أنسنة الوحش

كيف نقوم بأنسنة الوحش وننسى الضحية؟
“سعد المجرد مسكين لأنه سيصير أبا قريبا”. “مسكين لأن زوجته تحبه”. “مسكين لأن أبواه طيبان”…
لكنه “مسكين” متابع في أكثر من قضية اغتصاب مع العنف.
فماذا عن ضحاياه، من رفعن دعوات منهن ومن لم يجرأن على ذلك؟

سناء العاجي الحنفي Sanaa El Aji El Hanafi
سناء العاجي الحنفي

منذ صدور الحكم الاستئنافي في حق سعد لمجرد بعشر سنوات سجنا نافذا بتهمة اغتصاب لورا بريول، وأنا أتابع مصدومة ومفجوعة، سيل التعليقات المتضامنة معه.

“عشر سنوات؟ المسكين! ضاعت مسيرته! إنه ضحية مؤامرة”.

وسائل إعلام ومواقع وصفحات كتبت متحسرة عن ضياع فرحته، المسكين، بالتوأم الذي ينتظره مع زوجته.

فكرت: جزء كبير من المساجين ممن سرقوا وقتلوا، تركوا أطفالا أو زوجات حوامل أو أباء وأمهات طيبين، فهل نقول حينها إن لا داعي لأن نعاقبهم؟ أليس هو نفس المنطق؟

ببالي، كان سؤال واحد يتكرر: ماذا عن الضحية؟ ماذا عن لورا؟ (وماذا عن ضحايا أخريات محتملات؟)

القضية تعود إلى 2016. عشر سنوات كاملة. عشر سنوات كان سعد لمجرد خلالها، خارج فترات الاعتقال القليلة، يغني، يظهر في الإعلام، يسافر، يحيي الحفلات. تزوج أيضا. عاش أجزاء واسعة من حياته محاطا بالحب والدعم والجمهور والنجومية.

وهي؟ كيف مرت عليها هذه السنوات العشر؟

كيف نقوم بأنسنة الوحش وننسى الضحية؟ “مسكين سيصير أبا قريبا”. “مسكين زوجته تحبه”. “مسكين أبواه طيبان”… لكنه “مسكين” متابع في أكثر من قضية اغتصاب مع العنف. فماذا عن ضحاياه، من رفعن دعوات منهن ومن لم يجرأن على ذلك؟

كيف تعيش امرأة عشر سنوات وهي مطالبة، في كل مرة، بأن تروي تفاصيل أكثر ليلة عنفا في حياتها؟ كيف تعيش وهي تعرف أن ملايين الأشخاص لا يرون فيها ضحية محتملة، بل امرأة جاءت لكي “تدمر نجما” يحبونه؟

كيف ينشر الإعلام تفاصيل قضية الابتزاز ولا يذكر أن المحكمة برأت لورا بريول منها؟

يمكن لمحاميي سعد المجرد أن يستعملوا كل طرق الطعن التي يتيحها القانون. لكن ما يثير غضبي ليس النقاش القانوني. ما يثير غضبي هو هذا الاستعداد المذهل عند كثيرين لكي يتحولوا فورا إلى محامين عن الرجل، بينما لا يكادون يرون المرأة الضحية.

والأسوأ هو أولئك النجوم الذين يكتبون: “أعرفه، إنه شخص طيب”. وكأن ذلك يكفي لكي نلغي عشر سنوات من المحاكمة والأدلة وعشرات المحاولات من محامييه لتبرأته. سعد المجرد نفسه اعترف في إحدى جلسات المحكمة بأنه عنَّف لورا وأنه لم يكن يدرك أنها تألمت كل ذلك القدر. بل أنه اعتذر لها في المحكمة.

الأسوأ أيضا هو تلك الجملة التي تتكرر منذ بداية القضية: “ولكنها ذهبت معه إلى غرفته”.  ذهبت معه إلى غرفته، إذن ماذا كانت تنتظر؟ ذهبت إلى الفندق، إذن كانت موافقة. قبلت أن تكون معه، إذن لا يحق لها بعد ذلك أن تقول لا.

هنا تكمن الكارثة الحقيقية: نحن ما زلنا نعاني خللا عميقا في فهم معنى التراضي.

متى ندرك أن التراضي يفترض أن يكون خلال كل مراحل العلاقة. ليس لأن امرأة ذهبت مع رجل إلى غرفته فقد تنازلت عن حقها في جسدها. ليس لأنها قبّلته فقد وافقت على كل ما سيأتي بعد القبلة. ليس لأنها بدأت علاقة جنسية، فقد أصبح ممنوعا عليها أن تغير رأيها.

يمكنها أن تقول نعم، ثم تقول لا. يمكنها أن ترغب في شيء، وترفض شيئا آخر. يمكنها أن تتوقف في منتصف الطريق. يمكنها أن تقول: لا أريد أن أكمل. ومنذ اللحظة التي تقول فيها “لا”، تنتهي الموافقة وينتهي التراضي.

حتى في قضية سان تروبيه، التي تعود إلى سنة 2018 (وهي قضية مختلفة تماما، صدر فيها حكم ابتدائي بخمس سنوات في مايو الماضي، وقد استأنفه سعد المجرد ومازال الحكم النهائي لم يصدر بعد)، كانت إحدى النقاط التي ذكرتها غرفة التحقيق الفرنسية بوضوح أن مجرد دخول امرأة غرفة رجل لا يعني تلقائيا موافقتها على علاقة جنسية.

قبل ذلك كانت هناك اتهامات أخرى. في الولايات المتحدة، وُجه إليه سنة 2010 اتهام بالاغتصاب والاعتداء الجنسي؛ وانتهت الإجراءات لاحقا بعد تسوية مالية مع المشتكية. وفي المغرب، اتهمته امرأة باعتداء جنسي يعود إلى سنة 2015، لكن ذلك الملف انتهى بقرار بعدم المتابعة.

هنا، يصبح من الصعب أن نتظاهر بأننا أمام واقعة معزولة أو الحديث عن مؤامرة أو ظلم.

كيف يمكن أن نتعامل مع كل هذا وكأنه لا يستحق حتى التوقف والتساؤل؟ كيف يصبح رد فعلنا التلقائي هو البحث عن الأعذار للرجل، وعن الثغرات في سلوك النساء؟ كم امرأة يجب أن تتكلم حتى نقرر الإنصات؟ كم قضية يجب أن تصل إلى القضاء؟ وكم حكما يجب أن يصدر؟

لا يتعلق الأمر بسعد لمجرد وحده. يتعلق الأمر بثقافة كاملة في التعامل مع العنف الجنسي. نحن نعرف السيناريو مسبقا. حين تقول امرأة إنها تعرضت للاغتصاب، يبدأ التحقيق الشعبي معها هي: لماذا ذهبت معه؟ لماذا شربت؟ لماذا لم تصرخ؟ لماذا لم تهرب؟ لماذا تأخرت في تقديم الشكوى؟ لماذا واصلت حياتها بعد ذلك؟

وإذا كان الرجل مشهورا، تضاف أسئلة أخرى: هل تبحث عن المال؟ هل تريد الشهرة؟ هل تريد الانتقام منه؟

كأن الجريمة الوحيدة التي نستطيع تصديقها هي التي يقوم بها ذلك المغتصب الشرير في زقاق مظلم حيث الضحية وحيدة.

وكأن الجريمة الوحيدة التي نستطيع تصديقها هي تلك التي ترتكب ضد امرأة “مثاليةّ”: لم تشرب نبيذا، لم تخرج ليلا، لم تعرف الرجل، قاومت حتى الموت، قدمت الشكوى في الدقيقة نفسها، ولم ترتكب بعد ذلك أي خطأ في حياتها.

المثير أيضا أن الشهرة تبدو، في المخيال الجماعي، وكأنها قرينة براءة.

إنه سعد لمجرد. جميل. ناجح. غني. محبوب. نجم عربي كبير. وكأن الوسامة تحمي من ممارسة العنف. وكأن المال يمنح شهادة حسن سلوك. وكأن الرجل الذي يستطيع الحصول على إعجاب آلاف النساء لا يمكن أن يغتصب امرأة.

متى ندرك أن الاغتصاب لا علاقة له بالجنس؟ الجنس يكون بالتراضي، بينما الاغتصاب يصنع استمتاع المغتصب بجبروته وقوته. لذلك نجد الكثير من المشاهير والأغنياء والسياسيين والصحافيين يتابعون في تهم اغتصاب. لديهم إمكانية الحصول على الجنس بالتراضي أو مقابل المال. لكن ما يريدونه حقا ليس المتعة الجنسية، بل الاستمتاع بالسلطة التي يملكونها اتجاه الضحية، إذلالها، إحساسها بالضعف وإحساسهم بالقوة والانتصار.

لهذا أجد الدفاع الشعبي المستميت عن الجاني في قضايا العنف الجنسي مخيفا، خصوصا حين يكون الجاني شخصا مشهورا. حتى حين تتكاثر القضايا ضده. حتى حين يعترف. حتى حين تكون هناك فيديوهات توثق جرائمه. حتى إذا تحدثت عشرات الضحايا.

ليس فقط لأنه يظلم الضحية الموجودة أمامنا. بل لأنه يوجه رسالة إلى كل ضحية أخرى.

رسالة تقول لها: انظري ماذا سيحدث لك إذا تكلمت. سيبحثون في حياتك. سيحققون في لباسك. سيحللون صورك. سيسألون لماذا ذهبت معه. سيقولون إنك كاذبة. سيأتي ملايين الأشخاص للدفاع عنه لأنهم يحبون أغانيه. وسيصبح هو الضحية.

ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا لا تبلغ النساء عن الاغتصاب؟ لماذا يصمتن؟ لماذا ينتظرن سنوات؟

ربما لأننا نعلّمهن كل يوم أن ثمن الكلام قد يكون فادحا.

لأننا نقول لهن إن عليهن ألا يثبتن فقط أن اعتداء جنسيا وقع عليهن، بل عليهن أيضا أن يثبتن أنهن نساء صالحات بما يكفي لكي نصدقهن.

وأكثر ما يثير غضبي اليوم هو هذا الانقلاب الكامل في الأدوار.

رجل أدين ابتدائيا وفي الاستئناف بالاغتصاب، ومدان ابتدائيا في قضية أخرى بنفس التهمة. ومع ذلك، نجد أنفسنا أمام مأساة عنوانها: ماذا سيحدث لسعد لمجرد؟ ماذا سيحدث لزوجته؟

وأنا أكرر السؤال: ماذا حدث للورا طوال عشر سنوات؟ ماذا خسرته هي؟ ماذا فعلت بها القضية؟ ماذا فعل بها التشهير والتشكيك والسب؟

لماذا نملك كل هذا المخزون من الرحمة تجاه رجل مشهور، ولا نحتفظ بالقليل منه لامرأة قالت إن جسدها انتُهك؟

لسنا مطالبين بكراهية سعد لمجرد.  لكن يفترض، على الأقل، أن نكون قادرين على التمييز بين إعجابنا بفنان وموقفنا من العنف ضد النساء. أن نحب أغنية لا يعني أن ندافع عن صاحبها مهما فعل. وأن يكون الرجل نجما لا يجعل جسد المرأة التي تدخل معه غرفة فندقه ملكا له.

التراضي ليس الدخول إلى الغرفة. التراضي موجود ما دام الطرفان يريدان الاستمرار. وحين تقول امرأة: لا، أو تتوقف عن الموافقة، فالمطلوب ليس تأويل “لا”؛ بل المطلوب التوقف.

وإذا كنا فعلا نريد أن نشجع ضحايا العنف الجنسي على الكلام والتبليغ، فعلينا أولا أن نسأل أنفسنا ماذا نفعل بالنساء اللواتي تجرأن بالفعل على الكلام. لأننا لا نستطيع أن نقول للضحايا: تكلمْن وبلغن عن العنف الجنسي، ثم، عندما تتكلم إحداهن، نحولها هي إلى متهمة.

ثم، لنتساءل فقط: ماذا لو تمت متابعة فنانة مغربية مشهورة، تم إلقاء القبض عليها في فندق رفقة شاب التقته في ملهى بباريس، في وضعية سكر وتعاطي الكوكايين. مهما كانت التهمة، هل كنا سنجد من يدافع عنها؟

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *