×
×

دولة “الإسلام”: من العدل والرحمة إلى الجور والاستبداد… حكم “السفاح المبيح” 3/3

في هذا الجزء الثالث والأخير نرى كيف تحولت دولة الإسلام من العدل والرحمة الذي تميزت به في بداياتها، إلى دولة جور واستبداد بعد وفاة النبي بقليل.

بعد الجزء الثاني الذي تابعنا فيه كيف وُرّث جاه النبوة لإنشاء ملكيات لا يشغل من يقودونها سوى توسيع الملك ومراكمة الثروات، نتابع في هذا الجزء الثالث والأخير، كيف تحولت دولة الإسلام من العدل والرحمة الذي تميزت به في بداياتها، إلى دولة جور واستبداد بعد وفاة النبي بقليل.

كريم الهاني
كريم الهاني

وقف عمر بن الخطاب وقد بايعه الناس خليفة على منبر النبي بالمدينة، يعد بتحقيق العدل للرعية، فوقف أعرابي يقول: “والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا”، فرد عمر: “الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بالسيف إذا أخطأ”.

كان ذلك عام 20هـ. ثم بعد 25 عاما، وقف معاوية بن أبي سفيان ذات الموقف، يتكلم عن الخلافة، فقام أحدهم يقول: “والله لتستقيمن بنا يا معاوية… والله لنقومك”.

رمق معاوية الرجل غاضبا، تفور عيناه بالشر، وقال: “بِمَ؟”. خاف الرجل واستنجد مازحا يقول: “بالخشب”، فرد معاوية (بخبث): “إن كان بالخشب، نستقيم”.

ثم، عام 75هـ، صعد عبد الملك بن مروان منبر النبي في المدينة خليفةً، بعد أن قتل عبد الله بن الزبير (ابن العوام)، وقال: “والله لا يأمرني أحد بتقوى الله بعد مقامي هذا إلا ضربت عنقه”، ثم نزل!

واضح جدا هذا التغير في خطاب الخليفة!

اقرأ أيضا: في مكة والجاهلية والحج: قصي بن كلاب يؤسس المدنس على المقدس

يرى المفكر المصري فرج فودة في كتابه “الحقيقة الغائبة”، أن عمرا بن الخطاب هو الوحيد في تاريخ الخلافة الإسلامية الذي يمكن أن نطلق عليه وصف “رجل الدين والدولة معا”، بينما لا تجتمع الصفتان لأحد بعد ذلك، فإما أن يكون رجل دين مثل علي بن أبي طالب أو عمر بن عبد العزيز، أو رجل دولة مثل معاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان.

الحقيقة أن المسلمين الأوائل كانوا يمقتون توريث الخلافة.

رفض الخلفاء الراشدون توريث الخلافة، ولما كان عهد معاوية بن أبي سفيان، سعى حثيثا ولأول مرة إلى توريثه، فكانت الصدمة كبيرة حينما ولى ابنه يزيد ولاية العهد.

حسب بعض الروايات، رفض أبو بكر أن يعهد بالخلافة إلى بنيه، وعمر بن الخطاب رفض تولية ابنه عبد الله وحصر أمر الشورى في الخلافة بين ستة، بل وأمر أصحابه بقتل ابنه إن اختلف المسلمون على الخليفة بعده حتى لا يفتتنوا به فيولوه.

أما علي بن أبي طالب، فقد سألوه وهو يحتضر عن مبايعة ابنه الحسن، فقال: “لا آمركم ولا أنهاكم”، وأضاف: “أترككم كما ترككم رسول الله”.

ثم، لما كان عهد معاوية بن أبي سفيان، سعى حثيثا ولأول مرة إلى توريثها، يقول الباحث المصري وليد طوغان في كتابه “مدعو النبوة في التاريخ الإسلامي”… وكانت الصدمة كبيرة حينما ولى ابنه يزيد ولاية العهد.

اقرأ أيضا: عبد الله ابن سبأ… أكثر الشخصيات إثارة للجدل في التاريخ الإسلامي؟ 2/1

معاوية كان يعلم مدى خطورة ما استجد به، فحذر ابنه من ثلاثة؛ الحسين بعد وفاة الحسن، وعبد الله بن الزبير (ابن العوام)، وعبد الله بن عمر (ابن الخطاب)… لم يكن حينذاك سوى هؤلاء أحياء من أبناء الصحابة، ولأنه لا صحابي حي يومها، رأى معاوية أن الأبناء أولى بالخلافة حسب منطقه.

الذي حدث أن هؤلاء رفضوا مبايعة يزيدا خليفةً بعد وفاة أبيه. أما ما حدث بعد ذلك ذات عاشوراء، فمعروف.

من الشورى في اختيار الخليفة إلى توريث الخلافة

وحد الوحي المسلمين، ورعتهم النبوة وجمعت بينهم لما يناهز ربع قرن. لكن، بعد وفاة النبي واجتماع “السقيفة”، ما كان لهم إلا أن يصطدموا بسؤال السياسية… السؤال عن خليفة سياسي.

كان هذا السؤال في وعيهم إشكاليا، يقول المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز في كتابه “النبوة والسياسة”؛ ذلك أن النص الديني لم يسعفهم للعثور على أجوبة قطعية عليه… سعيا للحصول على إجابة سكت عنها النص، سلك المسلمون دروبا تخللتها مجابهات مريرة، لعل أوجع مظاهرها حدث خلال ما عرف بـ”الفتنة الكبرى”.

منذ معاوية، لم يعد الحكم يؤول إلى الأجدر به، وتحول إلى جاه وسلطان، فزادت أموال الأمراء الأمويين وثرواتهم، وتضمنت الدولة الأموية مفارقات عدة كالفقه والترف، السلطة والفتن، الجد والعبث… وكذلك استمر الأمر مع دولة “السفاح”؛ الدولة العباسية.

قدم القرآن مدونة تشريعية مفصلة للمسلمين تشمل معظم مناحي حياة المسلمين الاجتماعية آنذاك. لكنه لم يقدم تشريعا يخص المسألة السياسية يرسم إطار السياسة والسلطة، ويرسي قواعدهما بمقتضى نصوص صريحة.

على أنه، في قراءات لاحقة للمسألة السياسة في الإسلام، قيل إن تشريعا كهذا يوجد في القرآن، ويشار إلى إثباته بآيتي الشورى (“وأمرهم شورى بينهم” و”وشاورهم في الأمر”).

هذه القراءات التي ازدهرت حديثا، يقول بلقزيز، تأثرت في الواقع بالأفكار الليبرالية التي تقوم فيها السلطة على الاختيار الديمقراطي.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي العلوي يكتب: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟

وإذا كانت تقول إن الحكم يتقرر بالاختيار، لا بالتعيين أو التوريث، فإنها لا توضح أمرين أساسيين: نوع النظام السياسي في الإسلام، ومن تشملهم عبارة الشورى من المسلمين.

الحقيقة أن هذا المفهوم التوفيقي كان مفيدا للسياسة والسلطان بعد زوال الخلافة وانقلابها إلى ملك، إذ حررهما، وفق بلقزيز، من “قيد” نظام الخلافة الراشدة، الذي يفترض شرطين أساسيين هما: السبق في الإسلام، والقرابة من النبي.

كان عمر بن الخطاب الوحيد في تاريخ الخلافة الإسلامية الذي يمكن أن نطلق عليه وصف “رجل الدين والدولة معا”، بينما لا تجتمع الصفتان لأحد بعد ذلك، فإما أن يكون رجل دين مثل علي بن أبي طالب أو عمر بن عبد العزيز، أو رجل دولة مثل معاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان.

لكن المفارقة، أن هذا حصل على حساب مفهوم الشورى نفسه، الذي انسحب من السياسة والسلطة، فاتحا بخروجه الباب أمام مبدأ الوراثة في الحكم، منذ تولية يزيد بن معاوية بموجب ولاية عهد.

اقرأ أيضا: من تاريخ الخمر: العصر الأموي… الخليفة يريد إحداث مقصف على الكعبة ليشرب فيه الخمر مع ندمائه! (الجزء السادس)

هكذا، لم يعد الحكم يؤول إلى الأجدر به، وتحول الحكم إلى جاه وسلطان، فزادت أموال الأمراء الأمويين وثرواتهم، يقول وليد طوغان، كما تابعنا في الجزء الثاني، فتضمنت الدولة الأموية (الخلافة الإسلامية) كثيرا من المتناقضات… الفقه والترف، السلطة والفتن، الجد والعبث.

وكذلك كان الأمر بعد ذلك مع العباسيين، الذين ليسوا بحاجة إلى تقديم، وفق فرج فودة؛ ذلك أن الدولة العباسية قدمت نفسها على يد مؤسسها الذي قال على المنبر يوم مبايعته: “إن الله رد علينا حقنا، وختم بنا كما افتتح بنا، فاستعدوا فأنا السفاح المبيح…”.

لقراءة الجزء الأول: النبوة والمسألة السياسية… حين وجد العرب في ادعاء النبوة سبيلا لسياسة الناس! 3/1

لقراءة الجزء الثاني: توريث جاه النبوة: سياسة للناس، توسيع للنفوذ ومراكمة للثروات! 3/2

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *