×
×

ليون الإفريقي… تعميم التعليم والصحة زمن الوطاسيين (الجزء الرابع)

ينقلنا “ليون الإفريقي” من خلال كتاب “وصف إفريقيا”، إلى بعض من أهم تفاصيل النظام التعليمي والصحي بفاس، عاصمة المغرب حينها.
ليون الإفريقي، سيتوقف بكثير من التفصيل عند نوعي التعليم اللذان انتشرا حينها: تعليم المدارس، وتعليم المساجد، كما سينقل الكثير من المعطيات عن النظام الصحي وتعميم الولوج إلى العلاج.
بين الحكايتين، سنتوقف مع حسن الوزان، عند مراحل ازدهار واندحار بلد… من خلال تطور وتدهور الصحة والتعليم فيه.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

توقفنا في الجزء الأول من هذا الملف عند حياة الحسن الوزان في المنطقة الإسلامية، وتناولنا في الجزء الثاني حياة ليون الإفريقي بالعالم الأوروبي، فيما خصصنا الجزء الثالث لما خلفه من إرث فكري، ولبعض الشذرات التي تناول فيها مدينة فاس، باعتبارها عاصمة الحكم المركزي في المغرب آنذاك. نخصص هذا الجزء الرابع لحديث ليون الافريقي عن النظامين التعليمي والصحي بالمدينة خلال الفترة الوطاسية.

اعتمدنا في المقاطع التي نوردها على الطبعة الثانية من الترجمة العربية لكتاب وصف إفريقيا لليون الإفريقي، والتي قام بها كل من محمد حجي ومحمد الأخضر، وصدرت سنة 1982. وقمنا بنشر بعض المقاطع كما هي على اعتبار أنها تشكل وثيقة تاريخية، كتبت بعين رجل عايش الأحداث من موقعين مختلفين، وهي وثيقة أو وثائق يجد فيها المؤرخ ما يفك به بعضا من خيوط الفترة، ويجد فيها القارئ العادي ما يلهب شغف الفضول لديه.

النظام التعليمي بفاس

تحدث الحسن الوزان عن النظام التعليمي بمدينة فاس خلال تلك الفترة، ونستخلص مما ذكره أن التعليم كان يتبع مسارين اثنين: تعليم يتم في المساجد، وآخر يتم في المدارس، التي بدأت بالتطور مع الفترة المرينية.

تعليم المساجد

كانت الدروس في المساجد مفتوحة في وجه الكل، وكانت تخصص في بعض أروقة المسجد كراسي تختلف اشكالها وعدد درجاتها، بحسب خبرة الفقيه أو العالم وأهليته، وغالبا ما كانت هذه الدروس تتعلق بأمور الفقه والحديث.

كانت لهذه الدروس مواقيت خاصة، حيث يقول حسن الوزان إنها تبدأ: “بعد الفجر بقليل، وتنتهي بعد ساعة من شروق الشمس. ولا تلقى الدروس صيفا إلا من منتصف الليل إلى الساعة الواحدة والنصف صباحا”.

تدهور أوضاع الدولة انعكس على تدهور وضع مستشفياتها، فقل عددها ونقصت مداخيلها. يورد الوزان في هذا السياق، أنه لم يبق سوى بيمارستان واحد مخصص لعلاج الغرباء: “لا طبيب فيه ولا علاج. ولا يجد المريض المسكين فيه غير حجرته وطعامه ومن يخدمه إلى أن يموت أو يشفى من مرضه”.

وقد كانت هذه الدروس تتم من طرف الفقهاء الذين بلغوا درجة كبيرة من العلم، فيما كانت تسند دروس أخرى متعلقة بالنحو والحديث إلى فقهاء يشترط فيهم التضلع في موادهم، والإجازة من طرف شيوخ كبار، وكانوا: “يتقاضون عن دروسهم أجورا عالية حسنة وتقدم لهم الكتب والإنارة”.

مدارس فاس

انطلاقا من الفترة المرينية، ستعرف فاس تأسيس عدد من المدارس التعليمية. استمر الأمر ذاته خلال الفترة الوطاسية وما تبعها. وقد بلغ عدد هذه المدارس خلال فترة الحسن الوزان “إحدى عشرة مدرسة للطلاب جيدة البناء …وتحتوي كل مدرسة على عدة حجر، في هذه مائة حجرة أو أكثر، وفي تلك أقل من هذا العدد”.

اقرأ أيضا: مغرب القرن الـ18 بعيون أسيرة هولندية: صراع السلاطين (الجزء التاسع) 

شهدت هذه المدارس إقبالا كبيرا من طرف الطلبة. وقد تنوعت المواد المقدمة فيها، بين علوم الدين والفقه والنحو والمنطق والحساب، وغيرها من العلوم التي كانت معروفة آنذاك، ولكل تخصص عدد معين من السنوات ينتهي بإجازة الطالب في تخصصه.

كانت العملية التعليمية تقوم على أن يقترح الأستاذ نصا تتم قراءته، ويقترح الأستاذ تأويلاته، ثم يفتح المجال للطلبة للنقاش فيما بينهم حول موضوع الدرس، وفي أغلب المراحل كان الأستاذ يكتفي بدور التوجيه والتنبيه.

على غرار المساجد، كان للمدارس نظامها المالي، وكانت مداخيلها بالأساس من ممتلكات الأوقاف، والهبات والتبرعات، كانت تمنح منها أجور الأساتذة. ويتم من خلالها الإنفاق على الطلبة. بحسب ليون الافريقي، فإن النظام المالي للمدارس كان من بين أسباب ازدهارها، مرجعا التدهور الذي عرفته خلال الفترة الوطاسية إلى هذا الأمر، إذ أورد في هذا الصدد ما يلي: كان كل طالب من طلبة هذه المدرسة في الزمن الماضي معفى من مصاريفه ولباسه مدة سبع سنوات، أما الآن فلم يبق له غير السكن … ولم يبق اليوم سوى دخل بسيط يمكن من الاحتفاظ بالأساتذة الذين يتقاضى بعضهم مائتي مثقال، وبعضهم مائة، وبعضهم أقل من ذلك. ولعل هذا أحد الأسباب التي أدت إلى انخفاض القيمة الفكرية”.

تعميم الحق في الصحة…

عرفت فاس أيضا، كما نتابع مع ليون الإفريقي، بنظامها الصحي الذي كان يستفيد منه الجميع، وكان يتم فيه الحرص على تحديث الوسائل العلاجية. وتنقل لنا المصادر أن عددا من البيمارستانات شهدت العلاج باستعمال الآلات الموسيقية.

كانت البيمارستانات لا تخصص لعلاج سكان المدينة فحسب، بل لعلاج الغرباء ومن هم خارج المدينة؛ وكان يقدم لهم السكن المجاني لمدة ثلاثة أيام، كما شيدت بيمارستانات خارج أسوار المدينة، وإن كانت تقل جمالا عن البيمارستانات الداخلية.

كان للمدارس نظامها المالي، وكانت مداخيلها بالأساس من ممتلكات الأوقاف، والهبات والتبرعات، كانت تمنح منها أجور الأساتذة. ويتم من خلالها الإنفاق على الطلبة. بحسب ليون الافريقي، فإن النظام المالي للمدارس كان من بين أسباب ازدهارها، مرجعا التدهور الذي عرفته خلال الفترة الوطاسية إلى هذا الأمر

لكن تدهور أوضاع الدولة انعكس على تدهور وضع مستشفياتها، فقل عددها ونقصت مداخيلها. يورد الوزان في هذا السياق، أنه لم يبق سوى بيمارستان واحد مخصص لعلاج الغرباء: “لا طبيب فيه ولا علاج. ولا يجد المريض المسكين فيه غير حجرته وطعامه ومن يخدمه إلى أن يموت أو يشفى من مرضه”.

توفرت البيمارستانات على جناح خاص للمرضى العقليين: “أي أولئك المجانين الذين يقذفون بالحجر أو يرتكبون أنواعا أخرى من الأذى، يقيدون فيها بالأغلال والسلاسل… وإذا رأى المكلف بتقديم الطعام للحمقى هياج أحدهم انهال عليه بضربات متوالية من عصا يحملها معه دائما لهذا الغرض”.

خارج أسوار المدينة، كانت توجد تجمعات عرفت بالأربضة، خصص بعضها للمصابين بالجذام، حيث كانت السلطات الطبية داخل أسوار المدينة تعزل المصابين بالجذام أو الأمراض المستعصية، خاصة المعدية منها، في أربضة المدن، وتخصص لهم من يشرف على حالتهم، وتتعهدهم بالرعاية إلى وفاتهم.

اقرأ أيضا: ثلثا أطفال المغرب ينهون تعليمهم الابتدائي أميين… البنك الدولي يعتبر المغرب بحاجة إلى “معجزة” لإنقاذ التعليم! 2/1

كان للبيمارستانات مدخولها المتحصل أساسا من الأوقاف والهبات، وكان الناس في تلك الفترة، يتسابقون على وقف أملاكهم على المستشفيات، ومن بين المداخيل أيضا، نجد أملاك بعض المرضى المتوفين ممن لم يخلفوا وريثا. بيد أنه في حال كان الهالك مصابا بالجذام، فإن نصف تركته كان يؤول إلى ربض المجذومين، والنصف الآخر للشخص الذي ترعاه وتعهده.

عائدات المستشفى، كانت توزع على تلبية حاجات المرضى بحيث يقدم لهم: “كل ما هو ضروري لهم بحيث لا يحتاجون إلى شيء”، ويوزع الباقي على الموظفين به “من كتاب وممرضين وحراس وطباخين وغيرهم ممن يهتمون بالمرضى، يتقاضى كل واحد من هؤلاء المستخدمين أجرا حسنا”. وكثيرا من الأحيان ما كان يعمل صغار الطلبة أو المجازون حديثا في إحدى وظائف البيمارستان، وهي تجربة مر منها الوزان الافريقي حيث قال عنها: “ولقد عملت وأنا شاب كاتبا في هذا البيمارستان مدة عامين، حسبما هو معتاد عند صغار الطلبة. وكانت هذه الوظيفة تدر علي مبلغ ثلاثة مثاقيل في الشهر”، والمثقال آنذاك كان يزن 3.853 غرام ذهبية.

بعد أن توقفنا عند النظام التعليمي والصحي نتابع في الجزء المقبل، تفاصيل وجه آخر للمدينة.

يتعلق الأمر بالحانات ودور الدعارة التي أصبحت شبه مقننة في العهد الوطاسي.

تفاصيل ذلك نعرضها في الجزء الخامس.

لقراءة الجزء الأول: الحسن الوزان… العيش بين عالمين (الجزء الأول) 

لقراءة الجزء الثانيبين الإسلام والمسيحية. من الحسن الوزان… إلى ليون الإفريقي (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الثالث: الحسن الوزان/ ليون الإفريقي. “وصف إفريقيا” الذي ملأ الدنيا وشغل الناس (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الخامس: ليون الإفريقي… فاس مدينة الحانات ودور البغاء (الجزء الخامس والأخير)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *