×
×

بين الأسطورة والعلم: كيف كانت بداية الكون في الواقع؟ 4/2

هي ذات الأسئلة يطرحها الإنسان منذ وجد، وأحدها: “كيف كانت البداية؟”. ثمة من أجاب عنه بالأسطورة وثمة من وجد جوابا في دينه… لكن، ماذا كان الواقع حقا؟ ذاك ما ينبري له العلم في محاولة لإيجاد إجابة مقنعة وعلمية.

 جميعنا يعرف “الواقع” وجميعنا لا يعرف حقيقته… باقتضاب، هذه هي الخلاصة التي نستطيع أن نخرج بها من الجزء الأول لهذا الملف، الذي قدمنا فيه تفسيرا لذلك.

ابتداء من هذا الجزء، نقترح عليكم مقارنات بين قول الأسطورة والعلم في الواقع، حيال بعض الأسئلة، كبداية الكون مثلا، لنرى كيف تطور إدراك الإنسان لواقعه، وسنعتمد في ذلك على كتاب عالم الأحياء البريطاني ريتشارد دوكينز، “سحر الواقع”.

هي ذات الأسئلة يطرحها الإنسان منذ وجد، وأحدها: “كيف كانت البداية؟”. ثمة من أجاب عنه بالأسطورة وثمة من وجد جوابا في دينه… لكن، ماذا كان الواقع حقا؟ ذاك ما ينبري له العلم في محاولة لإيجاد إجابة مقنعة وعلمية.

بداية الكون… أسطوريا 

قبل أن يكون هنا عالمنا، لم تكن هنالك أرض، إنما ظلمة مائية وحسب، و… “إله” يدعى “بومبا”! ذات مرة، حدث أن شعر بومبا بآلام في المعدة، فتقيأ الشمس التي بددت الظلام، وجففت حرارتها المياه مخلفة وراءها الأرض. مع ذلك، لم يُشف بومبا إلا بعد أن خرج القمر والنجوم والحيوانات والناس من جوفه.

هكذا بدأ الكون. هذه ليست مزحة! إنما هذا ما اعتقدته قبيلة البوشونغو في الكونغو وفق ما تقول أسطورتهم.

اقرأ أيضا: “جهنم” في الديانات السماوية 2/2

دعونا نرى ماذا تقول أسطورة أخرى، هذه المرة من الصين… تقول الأسطورة إنه، في البداية، كانت السماء والأرض سواء؛ بيد أنها تحيط ببيضة سوداء جد كبيرة.

كل الأساطير، يقول ريتشارد دوكينز، كانت تفترض وجود كائن حي ما قبل أن يظهر الوجود، ويشار إليه عادة بالضمير “هو”، دون تقديم شرح لكيفية وجود الكائن قبل إيجاده للكون.

وكانت توجد داخل هذه البيضة شخصية تدعى “بان جو”؛ وهو رجل عملاق، غزير الشعر، وله رأس كلب كما تصفه الأسطورة. كان “بان جو” يتكور داخل البيضة، فكان يدفع السماء والأرض عن بعضهما، حتى حدث أن نال منه التعب فمات.

ثم من أجزائه وُجد الكون: تنفسه صار ريحا، صوته رعدا، عيناه القمر والشمس، عضلاته أرضا، عروقه طرقا، عرقه المطر، شعره نجوما… أما البشر، فينحدرون من قمل وبراغيث كانت تعتاش على جسمه!

فلننتقل الآن إلى الهند… تقول أسطورة هندية إنه قبل بداية الزمن، كان هناك محيط مظلم كبير من العدم، ينام على سطحه ثعبان عملاق يدعى “اللورد فيشنو”. ثم حدث ذات مرة أن أيقظته همهمة قادمة من قاع العدم، فوجد نبات “اللوتس” قد بزغ من سرته.

وسط زهرة اللوتس، جلس خادم فيشنو، ويدعى “براهما”،  ثم أمر فيشنو براهما بخلق العالم والكائنات الحية… فنفذ براهما الأمر. هكذا ببساطة!

اقرأ أيضا: من أين جئنا؟ وما هو مصيرنا؟ نظرية التطور، الانفجار الكبير، الخلق…؟

كل الأساطير إذن، والتي ذكرناها أعلاه مجرد أمثلة، يقول ريتشارد دوكينز، كانت تفترض وجود كائن حي ما قبل أن يظهر الوجود، ويشار إليه عادة بالضمير “هو”، دون تقديم شرح لكيفية وجود الكائن قبل إيجاده للكون.

على الجانب الآخر، الميثولوجيا الدينية بدورها تقدم لنا “وُقّعا[1]” حول نشأة الكون وبدايته، لكننا سنكتفي هنا بأساطير الأولين.

بداية الكون في الواقع… علميا

طالما لا نستطيع أن نعتبر شيئا ما واقعا بواسطة حواسنا، فثمة أشياء يمكنها دعمنا في ذلك، كما رأينا في الجزء الأول. أما إن كان هذا الواقع غابرا في الزمن مثلا، كبداية الكون، فيعمل العلماء كما ذكرنا في آخر ذات الجزء، باستخدام وسيلة تدعى “النموذج”.

مع انتصاف القرن العشرين، كان قد ظهر نموذجان يتنافسان حول الكيفية التي جاء بها الكون إلى الوجود؛ الأول يعرف بنموذج “الحالة المستقرة” بينما الثاني يدعى نموذج “الانفجار العظيم”.

في النهاية، تخلى العلماء عن نموذج “الحالة المستقرة”؛ لثبوت كونه خاطئا. بعبارة أخرى؛ اتضح أن التنبؤات المعتمدة عليه خاطئة. طبقا لهذا النموذج؛ لم توجد بداية على الإطلاق، إنما كان الكون دائما على الهيئة التي وجدناه عليها.

حدث الانفجار العظيم ما بين 13 و14 مليار سنة مضت. أما السبب الذي أدى إلى هذا الانفجار، فما زال يحير أدمغة العلماء، مع أنهم بحثوا فيه ووصلوا إلى بعض النظريات عن ذلك.

أما نموذج “الانفجار العظيم”، فقد اقترح أن الكون قد بدأ في لحظة زمنية محددة في صورة انفجار غريب. بالمقابل، التنبؤات التي أقيمت بناء على هذا النموذج، ثبتت صحتها على الدوام، وحظيت بالقبول عامة بين معظم العلماء، كما يشير إلى ذلك دوكينز في كتابه.

فكرة الانفجار العظيم تقوم على أن مجرات أخرى مثل مجرتنا “درب التبانة”، تتحرك مبتعدة عنا بسرعة بالغة تفوق مئات الكيلومترات في الثانية.

هكذا إذن، يمكن استنتاج أن الكون آخذ في التوسع، وطالما أنه كذلك، فينبغي القول إنه كان يوما ما أصغر، أصغر فأصغر ثم أصغر، إلى حدود أن كان نقطة واحدة تتضمن كل مادة توجد في الكون… تلك النقطة في لحظة ما توسعت إلى الخارج، وتلك اللحظة تدعى: الانفجار العظيم[2].

اقرأ أيضا: الإسرائيليات… إسلام بنكهة أهل الكتاب. آدم وحواء وجنة الخلد (الجزء الأول)

تمكن العلماء بحساباتهم الرياضية، من تحديد أن هذه اللحظة حدثت ما بين 13 و14 مليار سنة مضت. أما السبب الذي أدى إلى هذا الانفجار، فما زال يحير أدمغة العلماء، مع أنهم بحثوا فيه ووصلوا إلى بعض النظريات عن ذلك.

الحديث هنا بالمناسبة عن الكون الملحوظ فقط… تعبير “الملحوظ” هذا، يعني كل شيء لدينا دلائل على وجوده؛ إذ من المحتمل وجود أكوان أخرى، يتعذر علينا إلى حدود الآن، أن نصل إليها عبر حواسنا أو أدوات التدعيم التي بلغها العلم.

ومن يدري أيضا؟ ربما لا وجود لأكوان أخرى؛ فـ”وجودها” يندرج فقط ضمن منطق التخيل الذي تحدثنا عنه في الجزء الأول، حتى يثبت ذلك!

في الجزء الثالث: كيف كانت بداية البشرية في الواقع؟


[1]  جمع واقع.
[2]  عن مقال: “ما هو الانفجار العظيم؟ ما هو الدليل العلمي عليه؟”، منشور بموقع: https://ibelieveinsci.com

لقراءة الجزء الأول: بين الأسطورة والعلم: الحواس خادعة… كيف غير العلم من إدراك الإنسان للواقع؟ 4/1

لقراءة الجزء الثالث: بين الأسطورة والعلم: كيف كانت بداية البشرية في الواقع؟ 4/3

لقراءة الجزء الرابع: بين الأسطورة والعلم… لماذا تحدث لنا الأشياء السيئة في الواقع؟ 4/4

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *