×
×

آل سعود ومحمد علي بعيون مغربية: الإصلاح يعلن الحرب على التطرف (1/3)

في هذا الملف، تعود مرايانا للنبش في بعض أوراق الدولة السعودية الأولى، وفي محاولة محمد علي الإصلاحية بمصر.
… هي بعض من حكاية عوالم عربية تسير بسرعتين مختلفتين، وصلتا حد الاصطدام في لحظة معينة، نقترح عليكم بعض أهم عناوينها من خلال شهادة ومشاهدات رجل دولة مغربي، اسمه أبو العلا ادريس.
مغربي… عايش المرحلة وكتب عنها، من داخلها لا من خارجها، وجمع ما كتبه في مخطوط حمل عنوان “الابتسام عن دولة ابن هشام وديوان العبر في أخبار أهل الثالث عشر”.

كان القرن التاسع عشر مرحلة فاصلة في تاريخ المنطقة الممتدة من المحيط الخليج، حيث أيقظتها أصوات مدافع نابليون بونابرت من سباتها ووضعتها أمام تحدي حضاري جديد. دخلت المنطقة، بعد ذلك، في سلسلة من المتغيرات المتسارعة، رسمت خارطة جديدة للشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

هكذا، وبينما كان محمد علي يوطد أسس حكمه في مصر، كان آل سعود يمتدون في الحجاز، قبل أن يقع الصدام بين المصريين والحجازيين، بعدما أمر السلطان العثماني محمود الثاني والي مصر، محمد علي، باستئصال شأفة الدولة السعودية الأولى؛ وهو ما تم له بعد معارك ضارية دامت حوالي سبع سنوات من 1811 إلى 1818.

في هذا الملف، تعود مرايانا للنبش في بعض أوراق الدولة السعودية الأولى، وفي محاولة محمد علي الإصلاحية، لا بعيون الباحثين أو المؤرخين، ولكن بعيون رجل دولة مغربي، اسمه أبو العلا ادريس، عايش المرحلة وكتب عنها، من داخلها لا من خارجها، وجمع ما كتبه في مخطوط حمل اسم “الابتسام عن دولة ابن هشام وديوان العبر في أخبار أهل الثالث عشر”.

“فبقيت مصر وأعلاها إلى أدناها كلها لمحمد علي باشا بلا معارض ولا منازع، إلى أن كانت سنة ست وعشرين (1226هـ/1811) بعث له السلطان من إسطنبول يأمره بالمسير الى الحرمين لقتال الأمير سعود، الذي هاج وهو من بادية نجد بأرض الحجاز، وتبعته أعرابها، واستولى على الحرمين وما ولاها من أرض تهامة، ودعا الناس إلى عقيدته، وقاتل الناس عليها”.

هذا الكتاب لازالت بضع نسخ منه بخط اليد متوفرة في المكتبة الوطنية ومكتبة آل سعود وبعض المكتبات الخاصة، دون أن تجد طريقها للنشر رغم أهمية المخطوط، باعتباره مصدرا مهما لتاريخ المغرب والمنطقة ككل في القرن التاسع عشر.

إقرأ أيضا:مكتبة آل سعود بالدار البيضاء: أزيد من 800 ألف وثيقة في متناول الباحثين

برغم أهمية هذا المخطوط، لم يتناوله المؤرخون والدارسون، إلا ما كان من المؤرخ عبد السلام ابن سودة، الذي أشار في الجزء الأول من كتابه “دليل مؤرخ المغرب الأقصى” إلى أهميته، دون أن يفرده بكثير من التفاصيل؛ حيث أشار إلى أن الكتاب يتناول فترة السلطان عبد الرحمان بن هشام (1789 -1859) السلطان العلوي الرابع عشر. كما أشار المؤرخ عبد الهادي التازي، في مقال له خصصه للمخطوط، إلى كون الكتاب يعتبر مرجعا أساسيا في التاريخ الدولي للمغرب.

وقد أشار ابن سودة إلى أنه لم يقف على تحقيق للمؤلف أبي العلا ادريس، وهو ما أكده المؤرخ عبد الهادي التازي، إذ أن كل ما يتوفر عن المؤلف، هو أنه كان كاتبا للوزير أبو عبد الله محمد بن إدريس العمراوي، وزير السلطان المولى عبد الرحمن والمتوفى سنة 1264/1847.

مرايانا تنفض الغبار عن بعض أجزاء هذا المخطوط النادر وبالغ الأهمية، وتكشف كيف كان ينظر عدد من رجال الدولة والمغاربة عموما لما يجري في الشرق، من تنامي المد الوهابي المتحالف مع آل سعود وتأسيس الدولة السعودية الأولى ونهايتها، إلى محاولات محمد علي الإصلاحية، وكيف تفاعلوا مع هذه الأحداث.

تنويه: حفاظا على الأمانة العلمية، أدرجنا مقاطع كاملة من المخطوط، مع بعض التوضيح لما استعصى من كلمات، وحذف بعض الجمل والفقرات دون أن يمس المعنى، وذلك لضرورات النشر.

عن سير محمد علي إلى آل سعود

يتحدث المؤرخ في مخطوطه “الابتسام”، عن تحرك محمد علي إلى محاربة ثالث أمراء الدولة السعودية الأولى، الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد آل سعود، المعروف بسعود الكبير أو سعود الثاني، بأوامر من السلطان العثماني محمود الثاني، حيث يقول: “فبقيت مصر وأعلاها إلى أدناها كلها لمحمد علي باشا بلا معارض ولا منازع، إلى أن كانت سنة ست وعشرين (1226هـ/1811) بعث له السلطان من إسطنبول يأمره بالمسير الى الحرمين لقتال الأمير سعود، الذي هاج وهو من بادية نجد بأرض الحجاز، وتبعته أعرابها، واستولى على الحرمين وما ولاها من أرض تهامة، ودعا الناس إلى عقيدته، وقاتل الناس عليها”.

إقرأ أيضا: التكفير والتطرف… من ابن تيمية إلى محمد بن عبد الوهاب وسيد قطب. أصل المأساة!

ينطلق المؤرخ بعد ذلك في الحديث عن معتقدات الوهابية وبعض طقوسهم، حيث يبدي امتعاضه من ممارساتهم التي كانت تبدو مرفوضة عنده وعند أغلب مغاربة تلك الفترة، فيقول مواصلا حديثه عن سعود الكبير:

“…وعقيدته والله أعلم مذهب الظاهرية، ذكر لنا أنه كان على مذهب ابن حزم صاحب كتاب النحل، فكان يضرب الناس إذا رآهم يقرؤون دلائل الخيرات، وما في معناه، مما فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويضربهم إذا رآهم يطوفون ويدعون بالدعوات التي يدعوا بها الطائف بالبيت، ويضربهم إذا رآهم واقفين تجاه الحجرة الشريفة، وينهاهم عن التوسل بأولياء الله. ودخل للحجرة الشريفة فأخرج ما كان فيها من دخاير (ذخائر) الملوك، وأزال القناديل الذهب والبسط التي كانت، ثم نثر في الحرم المر، وهدم قباب البقيع كلها، ونهى الناس عن شرب الدخان والتباغ (التبغ) وأكل الحشيشة والجوزة وشرب الخمر، ونهى الحجاج عن تزيين المساجد”.

برغم عدم إفصاحه عن موقفه بشكل مباشر، إلا أن “أبي العلا ادريس” يواصل إبداء امتعاضه عندما يصف سلوكات أتباع الدولة السعودية وعلاقاتهم فيما بينهم، إذ يقول عنهم:

“…وكان أصحابه في غاية التقشف في أكلهم ولباسهم، أعراب لم يتغير حالهم عن عادة البادية، وكان يتبعه من عرب الحجاز كالجراد المنتشر، لا يدعوا بعضهم بعضا كالأبقار، حتى أميرهم كانوا يقولون له يا فلان ويسلمون عليه، ولم يكن يفعل شيئا من هذا الناموس الذي يكون للملوك، إذا رأيته ظننت أنه كواحد من قومه لا يتميز عنهم بشيء.

وكان يقول الدعاء لغير الله شرك وكفر، ونزع القباب والطرابيز على الأولياء، إنما هي بدعة، وكنا نسمع الناس يخبرون عنه أنه يقول لما قتل حمزة عن النبي صلى الله عليه وسلم هل جعل عليه قبة؟ وهل كان شيء مما تجعلونه في مساجدكم في زمانه عليه السلام؟ والوهابية كلهم على مذهب الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه… وكان يبعث أعوانه في أوقات الصلاة عند أذان المؤذن فيأتون الناس ويدخلونهم للمساجد لحضور صلاة الجماعة، ومن امتنع ضربوه بالكرباج (السوط)، وكانوا لا يدعون أحدا يزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وإن وجدوا أحدا تجاه القبر يزور ضربوه”.

 

في الجزء الثاني نلقي الضوء على ما تعرض له مؤلف المخطوط رفقة أسرته في مكة، والحرب التي دارت رحاها بين آل سعود ومحمد علي.

لقراءة الجزء الثاني: آل سعود ومحمد علي بعيون مغربية: التطرف الوهابي يهزم الإصلاح المصري (2/3)

لقراءة الجزء الثالث: آل سعود ومحمد علي بعيون مغربية: هزيمة الوهابية… وانطلاق عملية الإصلاح (3/3)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *