×
×

بين الأسطورة والعلم: الحواس خادعة… كيف غير العلم من إدراك الإنسان للواقع؟ 4/1

حينما نقول “الواقع”، فنحن نقصد كل ما هو موجود ومتحقق… لكن، هل ينبغي لنا أن نقصي أشياء من الوجود فقط لأن حواسنا عاجزة عن إدراكها؟ ماذا، مثلا، عن تلك المجرات البعيدة، أو تلك البكتيريا التي لا يمكن إدراكها بأعيننا المجردة؟ كيف لنا أن نعرف “الواقع” إذن؟

لا أحد منا يعرف حقيقة الواقع كاملة… ولو أننا نعتمد فقط على حواسنا، لكانت معرفتنا عنه ناقصة من أشياء لا تحصى! الذرات مثلا موجودة منذ الأزل، لكننا لم نتعرف عليها وعلى وجودها إلا حديثا. الموجات الهرتزية، كمثال آخر، موجودة وجزء من واقعنا مع أننا لا نسمعها ولا نراها.

ما نعرفه اليوم إذن عن واقعنا لم يكن يعرفه أجدادنا الغابرون. كما أننا، بدورنا، لا نعرف عنه ما ستعرفه أجيال الإنسان القادمة… لهذا وجد العلم! إنسان اليوم محظوظ بالعلم الذي طوره فساعده ليعرف أكثر عن واقعه… لولاه، لاعتمدنا على الأداة القديمة: الأسطورة.

في كتابه “سحر الواقع”، يبحث عالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكينز، في التفسيرات الأسطورية التي وجدها الإنسان منذ الأزل للظواهر المحيطة به، ثم كيف انبرى العلم لاحقا للإجابة عنها.

اقرأ أيضا: الموت خطأ تقني

اعتمادا على ذات الكتاب، نعقد في هذا الملف مقارنات بين الأسطورة والعلم لنعرف كيف تغير إدراك الإنسان لواقعه مع مرور الزمان… لكن، قبل ذلك، لا بأس أن نسائل حواسنا في هذا الجزء الأول.

كريم الهاني
كريم الهاني

حينما نقول “الواقع”، فنحن نقصد كل ما هو موجود ومتحقق… لكن، مهلا، ماذا عن الديناصورات التي نقول بوجودها يوما ما ولم تعد كذلك اليوم؟ أو ماذا عن النجوم البعيدة جدا، التي لا نراها إلا حين تكون قد تلاشت ربما؟ أهي واقع أيضا؟

طيب، كيف نعرف الواقع؟ تلعب حواسنا الخمس: البصر، السمع، الشم، اللمس، التذوق، وظيفة بارعة في إقناعنا بواقعية الأشياء… بيد أنه في الغالب، لا نعتبر أي شيء واقعا إلا إذا اختبرناه بإحدى حواسنا.

هل ينبغي لنا إذن أن نقصي أشياء من الوجود فقط لأن حواسنا عاجزة عن إدراكها؟ ماذا، مثلا، عن تلك المجرات البعيدة، أو تلك البكتيريا التي لا يمكن إدراكها بأعيننا المجردة؟

من الواضح والحال هذه أن حواسنا بحاجة إلى تدعيم. التليسكوبات مثلا تساعدنا على رؤية مجرة ما والميكروسكوبات تمكننا من رؤية البكتيريا… هكذا، ما ستتيحه لنا هذه الأدوات، يقنعنا بوجود ما كنا نقول بعدمه أو لم نكن لندرك وجوده حتى.

اقرأ أيضا: عن التزامن: فكرت فجأة في شخص لم تره منذ ثلاثين عاما، ثم في ذلك اليوم، حدث أن رأيته… كيف حدث ذلك؟ 2/1

هذه الأدوات تساعد حواسنا إذن في بناء صورة عما له وجود؛ أي العالم الحقيقي. بعبارة أخرى؛ الواقع.

أما عن الديناصورات مثلا، فإن لدينا نوعا مختلفا من “المساعدة” هنا؛ يدعى “الحفريات”. بها نستطيع الاستنتاج أن الديناصورات كانت موجودة يوما ما.

مهمة العلم إذن هي الكشف عن الواقع الذي لا نعرفه!

الشمس بما أنها بعيدة جدا، لا يبلغنا ضوؤها إلا بعد 8 دقائق. هكذا، إذا حدث أن انفجرت الآن وأنت تقرأ هذا المقال، لن يكون هذا الحدث الكارثي جزء من واقعك وواقع العالم كله إلا بعد 8 دقائق، وتلك… ستكون النهاية!

فلنضع مرة أخرى حواسنا على المحك… أنت الآن تقرأ هذا المقال؟ حسنا. لكن، هل تعرف أن الكلمة التي تقرؤها الآن، تراها في زمن مضى؟ بلى… فما تراه ضوء، والضوء يحتاج إلى وقت لينتقل، ومن ثم يحتاج إلى جزء من الثانية لا تشعر به حتى يصل إلى عينيك.

الصوت من جهته ينتقل بسرعة أقل كثيرا. لهذا، لا شك أنك حين طالعت في أحد الأيام فرقعة نارية في السماء، رأيتها قبل أن تسمع دويها… ذات التأخر في الصوت تشعر به مثلا إذا كنت تراقب رجلا على مبعدة منك يقطع شجرة بفأس.

الضوء إذن ينتقل بسرعة خارقة تجعلنا نفترض أن ما نراه، يحدث لحظة حدوثه نفسها.

بيد أن الواقع غير ذلك، فالشمس بما أنها بعيدة جدا، لا يبلغنا ضوؤها إلا بعد 8 دقائق. هكذا، إذا حدث أن انفجرت الآن وأنت تقرأ هذا المقال، لن يكون هذا الحدث الكارثي جزء من واقعك وواقع العالم كله إلا بعد 8 دقائق، وتلك… ستكون النهاية!

اقرأ أيضا: “حجر الفلاسفة”… هذه قصة مادة إذا صنعت، خلد الإنسان!

لكن هذا كله لا يعني أن نؤمن بأي شيء قد نتخيله، يؤكد ريتشارد دوكينز… ثمة ملايين من الأشياء التي نستطيع تخيلها لكنها بعيدة عن الواقع، كالعفاريت مثلا… هكذا، ينبغي أن نكون منفتحين عقليا، لكن الأدلة الحقيقية يجب أن تكون السبب الوحيد للاعتقاد بوجود شيء ما.

كيف نحصل على أدلة حقيقية بأن شيئا ما واقع إذن؟

ثمة وسيلة تتيح للعلماء، وفق دوكينز، التحقق مما هو واقع إذا لم تستطع حواسنا الخمس اكتشافه مباشرة، وهذه الوسيلة هي: “النموذج”.

ثمة ملايين من الأشياء التي نستطيع تخيلها لكنها بعيدة عن الواقع، كالعفاريت مثلا… ينبغي أن نكون منفتحين عقليا، لكن الأدلة الحقيقية يجب أن تكون السبب الوحيد للاعتقاد بوجود شيء ما.

يكون هذا النموذج في العادة صورة طبق الأصل لما يود العالِم اختباره، مصنوعا من البلاستيك أو الخشب أو صياغات رياضية على الورق أو محاكاة على جهاز الحاسوب.

هذا النموذج يصنعه العالِم وفق ما يظن أنه سيحدث، مستعينا بإجراء حسابات رياضية أو أدوات قياس؛ ثم في النهاية، يرى إذا كان تنبؤه صائبا أم مجانبا له.

اقرأ أيضا: عندما يخاف العلم من نجاحاته.. التعديل الجيني للبشر

إذا كان صائبا، زادت ثقته في أن النموذج يمثل الواقع حقا، ثم يستمر في تصميم مزيد من النماذج، لعل دقة النموذج تزداد ومن ثم تحقيق نتائج موثوقة للبناء عليها. أما إذا كان تنبؤه قد جانب الصواب، فيرفض النموذج، أو يعدله ويكرر المحاولة.

بهذه الطريقة عرفنا أشياء كثيرة جديدة عن واقعنا الحقيقي، وبها توصل العالم مثلا إلى نظرية مقبولة حول بداية الكون، عرفت بـ”نموذج الانفجار العظيم”.

في الجزء الثاني: كيف كانت بداية الكون في “الواقع”؟

لقراءة الجزء الثاني: بين الأسطورة والعلم: كيف كانت بداية الكون في الواقع؟ 4/2

لقراءة الجزء الثالث: بين الأسطورة والعلم: كيف كانت بداية البشرية في الواقع؟ 4/3

لقراءة الجزء الرابع: بين الأسطورة والعلم… لماذا تحدث لنا الأشياء السيئة في الواقع؟ 4/4

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *