×
×

توريث جاه النبوة: سياسة للناس، توسيع للنفوذ ومراكمة للثروات! 3/2

بعد وفاة النبي بقليل، زيغ عن الدين والقرآن، واستأسدت تصورات غير حقيقية لسيرته، فرجعت الخلافة إلى وضعها القَبَلي، حيث اندلع الصراع بين قريش والآخرين على أساس أن نسلهم الأحق بالخلافة لكونهم من قبيلة رسول الله، وكان لذلك غاياته كما سنتابع في هذا الجزء الثاني.

بعدما تابعنا في الجزء الأول كيف اعتقد العرب أن النبوة وادعاءها، مدخل إلى سياسة الناس وفرض السلطة عليهم، وكيف استغلت النبوة بشكل عام سياسيا، نواصل هذا الملف في جزئه الثاني، لنرى كيف وُرّث جاه النبوة لإنشاء إمبراطوريات لا يشغل من يقودونها سوى توسيع الملك ومراكمة الثروات.

كريم الهاني
كريم الهاني

يرى المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز في كتابه “النبوة والسياسة”، أنه ما كان للمسلمين أن يظلوا بعد وفاة النبي مجرد جماعة اعتقادية، وأن سؤال من سيخلف النبي، لم يكن سؤالا دينيا، إنما سؤالا سياسيا مفاده من سيخلفه في إدارة شؤون المسلمين.

لكن… لم يمض زمن كثير على وفاة النبي، حتى صارت الخلافة وراثية مع الأمويين لا يختلف فيها الخليفة في شيء عن إمبراطور فارس أو قيصر الروم… يومها، حرص فقهاء البلاط على التأكيد ولو ضمنا أن الخليفة يخلف النبي في حقوقه.

كان الخليفة مركز كل شيء بينما لا يولى إلا بعض الاهتمام للرعايا… وفق الباحث المصري وليد طوغان في كتابه “مدعو النبوة في التاريخ الإسلامي”، تحول العدل والمال والسلطة الدينية ملكا خاصا للخليفة، ومن حقوقه المطلقة، ومن حقوق أبنائه والمقربين منه.

اقرأ أيضا: تساؤلات جديدة حول اجتماع السقيفة

زيغ هنا عن الدين والقرآن، واستأسدت تصورات غير حقيقية لسيرة النبي، فرجعت الخلافة إلى وضعها القَبَلي، حيث اندلع الصراع بين قريش والآخرين على أساس أن نسلهم الأحق بالخلافة، لكونهم من قبيلة رسول الله.

لم تكن الخلافة نظاما دينيا ولم يرد فيها قول بالقرآن، ثم حدث أن باتت بعد ذلك نظاما دينيا، يصفها الفقهاء بكونها “حراسة للدين وسياسة للدنيا”.

في هذا الوقت؛ ظهر حديث: “الأئمة من قريش”، وكذلك كان، فعلى الرغم من تغير الظروف التاريخية والاجتماعية، ظلت الخلافة تورث من نسل قريش على مدى تسعة قرون.

عامة الناس يومها اعتقدت أن هذا من الدين، سنة نبوية وشريعة إلهية، فكان أن انعدمت المشاركة السياسية عن غير العرب…

كل هذا والخلافة لم تكن وفق المصلح المصري سلامة موسى في كتابه “حرية الفكر وأبطالها في التاريخ” نظاما دينيا ولم يرد فيها قول بالقرآن، ثم حدث أن باتت بعد ذلك نظاما دينيا، يصفها الفقهاء بكونها “حراسة للدين وسياسة للدنيا”.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي العلوي يكتب: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟

الممارسة الفعلية ركزت السلطة في العرب، بالضبط في قريش، في عائلة النبي بشكل خاص، على نحو دعم سعي الخلفاء إلى غزو بلاد أخرى حماية لملكهم أو زيادته وزيادة قوتهم.

الحقيقة، يقول المفكر المصري فرج فودة في كتابه “الحقيقة الغائبة”، أن تطبيق الشريعة الإسلامية ليس هدفا في حد ذاته، إنما هو مجرد وسيلة لغاية لا ينكرها أحد من دعاة إقامة الدولة الإسلامية.

على أنه إذا كان البعض يزعم أن “الفتوحات” جاءت لنشر الإسلام، أثبت التاريخ أن هذا الرأي يجانب الصواب…

ظل المصريون، مثلا، لأزيد من ثلاثة قرون على دينهم بعد “الفتح” الإسلامي، وكذلك ظل الكثير على المسيحية في الأندلس طول حكم إسلامي امتد لسبعة قرون تقريبا.

حين أسس معاوية بن أبي سفيان الدولة الأموية بعد 28 سنة من وفاة النبي، كانت إمبراطورية بكل ما تحمله الكلمة من معان، وكذلك كان مع الدولة العباسية.

صحيح أن غير المسلمين لم يضطهدوا على نحو واضح وسمح لهم بمباشرة شعائرهم الدينية، لكنهم تعرضوا للتمييز بينهم وبين العرب… ولم تتوفر لهم إمكانية ممارسة أي حقوق سياسية أو اجتماعية.

هذا ما دفع هؤلاء، بعد فترة من الحكم الإسلامي، إلى تأليف مذاهب دينية خاصة، بل وادعى أكثرهم النبوة وفق طوغان، سواء رغبة في السيطرة أو أملا في الخلاص.

الواقع أن الأمية الثقافية كانت غالبة على معظم البلاد “المفتوحة”. لذا، كان بديهيا أن يتحول المقهورون إلى الإلحاد، أو مقارعة الدين الجديد بتراثهم القديم، ردا على المسلمين الذين احتلوهم بوصف ذلك جهادا في سبيل الله، مع أن “الجهاد” بمعناه اللغوي والدلالي غير هذا تماما.

اقرأ أيضا: الإلحاد في تاريخ الإسلام: حين استنفدت الروح العربية قواها الدينية! (الجزء الأول)

في الفترة المكية من القرآن، دل لفظ الجهاد معنويا على مجاهدة النفس وبذل الطاقة وتحمل المشقة في سبيل الله ودينه ودعوة رسوله.

كان الجهاد في هذه الفترة جهاد نفس لتأكيد الإيمان، ومن ثم تحمل إيذاء “المشركين” فيما يتعلق بالعقيدة وهي بعد في بدايتها.

مدلول اللفظ تحول في الفترة المدنية ليحيل على التضحية بالمال إلى جانب جهاد النفس، دعما للمهاجرين الذين تركوا وراءهم في المدينة أموالهم ونساءهم وأولادهم.

تكفي بعض القراءة في بعض المصادر التاريخية، من بينها “الطبقات الكبرى لابن سعد”، يقول فرج فودة الذي اعتبره كتابا موثوقا، لأخذ فكرة عما خلفه البعض (منهم صحابة) بعد الممات من ثروات هائلة.

لكن، حين لم يتوان “المشركون” عن الشر، ولم يتوقفوا عن إيذاء المسلمين، ورفض المكيون تقديم أي تنازل للمسلمين عامة والمهاجرين خاصة، تغير معنى الجهاد وفق طوغان في القرآن لمرة ثالثة، ليحيل على حرب مقدسة ضد “المشركين”.

على أن الجهاد هنا لم يكن يعني قتال غير المسلم، إنما ألا يبادر المسلمون بالقتل أبدا، فقط أن يردوا العدوان.

عدا ذلك من الآيات… فسر خطأ، يقول طوغان، على نحو متعمد من قبل السلطات السياسية! كان لكل آية تتعلق بالجهاد سياقها الخاص، لا يسري حكمها إلا عليها.

اقرأ أيضا: حركة الحشاشين…أخطر حركة ثورية عرفها التاريخ الإسلامي؟ 4/1

هكذا، حين أسس معاوية بن أبي سفيان الدولة الأموية بعد 28 سنة من وفاة النبي، كانت إمبراطورية بكل ما تحمله الكلمة من معان، وكذلك كان مع الدولة العباسية.

صار حكام الدولتين ملوكا وفق طوغان، يقصدون إلى توسيع ملكهم، وزيادة أعداد رعاياهم، ومن ثم مضاعفة الثروات، فغزوا أكثر البلاد الممكنة، وقهروا أكثر ما يمكن من الناس، كل هذا بعدما أشعلوا حماسة العامة من المسلمين باسم “الجهاد”!

تكفي بعض القراءة في بعض المصادر التاريخية، من بينها “الطبقات الكبرى لابن سعد”، يقول فرج فودة الذي اعتبره كتابا موثوقا، لأخذ فكرة عما خلفه البعض (منهم صحابة) بعد الممات من ثروات هائلة.

في الجزء الثالث والأخير، نرى كيف تحولت دولة الإسلام من العدل والرحمة اللذين تميزت بهما في بداياتها، إلى دولة جور واستبداد بعد وفاة النبي بقليل.

لقراءة الجزء الأول: النبوة والمسألة السياسية… حين وجد العرب في ادعاء النبوة سبيلا لسياسة الناس! 3/1

لقراءة الجزء الثالث: دولة “الإسلام”: من العدل والرحمة إلى الجور والاستبداد… حكم “السفاح المبيح” 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *