×
×

بين الإسلام والمسيحية. من الحسن الوزان… إلى ليون الإفريقي (الجزء الثاني)

سنة 1520، أبحر الحسن الوزان من تونس صوب المغرب، لكن القراصنة الإيطاليين اعترضوا سبيل السفينة قرب جزيرة جربة، وأخذوه أسيرا إلى نابولي، ثم قدم هدية إلى البابا ليون العاشر في روما.
أشرف البابا ليون العاشر على تعميد الحسن الوزان، وتحويله من الإسلام إلى المسيحية، كما تحول اسمه من الحسن بن محمد الوزان الفاسي إلى… يوحنا ليون الإفريقي.

يوسف المساتي:
طالب باحث في علوم الآثار والتراث

توقفنا في الجزء الأول من هذا الملف عند أبرز مراحل حياة الحسن الوزان، وكيف كلفه السلطان الوطاسي محمد البرتغالي بعدد من السفارات.

في هذا الجزء الثاني، نتوقف عند تنقلات الحسن الوزان الخارجية، وتحوله من الإسلام إلى المسيحية، مع الإشارة إلى أننا اعتمدنا على الطبعة الثانية من الترجمة العربية لكتاب وصف إفريقيا لليون الإفريقي، والتي قام بها كل من محمد حجي ومحمد الأخضر، وصدرت سنة 1982. كما راجعنا في بعض الأحيان النسخة الفرنسية التي قدم لها شفير والصادرة سنة 1896.

الحسن الوزان… السفير

بعد أن نجح الحسن الوزان في مهامه الداخلية، أسند إليه محمد البرتغالي عددا من المسؤوليات الخارجية، حيث صحب عمه إلى بلاد السنغال ومالي، التي كانت تعرف آنذاك ببلاد السودان، في سفارة بين ملك فاس محمد البرتغالي وملك سنغاي محمد أسكيا الكبير، سنة 1511.

الوزان ترأس أيضا سفارة محمد البرتغالي إلى السلطان العثماني سليم الأول سنة 1517، حيث حضر لمعارك الأخير ضد مماليك مصر وانتصاره عليهم.

من الحج إلى الفاتيكان

قبل أن يلتقي الوزان بسليم الأول، قام بأداء مناسك الحج، ومن ثم، التقى بالسلطان العثماني سليم الأول، ليقوم بعدها بزيارة لبلاد النوبة (السودان حاليا)، وعدد من الممالك الإفريقية. من هناك، انتقل إلى ليبيا وتونس التي بقي فيها ردحا من الزمن.

عندما أحس الكاردينال دي فيطيرب بدنو أجله، استدعى إلى روما النبيلَ جان ألبير ويدمانسطار، أحد نبلاء بولونيا، ليقابل ليون الإفريقي. لكن، وقبل وصول ويدمانسطار لروما، توفي دي فيطيرب في نفس الوقت الذي اختفى فيه الحسن الوزان سنة 1550، حيث غادر إلى تونس.

سنة 1520، أبحر الحسن الوزان من تونس صوب المغرب، لكن القراصنة الإيطاليين اعترضوا سبيل السفينة قرب جزيرة جربة، وأخذوه أسيرا إلى نابولي، ثم قدم هدية إلى البابا ليون العاشر في روما.

أشرف البابا ليون العاشر على تعميد الحسن الوزان، وتحويله من الإسلام إلى المسيحية، كما تحول اسمه من الحسن بن محمد الوزان الفاسي إلى… يوحنا ليون الإفريقي.

ليون الإفريقي مدرس الخاصة والعامة

كان لسرعة بديهة ليون الإفريقي، ولاحتكاكه سابقا بالأجواء المسيحية أثناء عيشه في غرناطة، دور في تقريب البابا ليون العاشر له؛ إذ أنه كان يرغب في الاستفادة من خبراته في تعليم اللغة العربية للأوروبيين، من أجل ترجمة التراث الفكري والحضاري العربي، في لحظة كانت فيها أوروبا تبحث عن ذاتها وتستعد لنهضتها.

اقرأ أيضا: ابن بطوطة، رفاعة الطهطاوي، ماري ورتلي مونتاغير وجون ليود ستيفنز: نماذج لأشهر الرحالة 2\2

أخذ ليون الإفريقي يعلم اللغة العربية لنخبة رجال الكنيسة في روما ونابولي، كما شاع اسمه في مدرسة بولونيا، حيث كان يعلم العربية لطلبتها من عامة الشعب خلال عصر النهضة الأوروبية.

ليون الإفريقي… اختفاء مفاجئ

بعد موت البابا ليون العاشر، انتقل ليون الإفريقي للعيش عند الكردينال جيل دي فيطيرب، حيث كان يعلمه اللغة العربية، وظل معه إلى أواخر عمره.

عندما أحس الكاردينال دي فيطيرب بدنو أجله، استدعى إلى روما النبيلَ جان ألبير ويدمانسطار، أحد نبلاء بولونيا، ليقابل ليون الإفريقي. لكن، وقبل وصول ويدمانسطار لروما، توفي دي فيطيرب في نفس الوقت الذي اختفى فيه الحسن الوزان سنة 1550، حيث غادر إلى تونس.

هناك، تختلف الروايات، إذ بحسب ما كتاب ويدمانسطار، فإن ليون الإفريقي عاد إلى تونس ورجع إلى الديانة الإسلامية، ولازال يجهل تاريخ وفاته بالضبط… كما يجهل هل ظل في تونس أم عاد إلى المغرب.

الحسن الوزان أم ليون الإفريقي

تشكل المرحلة الأخيرة فترة غامضة من حياة الرجل، حيث يجهل مصيره وما فعله. ما تناسل من أحاديث عن كونه عاد للإسلام، جعل كثيرا من الباحثين يطرحون السؤال: هل حقا عاد للإسلام؟ وهل كان صادقا في تحوله عنه بداية؟ وهل صدق في عودته إليه؟.

كان لسرعة بديهة ليون الإفريقي، ولاحتكاكه سابقا بالأجواء المسيحية أثناء عيشه في غرناطة، دور في تقريب البابا ليون العاشر له؛ إذ أنه كان يرغب في الاستفادة من خبراته في تعليم اللغة العربية للأوروبيين، من أجل ترجمة التراث الفكري والحضاري العربي، في لحظة كانت فيها أوروبا تبحث عن ذاتها وتستعد لنهضتها.

في هذا السياق، يرى محمد حجي أن ليون الإفريقي، كان مجبرا على اعتناق الديانة المسيحية، ويسوق لذلك المسببات الآتية:

         “الصبغة الإسلامية المتجلية في كتاب وصف افريقيا، كلما تحدث المؤلف عن عادة أو عيد أو غير ذلك مما يخص المسلمين، نسبه إلى نفسه مع جماعة المسلمين قائلا “عندنا”، وهذا كثير في الكتاب، بينما لم ينسب لنفسه شيئا مع المسيحيين بخصوص الطقوس الدينية ولو مرة واحدة…

–     اهتمام الكتاب بالملامح الإسلامية في المدن والقرى التي زارها المؤلف، واعتزازه بالتعرف على حملة الشريعة الإسلامية من فقهاء وقضاء ومفتين…

       التواريخ المذكورة في وصف إفريقيا كلها هجرية، إلا مرات قليلة جدا، ورد فيها التاريخ الميلادي…

       تمسك المؤلف باسمه الإسلامي، رغم مرور سنين عديدة على أسره وتداول اسمه المسيحي، فهو حينما يوقع في نابولي أو روما أحد كتبه يقول: “العبد الفقير إلى الله مؤلفه يوحنا الأسد الغرناطي المدعو قبل الحسن بن محمد الوزان الفاسي”[1]

اقرأ أيضا: التاريخ الإسلامي لإسبانيا: التنصير القسري… بداية المحنة! 5\10

قد تبدو هذه المبررات مقبولة، لكن… لا يجب أن نغفل هنا أن الصبغة الإسلامية، هي أيضا أقرب للصبغة المسيحية، وأن نفس السياقات والمبررات الأخلاقية تجمع بينهما. إضافة لذلك، فإن كتاب وصف إفريقيا، والذي استنتج منه الأستاذ محمد حجي هذا الحكم، كان قد تناول المرحلة الإسلامية من حياة الحسن الوزان. وعليه، فلا يمكن أن تقيم الدليل على ما في سريرته خلال مرحلة وجوده في روما، لتبقى هذه المرحلة غامضة، طبعها تشظي الرجل بين انتمائين وهويتين.

هكذا إذن انتهت حياة الرجل. لكن ما خلفه من تراث وإرث، نتعرف على بعض من ملامحه في الجزء الثالث من هذا الملف.

 

[1] – الوزان الحسن بن محمد، وصف إفريقيا، ترجمة محمد حجي ومحمد الأخضر، الطبعة الثانية، الجزء الأول، دار الغرب الإسلامي، ص 11، 12.

 

لقراءة الجزء الأول: الحسن الوزان… العيش بين عالمين (الجزء الأول)

لقراءة الجزء الثالث: الحسن الوزان/ ليون الإفريقي. “وصف إفريقيا” الذي ملأ الدنيا وشغل الناس (الجزء الثالث)

لقراءة الجزء الرابع: ليون الإفريقي… تعميم التعليم والصحة زمن الوطاسيين (الجزء الرابع)

لقراءة الجزء الخامس: ليون الإفريقي… فاس مدينة الحانات ودور البغاء (الجزء الخامس والأخير)

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *