×
×

الطائفية في لبنان… لعنة أزلية؟ 5/2

يبدو وفق المفكر الفلسطيني أنيس الصايغ أن الطائفية ستبقى ولو تغير شكل المجتمع اللبناني، ذلك أنها قد أصبحت متمرسة بالذات والشخصية اللبنانية… قول يرد الأكاديمي اللبناني فؤاد شاهين، بأن القبول به، يقود إلى الاعتقاد بالتجمد التاريخي والاجتماعي!

بعد الجزء الأول الذي تعرفنا فيه على الطائفية والمقصود بها، على النحو الذي جعل لبنان، على امتداد تاريخه، على حافة المآسي دائما؛ في هذا الجزء الثاني، نتابع الجذور التاريخية الأولى لظهور الطائفية في لبنان.

إذا سألت اللبنانيين عن أجدادهم، قال بعضهم نحن فينيقيون، وقال آخرون نحن إغريق. في الحالين، يتجه هؤلاء نحو الغرب في ما مغزاه التأكيد على الهوية المتوسطية.

غير أنه… هناك آخرون، ولنقل معظم المسلمين، سيقولون إن أصولنا عربية، وقد يعودون بهذه الأصول إلى القبائل الكبرى في شبه الجزيرة العربية.

أما آخرون، فسيقولون نحن مسيحيون ومسلمون على السواء؛ لقد جئنا من اليمن، وذلك لكي يؤكدوا على عروبتهم الأصيلة[1].

خلال الحكم الأموي، استقرت روافد سكانية عديدة في لبنان، مثل أتباع القديس مارون الذين نزحوا من نهر العاصي إلى جبل لبنان القديم.

الواقع أنه حين ظهر الإسلام، كانت المناطق المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط، كسوريا ولبنان وفلسطين، مسرحا للانشقاقات الدينية في الأوساط المسيحية.

… والمناطق اللبنانية، كغيرها، كانت تشكل ولاية من الولايات البيزنطية مع نوع من الإدارة الذاتية.

ولاية، كان سكانها مزيجا من أقوام متعددة، من بينهم العرب في سهل البقاع، وقد كان معظمهم يدين بالمسيحية، لا سيما منذ قسطنطين الأول (272-337م).

اقرأ أيضا: الترجمة إلى العربية: حين أدرك العرب أن العلم وحده المدخل إلى حياة الحضارة 4/1

الذي يهمنا أنه، حتى حين دخل الإسلام هذه المناطق، لم يكن هناك أي ترابط قومي أو حتى شبه قومي فيما بين سكانها، يقول الأكاديمي اللبناني فؤاد شاهين في كتابه “الطائفية في لبنان… حاضرها وجذورها التاريخية والاجتماعية”.

كانت هنالك، وفق شاهين، جماعات مسيحية متناحرة، بعضها تعاون مع المسلمين، والبعض الآخر وقف إلى جانب البيزنطيين واشترك في الحرب ضد العرب…

حين صار الأمر إلى المسلمين، استوطن عدد كبير منهم في الساحل اللبناني، قصد تحصينه ضد محاولات البيزنطيين في جعل الجبال اللبنانية قلاعا تنطلق منها مناوشاتهم…

لم يمر وقت طويل حتى اندلع الصدام بين السكان المحليين النصارى، والقبائل الوافدة عليهم… ودائما ما كان النصارى ينهزمون في المعارك تلك… ثم في النهاية، اضطروا إلى الانطواء داخل قراهم الجبلية.

حلوا أساسا في معظم المدن الساحلية كطرابلس، جبيل، بيروت، صيدا، صور، وأيضا في بعض المدن الداخلية مثل بعلبك، التي نالت اهتماما كبيرا حينذاك.

خلال الحكم الأموي، استقرت روافد سكانية عديدة في لبنان، مثل أتباع القديس مارون الذين نزحوا من نهر العاصي إلى جبل لبنان القديم.

المؤرخ اللبناني علي عبد فتوني يرى في كتابه “تاريخ لبنان الطائفي”، أن التسامح الديني الذي أوجده الأمويون ربما يكون قد أسهم في تكوين الطائفة المارونية شمالي لبنان.

اقرأ أيضا: دولة “الإسلام”: من العدل والرحمة إلى الجور والاستبداد… حكم “السفاح المبيح” 3/3

فيما بعد، قام الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بنقل عدد من القبائل العربية في حلب (سوريا) إلى شواطئ لبنان، وأبرزها قبائل التنوخيين…

كما أنه أقطع للأميرين منذر بن مالك وأخيه أرسلان، زعيما قبائل لخم شمال سوريا، مقاطعات واسعة من أراضي لبنان.

ذلك ما مَثّل في الواقع، يقول فتوني، بدايةَ هجرات واسعة لقبائل عربية، انتقلت إلى المناطق اللبنانية لحمايتها من غزوات البيزنطيين ثم الصليبيين.

قام الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بنقل عدد من القبائل العربية في حلب (سوريا) إلى شواطئ لبنان، وأبرزها قبائل التنوخيين…

لكن، لم يمر وقت طويل حتى اندلع الصدام بين السكان المحليين النصارى، والقبائل الوافدة عليهم… ودائما ما كان النصارى ينهزمون في المعارك تلك، التي كان أبرزها معارك نهر بيروت وأنطلياس ونهر الموت وسن الفيل…

ثم في النهاية، اضطر السكان المحليون (المسيحيون) إلى الانطواء داخل قراهم الجبلية.

لكن شاهين يرى أن الاضطهادات الدينية والطائفية، في خضم الانحطاط بعد تفسخ الدولة العباسية، منذ القرن الـ11م وحتى القرن الـ16م، ليست القاعدة التاريخية للطائفية الحديثة في لبنان.

اقرأ أيضا: حركة الحشاشين…أخطر حركة ثورية عرفها التاريخ الإسلامي؟ 4/1

مع أنه لا يمكن، يستطرد متابعا، إهمال تلك التأثيرات البعيدة، خاصة وأن جبال لبنان استخدمت كملجأ للأقلية الهاربة من الاضطهاد، خصوصا في أوقات تقهقر الخلافة العربية وفي عصر المماليك.

خلال عهد الصليبيين، قسمت المناطق اللبنانية إلى عدة إمارات… في هذه المرحلة تعددت التجزئة السياسية، وتعددت المذاهب الدينية، مما فتح الباب على مصراعيه للغزو الأجنبي.

الذي حدث، يقول فتوني، أن الشعب الذي عانى الذل والفقر طوال قرون، لم يكن ليبالي إذا تغير الحاكم. هكذا، لعبت الفوضى السياسية والدينية دورا أساسيا في جعل الطائفية وسيلة تجميع لمعتنيقها.

 استخدمت جبال لبنان كملجأ للأقلية الهاربة من الاضطهاد، خصوصا في أوقات تقهقر الخلافة العربية وفي عصر المماليك.

في هذه الفترة أيضا، لعب الصليبيون دورا مهما في إبراز الطائفة المسيحية، التي صارت تقف منذ ذاك على قدم المساواة مع الطائفيات الأخرى؛ السنية والشيعية والدرزية.

ثم حين صارت المناطق اللبنانية تحت حكم المماليك، سميت الإمارات نيابات، وظلت كل نيابة منهن تشكل دولة مميزة نسبيا عن الأخرى.

هذا التمركز السكاني والتقسيم الجغرافي، الذي ارتدى وجها طائفيا، تسبب في نشوء واقع سياسي ارتكز على استقلالية نسبية لكل طائفة تسيطر على منطقة خاصة بها.

اقرأ أيضا: الوجه الآخر لصلاح الدين الأيوبي… كما رسمته المصادر الإسلامية السنية 1/5

من نتائج ذلك، ما كان يصب في اتجاه الطائفية مرة أخرى، فالعائلات الإقطاعية قد تحولت إلى حكومات محلية مصغرة… وبتحولها ذاك، بدأت تظهر بينها المنازعات القبلية.

ما الذي عناه ذلك؟ أن تتآلف وتتناحر وفقا لمصالحها الخاصة، وليس وفقا لسياسة الدولة الحاكمة… هذا التحول الإقطاعي، يقول فتوني، هو الذي طبع العصر المملوكي، وظل مستمرا فيما بعد في العهد العثماني.

لكن أي سياسة وأي دولة حاكمة؟ ابن تيمية كان قد جعل سيوف المماليك في رقاب المختلفين دينيا وطائفيا عن أهل السنة والجماعة؛ وقد حدثت مجازر كبرى باسم ذلك في جبل لبنان، مثل تلك المعروفة باسم مذبحة كسروان (1305م)، يقول الباحث البحريني أحمد الديري في كتابه “نصوص متوحشة” الذي أشرنا لبعض أجزائه في ملف سابق على مرايانا.

اقرأ أيضا: “نصوص متوحشة”… عن خطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/1

الذي يهمنا أن الطائفية على هذا النحو، كما تابعنا في الجزء الأول، توجد بلبنان منذ القدم. هكذا، يبدو، وفق المفكر الفلسطيني أنيس الصايغ في كتابه “لبنان الطائفي”، أنها ستبقى ولو تغير شكل المجتمع اللبناني، ذلك أن الطائفية قد أصبحت متمرسة بالذات والشخصية اللبنانية.

قول يرد فؤاد شاهين، بأن القبول به، يقود إلى الاعتقاد بالتجمد التاريخي والاجتماعي!

في الجزء الثالث: ما بعد الاستقلال… خطأ تاريخي أم استمرار للعنة؟

لقراءة الجزء الأول: الطائفية في لبنان… من الجذور إلى المأساة 5/1

لقراءة الجزء الثالث: الطائفية في لبنان: إلى ما بعد الاستقلال… خطأ تاريخي أم استمرار للعنة؟ 5/3

لقراءة الجزء الرابع: الطائفية في لبنان… المأساة: الحرب الأهلية 5/4

لقراءة الجزء الخامس والأخير: الطائفية في لبنان… جيل جديد: هل تسقط الأسطورة؟ 5/5


[1] عن هيلينا كوبان، “لبنان… 400 سنة من الطائفية”، ترجمة سمير عطا الله.
تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *