×
×

“نصوص متوحشة”: هكذا وطّد ابن تيمية خطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/4

حين نتحدث عن ابن تيمية، فنحن نتحدث عن واحد من أبرز من صنعوا نصوص التوحش في التراث الإسلامي… عن رجل ما زالت فتاويه تسهم إلى اليوم في إحداث مجازر دينية إذ تستثمرها الجماعات التكفيرية.

نواصل في هذا الملف عرضنا لكتاب الباحث البحريني أحمد علي الديري، “نصوص متوحشة”، الذي يحاول فيه، كما رأينا في الجزء الأول، تفسير السياق التاريخي والسياسي الذي مكن خطاب التكفير من شرعيته الدينية ومن تثبيت أطروحاته ضمن الحس الإسلامي العام.

تابعنا في الجزأين، الثاني والثالث، حكايتي أبي حامد الغزالي وابن تومرت مع “التوحش”. في هذا الجزء الرابع والأخير، نستعرض نموذجا آخر من صانعي خطاب التكفير في التراث الإسلامي، والحديث هنا عن ابن تيمية.

حين نتحدث عن ابن تيمية، فنحن نتحدث عن واحد من أبرز من صنعوا نصوص التوحش في التراث الإسلامي. فتاويه أسهمت في إحداث مجازر دينية ما زالت مستمرة إلى اليوم، إذ تستثمرها الجماعات التكفيرية.

سعى ابن تيمية طيلة حياته أن تكون عقيدة ابن حنبل، العقيدة الرسمية لدولة المماليك… كان يريد القول إن مذهب أهل السلف ليس هو الأشعرية الذي كان سائدا في فترته… لكنه لم ينجح في ذلك!

اقرأ أيضا: التكفير والتطرف… من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب. أصل المأساة!

ارتدت عليه رسالته فسجن مرات عديدة حتى مات في سجن الملك ابن قلاوون، وسيكون ما عبر عنه في “العقيدة الواسطية” و”الفتوى الحموية” وغيره من كتبه، بانتظار لحظة أكثر تطرفا وقسوة، هي لحظة محمد عبد الوهاب، الذي سيجعل من تأويلات ابن تيمية عقيدة رسمية للدولة السعودية الأولى.

كان خطاب ابن تيمية التكفيري يجري وفق محددات السياسة، بمعنى أن ما حددته السياسة كفرا فهو بالنسبة لابن تيمية كفر، ذلك أن أحد مقتضيات الدين لدى أهل السنة والجماعة، عدم جواز الخروج على الخليفة.

حين ولد ابن تيمية عام 661هـ، كان العالم الإسلامي مشتت السلطة المركزية، فالخلافة العباسية سقطت، وكذلك الفاطمية، وانتهينا من الدولة السلجوقية والزنكية والأيوبية، وبات المغول هم المسيطرون على العراق وإيران ويهددون الشام…

هنا ظهر المماليك كقوة جديدة… بدأت سلطتهم الفعلية في مصر ثم اتجهوا إلى الشام بعد ذلك.

تزامن ذلك لاحقا مع دخول المغول الإسلام فبدأ صراع آخر مفاده: نحن مسلمون وأنتم مسلمون، فمن الذي يمثل الإسلام؟ من هو الخليفة ومن يمتلك الشرعية؟

اقرأ أيضا: محمد بن سلمان… من تهمة “أبو رصاصة” إلى تهمة “أبو منشار”

صرنا إذن أمام حرب إسلامية-إسلامية… في قلب هذه الحرب يأتي ابن تيمية.

في معركة شقحب (702هـ) سينتصر المماليك على المغول… كان ابن تيمية بطلا لهذه المعركة.

أرسى مشروعيتها، وأنتج في خضمها الكثير من النصوص التكفيرية المتأثرة بهذا الجو… كان يحث على الجهاد، يساعده صوته الجهوري على ذلك، مفتيا للجنود بإفطار رمضان لتحسين أدائهم.

كان بطلا للمعركة حتى بدا أنه سينازع السلطان في النجومية، فلما خاف الأخير أن ينقلب عليه، جاءت مقولة ابن تيمية الشهيرة: “أنا رجل ملة لا رجل دولة”.

اقرأ أيضا: حسين الوادعي: القاتلون باسم الله

بعد هذا الانتصار، ستأتي سلسلة انتصارات أخرى حد أن بقيت فقط الأقليات المسلمة المصنفة بأنها ليست من أهل السنة والجماعة، التي جعل ابن تيمية سيوف المماليك في رقابها، بإصداره لفتاوى تبيح قتلهم، حدثت باسمها مجازر كبرى في جبل لبنان آنذاك.

أبرز تلك المجازر، تلك المعروفة باسم “مذبحة كسروان”، التي أشارت إليها أغلب المصادر التاريخية المتعلقة بتاريخ لبنان.

لأسباب سياسية، نصوص ابن تيمية مضطربة في التكفير بشكل عام، إذ يمكن أن تكفر وفقها طائفة أو جماعة، كما يمكن أن تنفي عنها التكفير استنادا إلى نصوص أخرى من فتاويه… بيد أن الغالب على نصوصه: الميل إلى التكفير أو الإيحاء به.

أضفى ابن تيمية المشروعية الدينية على تلك المذبحة، ووصلها بلحظة قضاء الخلفاء الراشدين على أهل الردة، ليعطي لهذا الفعل مشروعيته المقدسة الكبرى التي تصله بالسلف الصالح.

شرعن ابن تيمية قتلهم بل وقطع أشجارهم وتخريب عمرانهم. باختصار… أمعن في التوحش والقتل.

في الواقع، كان التكفير لدى ابن تيمية موضوعا سياسيا يتحدد بالموقف من الخليفة، فمن لا يدخل تحت شرعيته يسلط عليه سيف التكفير.

كان خطابه التكفيري يجري وفق محددات السياسة، بمعنى أن ما حددته السياسة كفرا فهو بالنسبة لابن تيمية كفر، ذلك أن أحد مقتضيات الدين لدى أهل السنة والجماعة، عدم جواز الخروج على الخليفة.

عدم الخروج هنا يشمل الجانب العسكري أساسا، والمحددات الكبرى التي يرسيها الخليفة، بخاصة المتعلقة بأعداء الدولة.

اقرأ أيضا: علماء قتلهم الفقهاء… هؤلاء 6 من أهم علماء الإنسانية المسلمين الذين اتهموا بالزندقة والكفر (الجزء السادس والأخير)

إضافة إلى من لا يدخل ضمن شرعية الخليفة، تتسع قائمة التكفير في خطاب ابن تيمية لتشمل:

من رد شرع الله بالكتاب والسنة أو شك فيه أو آمن ببعضه وكفر ببعضه؛ من لم يأت بالشهادتين، أو جحد وجوب شيء من أركان الإسلام؛ من ترك الصلاة؛ من كان ملتزما بأداء أركان الإسلام ولم يقم بها تهاونا أو كسلا، فإن تركها كلية فهو كافر؛ من أنكر معلوما من الدين بالضرورة؛ كل قول يفهم منه الاستخفاف أو الانتقاص أو الاستهزاء بالله وبآياته؛ من سب أحد الكتب المنزلة أو أهانها؛ من سب نبيا معلوم النبوة أو موصوفا بالنبوة؛ الفلاسفة؛ القائلون بوحدة الوجود من المتصوفة؛ الباطنية (الإسماعيلية والروافض والشيعة)؛ المعتزلة (أحيانا) والجهمية.

سيكون ما عبر عنه ابن تيمية في “العقيدة الواسطية” و”الفتوى الحموية” وغيره من كتبه، بانتظار لحظة أكثر تطرفا وقسوة، هي لحظة محمد عبد الوهاب، الذي سيجعل من تأويلاته عقيدة رسمية للدولة السعودية الأولى.

لكننا في الحقيقة، نجد وفق الديري أن نصوص ابن تيمية مضطربة في التكفير بشكل عام، إذ يمكن أن تكفر وفقها طائفة أو جماعة، كما يمكن أن تنفي عنها التكفير استنادا إلى نصوص أخرى من فتاويه… بيد أن الغالب على نصوصه: الميل إلى التكفير أو الإيحاء به.

هذا الاحتراز جاء وفق الديري لأن ابن تيمية وسع من خطاب التكفير لأسباب سياسية…

كان يحصن خطاب التكفير لديه ليحمي نفسه من التصادم مع السلطة السياسية، ولكي لا يفتح على نفسه نار جهنم، خصوصا وأنه فتح هذه النار حين اختلف معها في موضوع تأويل الصفات، وتحديد المذهب الذي يمثل السلفية وأشياء أخرى.

بسبب ذلك وبسبب حكايات أخرى كما أسلفنا الذكر، سجن ابن تيمية أكثر من مرة، حتى إنه توفي في السجن، وكان ذلك عام 728هـ.

اقرأ أيضا: حينما رفس القوم ابن تيمية لتجسيده “جلوس” الله 2/2

توفي أو كذلك نظن… فابن تيمية ما زال إلى اليوم يُدرّس نصوصه في المدارس والجامعات، وما زال يعقد تحالفاته في أروقة السلطة، ويواصل بعض الحكام والجماعات القاتلة، الحكم، بناء على كتب فتاويه، التي جعلوها دستورا.

تلك النصوص المتوحشة ذات الغلاف الديني أنتجت في سياقات سياسية محضة، فظلت صالحة لكل ظرف سياسي مدى الزمان. ما زال البعض يستغلها إلى اليوم في قتل آلاف الأبرياء وفي تدمير الإنسانية، لا لشيء… إلا بحثا عن شرعية للحكم، في زمن بلغ فيه البعض الآخر ما بلغ من الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

لقراءة الجزء الأول: “نصوص متوحشة”… عن خطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/1

لقراءة الجزء الثاني: “نصوص متوحشة”: هكذا أسس أبو حامد الغزالي لخطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/2

لقراءة الجزء الثالث: “نصوص متوحشة”: هكذا وضع ابن تومرت لمسته على خطاب التكفير في التراث الإسلامي 4/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *