×
×

الحسن الوزان/ ليون الإفريقي. “وصف إفريقيا” الذي ملأ الدنيا وشغل الناس (الجزء الثالث)

يعتبر كتاب وصف إفريقيا، أبرز مؤلفات ليون الإفريقي، وقد أتمه سنة 1526 بمدينة روما.
اعتمد فيه على ما كان من مشاهداته الخاصة، إضافة لما نقله عن بعض المؤرخين والجغرافيين، كابن خلدون والبكري والقيرواني، وغيرهم كثير. وقد تناول فيه شعوب إفريقيا، خاصة بلاد المغرب، وعاداتها وجغرافيتها.
على مدار قرون، كان هذا الكتاب من أكثر الكتب التي أقبل عليها الأوروبيون ترجمة وطبعا ونشرا.
كان العالم الإيطالي راميزو أول من نشره سنة 1550، اعتمادا على نسخة مخطوطة بيد ليون الافريقي، وقد نفذت طبعته فأعاد طبعه ست مرات.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

توقفنا في الجزء الأول من هذا الملف، عند حياة الحسن الوزان في المنطقة الإسلامية، وتناولنا في الجزء الثاني حياة ليون الإفريقي بالعالم الأوروبي. سنخصص هذا الجزء الثالث لما خلفه من إرث فكري، ولبعض الشذرات التي تناول فيها مدينة فاس.

اعتمدنا في المقاطع التي نوردها هنا، على الطبعة الثانية من الترجمة العربية لكتاب وصف إفريقيا لليون الإفريقي، والتي قام بها كل من محمد حجي ومحمد الأخضر، وصدرت سنة 1982.

قمنا بنشر بعض المقاطع كما هي، على اعتبار أنها تشكل وثيقة تاريخية، كتبت بعين رجل عايش الأحداث من موقعين مختلفين؛ وهي وثيقة أو وثائق يجد فيها المؤرخ ما يفك به بعضا من خيوط الفترة، ويجد فيها القارئ العادي ما يلهب شغف الفضول لديه.

الحسن الوزان… مؤلفات بلغات عدة

خلف الحسن الوزان عدة مؤلفات خلال وجوده في المغرب، كما خلف خلال وجوده في أوروبا، مجموعة من الكتب باللغة الإيطالية واللاتينية، تتمحور حول المسلمين وبلدانهم ولغاتهم، منها ما ضاع ومنها ما ظل سليما.

تم جلب عدد من الثريات من كنائس ومواقع مسيحية، واستعمالها في تزيين جامع القرويين، الذي كان يعد من رموز الدولة آنذاك، حيث يورد حسن الوزان ما يلي: “يوقد فيه كل ليلة تسعمائة سراج … وهناك ثريات عديدة من البرونز في كل واحدة منها ألف وخمسمائة مصباح، صنعت من نواقيس بعض المدن المسيحية”.

من كتب الحسن الوزان التي ظلت سليمة، يوجد معجم عربي- عبري-لاتيني، كتبه الوزان للطبيب اليهودي يعقوب بن شمعون، وهو ما يزال مخطوطا بمكتبة الاسكوريال بإسبانيا، إضافة لكتاب في التراجم باللاتينية، عرف فيه بثلاثين شخصية من فلاسفة العرب وأطبائهم، وأخيرا… كتاب وصف إفريقيا باللغة الإيطالية، الذي يعتبر من أهم ما خلف ليون الافريقي، والذي سنتناول حلقات منه.

وصف إفريقيا: قصة كتاب ملأ الدنيا وشغل أوروبا

يعتبر كتاب وصف إفريقيا، أبرز مؤلفات ليون الإفريقي، وقد أتمه سنة 1526 بمدينة روما. اعتمد فيه على ما كان من مشاهداته الخاصة، إضافة لما نقله عن بعض المؤرخين والجغرافيين، كابن خلدون والبكري والقيرواني، وغيرهم كثير. وقد تناول فيه شعوب إفريقيا، خاصة بلاد المغرب، وعاداتها وجغرافيتها.

على مدار قرون، كان هذا الكتاب من أكثر الكتب التي أقبل عليها الأوروبيون ترجمة وطبعا ونشرا. كان العالم الإيطالي راميزو أول من نشره سنة 1550، اعتمادا على نسخة مخطوطة بيد ليون الافريقي، وقد نفذت طبعته فأعاد طبعه ست مرات.

اقرأ أيضا: خيرونة الفاسية… “زعيمة” المذهب الأشعري بالمغرب 

بعدها، قام فلوريان بترجمة وصف إفريقيا إلى اللغة اللاتينية، ونشره في بلجيكا سنة 1556، وهي ذات السنة التي صدرت فيها الطبعة الفرنسية للكتاب بليون الفرنسية، ثم أعيد نشره في بلجيكا بعد سنتين، ونشر في زيورخ، وفي لايد سنة 1564. بينما نشرت الترجمة الإنجليزية للكتاب سنة 1600 في لندن، اعتمادا على الترجمة اللاتينية له، كما أعيد نشره في لايد سنة 1632، ونشرت ترجمة هولندية في أمستردام للكتاب سنة 1665.

سنة 1805 نشرت الترجمة الألمانية للكتاب، اعتمادا على الطبعة الإيطالية الأصلية، كما صدرت ترجمة فرنسية أخرى للكتاب سنة 1830، وسنة 1896 أعيد طبع النسخة الإنجليزية المنشورة بلندن، كما صدرت نسخة فرنسية بتقديم وتحليل شفير.

فاس مدينة المساجد

رغم أن مرحلة الدولة الوطاسية عرفت أزمات عدة، وكان عنوانها الأبرز بداية الانحطاط، إلا أن فاس، وعلى شاكلة مجموعة من المدن المغربية، كانت تعرف نهضة عمرانية ومعمارية، حيث شهدت وجود عدة مساجد فيها، كان لها نظامها الخاص، وهي مؤشرات، ضمن أخرى، تؤكد على نهضة عمرانية وبشرية كانت تعرفها المدينة خلال تلك الفترة.

أورد ليون الافريقي: “وفي فاس حوالي سبعمائة جامع ومسجد … ويوجد من بين هذه الجوامع خمسون كبيرة حسنة البناء”، ولابد في هذا السياق من استحضار الفرق بين المسجد والجامع، فالجامع هو المسجد الذي تقام فيه الصلوات العادية إضافة لصلاة الجمعة، أما المسجد فتقام فيه الصلوات العادية دون صلاة الجمعة.

معمار مستلهم من مؤثرات مسيحية

تميزت المساجد والجوامع أيضا بزينتها ومعمارها، خاصة الأعمدة والثريات التي كادت تكون مظهرا مميزا لمساجد فاس خلال تلك الفترة، وقد استلهمت بعض المؤثرات الفنية والمعمارية من ثقافات وديانات أخرى، ولم يجد المسلمون غضاضة في ذلك.

من كتب الحسن الوزان التي ظلت سليمة، يوجد معجم عربي- عبري-لاتيني، كتبه الوزان للطبيب اليهودي يعقوب بن شمعون، وهو ما يزال مخطوطا بمكتبة الاسكوريال بإسبانيا، إضافة لكتاب في التراجم باللاتينية، عرف فيه بثلاثين شخصية من فلاسفة العرب وأطبائهم، وأخيرا…

من ذلك مثلا، جلبهم لعدد من الثريات من كنائس ومواقع مسيحية، واستعمالها في تزيين جامع القرويين، الذي كان يعد من رموز الدولة آنذاك، حيث يورد حسن الوزان ما يلي: “يوقد فيه كل ليلة تسعمائة سراج … وهناك ثريات عديدة من البرونز في كل واحدة منها ألف وخمسمائة مصباح، صنعت من نواقيس بعض المدن المسيحية”.

مداخيل المساجد بين الوظيفة الاجتماعية والصالح العام

كانت لإمام المسجد وظيفة تدبيرية إضافة لدوره في إمامة الناس خلال الصلاة، إذ كان يشرف على جمع وتوزيع مداخيل المسجد المكونة من أموال الأوقاف والهبات والتبرعات. وكان خاضعا في ذلك للمراقبة إذ كان يحق للناس محاسبته عن مصير أموال الجامع. وقد حفظت لنا كتب النوازل في هذا السياق نوازل عديدة، لقضايا اتهم فيها الأئمة بتبديد أموال المساجد.

اقرأ أيضا: سعيد بن حدو… هذه حكاية مغربي شارك في استكشاف أمريكا!

تتوزع أموال المسجد على أقسام، يخصص قسم منها لصيانة المسجد وتأمين احتياجاته. ويذهب قسم منه إلى القائمين على خدمة الجامع. في هذا الصدد، يورد ليون الإفريقي: “كالمكلفين بتعهد المصابيح الموقدة ليلا، والقائمين بحراسة الأبواب، والمؤذنين الذين يؤذنون للصلاة ليلا من أعلى الصومعة”.

قسم آخر من هذه الأموال يذهب، كما نتابع مع حسن الوزان، لفائدة الأطفال الصغار والفقراء ومساكين المدينة؛ وعادة ما توزع خلال الأعياد ويراعي في توزيعها وضعية الأفراد وتكاليفهم العائلية، وقد تكون المداخيل نقدية أو عينية. كما كان يحق للأفراد تقديم تظلماتهم إلى المحتسب والقاضي في حالة “غبن” لحقهم.

ويخصص قسم آخر من مداخيل المسجد للإنفاق على المساجد التي لا دخل لها. فيما يذهب الباقي من المداخيل للإنفاق على الصالح العام في المدينة، كحفر الآبار وتعبيد الطرق، أو دعم الجيوش المدافعة عن المدينة، وقد ذكر ليون الافريقي في هذا السياق أن ملوك الوطاسيين اعتادوا “في وقتنا الحاضر أن يقترضوا مبالغ ضخمة من إمام الجامع دون أن يردوها إطلاقا”[1].

كانت هذه بعض من مظاهر الاهتمام بالمساجد الي تعكس الحياة الدينية في المدينة خلال فترة الحسن الوزان.

الجزء الرابع من هذا الملف، نخصصه للنظام التعليمي والطبي.

 

[1] – الوزان الحسن بن محمد، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، الطبعة الثانية، الجزء الأول، دار الغرب الإسلامي، ص 223، 224، 225.

لقراءة الجزء الأول: الحسن الوزان… العيش بين عالمين (الجزء الأول) 

لقراءة الجزء الثانيبين الإسلام والمسيحية. من الحسن الوزان… إلى ليون الإفريقي (الجزء الثاني)

لقراءة الجزء الرابع: ليون الإفريقي… تعميم التعليم والصحة زمن الوطاسيين (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء الخامس: ليون الإفريقي… فاس مدينة الحانات ودور البغاء (الجزء الخامس والأخير)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *