×
×

النبوة والمسألة السياسية… حين وجد العرب في ادعاء النبوة سبيلا لسياسة الناس! 3/1من محمد... إلى مسيلمة والأسود وطلحة وسجاح...

حين شاهد العرب حجم السلطة والخضوع الذي يتمتع به النبي محمد، رأوا في ادعاء النبوة أفضل سبيل لسياسة الناس وفرض السلطان عليهم… وحتى من داخل الإسلام، لم يلبث الأمر طويلا بعد وفاة النبي حتى تحول من دين سماحة ورحمة إلى مَلكية أرستقراطية أورثت لنفسها جاه النبوة الذي أجازت لنفسها باسمه شرعية لا حدود لها، كما سنتابع في هذا الملف.

كريم الهاني
كريم الهاني

الإسلام رسالة دينية، لكنه في الوقت ذاته مشروع سياسي… هذه حقيقة لم تكن لتخفى، وفق المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز في كتابه “النبوة والسياسة”، منذ أن اصطدم الخلفاء بمسألة الاستخلاف السياسي، حين شغر منصب الولاية السياسية بغياب صاحب الدعوة.

رغم أن الوعي بهذه الجدلية قديم قدم الإسلام نفسه، إلا أن مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، كان أول من صاغ هذا التعريف للإسلام؛ أي أنه دين ودولة.

الحقيقة أن المسألة السياسية كانت مركزية في الإسلام، وفق بلقزيز، ذلك أنه، كرسالة، احتاج إلى جماعة سياسية تحمله، وإلى سلطان سياسي يوطده وينطق باسمه…

اقرأ أيضا: تساؤلات جديدة حول اجتماع السقيفة

سياسة نبي الإسلام محمد للناس، كانت مرسومة بالوحي يدعمها الله وتنقلها الملائكة، حسبما يراه الباحث المصري وليد طوغان في كتابه “مدعو النبوة في التاريخ الإسلامي”.

لكن، إذ لم يكن بمقدور محمد أن يسوس المسلمين في أمور الله من تلقاء نفسه، فقد قال في أمور الدنيا: “أنتم أعلم بشؤون دنياكم”.

صار النبي، وفق طوغان، مفخرة على غير العرب. بعد فترة، باتت تفهم النبوة كملك يورث، بل واحتج كثيرون بقرابتهم للنبي وبكونهم من عشيرته، قصد الاستحواذ على الحكم وقيادة المسلمين.

كان ثمة فرق بين الوحي وأمور الدنيا، لم يفهمه الصحابة في البدء، ويبدو أن ذلك ناجم عن فهم خاطئ للآية القرآنية: “إن هو إلا وحي يوحى”.

تأويل هذه الآية منطقيا يقول إنها جاءت لتؤكد للناس أن محمدا لا ينطق عن الهوى؛ أي أنه منزه عما زعمت قريش أنه يسعى إليه بدينه ودعوته.

في حقيقة الأمر، آيات كثيرة نزلت في ظروف تتطلب تشريعا معينا، كان النبي لا يعرف كيف يتصرف فيها، فتدخل الإله حتى يرسي مبادئ عامة وخاصة للمسلمين.

آيات أغلبها يبتدئ بـ”يسألونك”، مثل “ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو”، و”يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج”.

اقرأ أيضا: علي اليوسفي العلوي يكتب: الإسلام: دين ودنيا، أم دين ودولة؟

ثم إنه لو كان يوحى إلى النبي في أمور شخصية، لما عاتبه الله بآيات قرآنية نزلت في وقائع محددة، مثلما جاء في آية “يا أيها النبي لِم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك”، أو آية “عبس وتولى، أن جاءه الأعمى”.

هكذا، تصرف المسلمون في البداية وفق هذا الأساس؛ أن النبي ليس إلا بشرا مثلهم، يوحى إليه، لكن، له ما لهم وعليه ما عليهم.

لكن الذي حدث بعد ذلك مناقض تماما لهذا التوجه!

عندما جاءت وفود القبائل العربية لمبايعة النبي في المدينة فيما سمي بعام الوفود، الحقيقة أنها جاءت تخضع لدولة جديدة ولملك جديد، ترغمهم القوة على تنفيذ قوانينه، إذ لم يكن إيمانهم قد استقر بعد.

صار النبي، وفق طوغان، مفخرة على غير العرب. بعد فترة، باتت تفهم النبوة كملك يورث، بل واحتج كثيرون بقرابتهم للنبي وبكونهم من عشيرته، قصد الاستحواذ على الحكم وقيادة المسلمين.

ذاك ما يمكن أن نقتفي أثره في أول مناسبة تتعلق بسؤال الحكم مباشرة عقب وفاة النبي، إذ تروي بعض المصادر كيف أن عمرا بن الخطاب كان واضحا في اجتماع السقيفة، حين تحدث عن السلطان والحكم، بقوله: “من ينازعنا سلطان محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلاّ مدل بباطل أو متجانف لإثم أو متورّط في هلكة”.

ثم، لما مات الخليفة معاوية بن أبي سفيان، كان الإسلام قد تحول من دين سماحة ورحمة، لا فرق فيه لعربي على عجمي إلا بالتقوى، إلى ملكية أرستقراطية يحكمها خلفاء “مختارون من الله”.

اقرأ أيضا: أبو بكر الصديق، عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان: هذه حكايات 9 من أشهر الاغتيالات السياسية في صدر الإسلام.. (الجزء الأول)

حتى إن أحاديث نسبت إلى النبي ظهرت فجأة للتأكيد على أحقية جماعة بالخلافة دون غيرها، أشهرها أن الأئمة من قريش، على نحو يقصر الخلافة في الأمويين ثم العباسيين، ثم في من نسبوا أنفسهم إلى فاطمة بنت النبي.

النبوة، بالمناسبة، ليست حدثا فريدا غريبا، وفق ما يراه المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه “الظاهرة القرآنية”؛ ذلك أنها ظاهرة مستمرة تكررت بانتظام.

هذا التكرار، وبالكيفية نفسها، وفق ابن نبي، يعد شاهدا علميا يمكن استخدامه لتقرير مبدأ وجودها.

لكن، يظل التثبت من صحة هذا الوجود، وفق ابن نبي دائما، مشروطا بالوقائع المتفقة مع العقل، ومع طبيعة المبدأ.

لما مات الخليفة معاوية بن أبي سفيان، كان الإسلام قد تحول من دين سماحة ورحمة، لا فرق فيه لعربي على عجمي إلا بالتقوى، إلى ملكية أرستقراطية يحكمها خلفاء “مختارون من الله”.

الذي حدث بعد ذلك أنه وطدت أركان ملكية إسلامية يحاكي فيها العرب النبوة بالملكية، والحقيقة أن هذا المفهوم وفق طوغان كان قد رسخه اليهود قبل ظهور الإسلام حين وصفوا به أنبياءهم؛ سليمان النبي كان لديهم ملكا، وكذلك داوود…

حتى في حياة النبي، كان هذا المفهوم بالفعل معتقدا لدى الكثير من القبائل العربية…

عندما جاءت وفود القبائل العربية لمبايعة النبي في المدينة فيما سمي بعام الوفود، الحقيقة أنها جاءت، وفق طوغان، تخضع لدولة جديدة ولملك جديد، ترغمهم القوة على تنفيذ قوانينه، إذ لم يكن إيمانهم قد استقر بعد.

كانت النبوة لدى هؤلاء، سلطانا يفرض بحد السيف!

اقرأ أيضا: من اليمن، حسين الوادعي يكتب: من يمثل الإسلام؟

هكذا، تحكي بعض الروايات أن وفد بني حنيفة، لما جاء إلى النبي في العام نفسه، كان معه مسيلمة بن حبيب (وصفه النبي بالكذاب)، الذي كان يعرف بذكائه وطموحه؛ فما أن أسلم الوفد، حتى دفع بمسيلمة في طريق عودته إلى اليمامة، إلى ادعاء النبوة إذ شاهدوا حجم السلطة والخضوع الذي يتمتع به النبي.

كذلك حدث مع آخرين، حيث ادعى الأسود العنسي النبوة في اليمن، وادعاها طلحة بن خويلد من بني أسد، وادعتها سجاح الكاهنة التي تزوجت من مسيلمة لاحقا حتى لا تخرج “النبوة” من بينهما.

كانت “النبوة” إذن مدخلا لسياسة الناس وتثبيت السلطان عليهم!

ففي حين كان الله يريد للإسلام، وفق بلقزيز، أن يكون دينا، أرادته الناس أن يكون سياسة… وأن تصبح السياسة دينا.

فهل يخالف من يجعل الإسلام اليوم دينا ودولة إرادة الله؟

في الجزء الثاني نرى كيف وُرّث جاه النبوة لإنشاء إمبراطوريات لا يشغل من يقودونها سوى توسيع الملك ومراكمة الثروات.

لقراءة الجزء الثاني: توريث جاه النبوة: سياسة للناس، توسيع للنفوذ ومراكمة للثروات! 3/2

لقراءة الجزء الثالث: دولة “الإسلام”: من العدل والرحمة إلى الجور والاستبداد… حكم “السفاح المبيح” 3/3

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *