×
×

عن التزامن: فكرت فجأة في شخص لم تره منذ ثلاثين عاما، ثم في ذلك اليوم، حدث أن رأيته… كيف حدث ذلك؟ 2/1

ثمة ظاهرة هي بعد أشد غموضا وقد حيرت الإنسان منذ فجر الأساطير… إنها ما يعرف بـ”التزامن” أو ذلك الالتقاء الذي يبدو عارضا في الظاهر بين اثنتين من السلاسل لا تربط السببية بينهما، في حادث متوافق هو أبعد ما يكون عن الاحتمال ومحمل بالدلالة في الوقت ذاته.
فما كنه “التزامن” إذن؟

استيقظتَ صباحا وأنت تفكر بشخص لم تره منذ ثلاثين عاما، ثم لاحقا في ذات اليوم، التقيته في مصعد بناية ما…

قصدتَ المكتبة لكي تبحث عن كتب تتحدث عن البيوت البلاستيكية والأجبان، ثم في طريقك، لمحت في كشكٍ مجلةً تضم مقالات عن الموضوعين معا…

مثال آخر: اشتهيتَ وجبة سمك في ساعة متأخرة من الليل، ثم يحدث أن يدق جارك لأول مرة بابك ويعرض عليك أن تتناول وجبة سمك معه.

حسنا، نفترض أنك خمنت عما نتحدث بخصوصه… التزامن!

اقرأ أيضا: هل تعرف ما هي “السرنديبية”؟ فلنكتشف ذلك معا ودون مصادفة! 2/1

يقول الناقد والروائي الإنجليزي، آرثر كوستلر، إنه ثمة ظاهرة هي بعد أشد غموضا من التخاطر والمعرفة المسبقة، وقد حيرت الإنسان منذ فجر الأساطير… إنها ذلك الالتقاء الذي يبدو عارضا في الظاهر بين اثنتين من السلاسل لا تربط السببية بينهما، في حادث متوافق هو أبعد ما يكون عن الاحتمال ومحمل بالدلالة في الوقت ذاته.

بكل تأكيد، قد نتصور أن مثل هذه التوافقات ليست سوى نتاجا لعملية خلط وتوزيع أوراق لعب تطال حوادث الحياة اليومية، لكن… ألا يكذب تكرر حدوثها مثل هذا التأويل؟

نعم، ففي بعض الأحيان نواجه سلسلة من التوافقات الدرامية تظهر أن مثل هذا التفسير، ضرب من السخف المحض!

التزامن واحد من أبرز مكتشفات علم النفس اليونغي، وهو ظاهرة ترابط في التجربة البشرية، مع أن كثيرين اعترضوا على هذا القول؛ ذلك أن الحوادث التزامنية على حد تعبيرهم، ليست سوى توافقات محضة وإن كانت غريبة ولافتة في الغالب.

هذا الملف، إذن، عن التزامن، ونعتمد فيه على دراسة لعَالمي البيولوجيا والرياضيات، آلان كومبس ومارك هولاند، بعنوان “التزامن… العلم والأسطورة والألعبان”[1].

يرى السويسري كارل يونغ، مؤسس علم النفس التحليلي وأول من اعتد بدراسة التزامن، أن أكثر التوافقات المحملة بالمعنى، ذيوعا، هي تلك التوافقات التي تبدو عشوائية في الظاهر في حين أنها حوادث هادفة تكلمنا مباشرة؛ أي تفضي إلينا بمعنى شخصي.

كارل يونغ

من بين هذا قصة تحدث عنها يونغ، عن خنفساء بلغت نافذة مكتبه بينما كانت إحدى مريضاته تقص عليه حلما… ظهرت فيه هذه الحشرة نفسها!

الخنفساء، بالمناسبة، رمز للانبعاث في الأساطير المصرية، وظهورها في الحلم علامة على تطور فارق في علاج تلك المريضة.

في الواقع، يشير يونغ إلى أن معالجة المريضة ظلت بالغة الصعوبة حتى تلك اللحظة؛ ذلك أنها تشبثت بتصور جامد للواقع، بعناد بلغ حد أن أخفق طبيبان نفسيان في التعامل معها قبله.

اقرأ أيضا: “حجر الفلاسفة”… هذه قصة مادة إذا صنعت، خلد الإنسان!

يقول يونغ: “من الواضح أن الأمر كان بحاجة إلى شيء بعيد تماما عن العقلانية مما يتجاوز قدرتي على إحداثه”… هكذا، أنجز الحلم قسطا من عمله، وكان يونغ بحاجة إلى هذه الحشرة التي حلقت حول النافذة، لتهتز البنية الصلبة التي اتسم بها تصور هذه المريضة للواقع.

على كل، أطلق يونغ على هذه التوافقات المحملة بالمغزى، اسم “التزامن”، وربطها بسيرورات نفسية غير واعية.

في الرؤية الميكانيكية للأشياء، تكون الحوادث الباراسيكولوجية كالتخاطر والمعرفة المسبقة، والتحريك بالتأثير النفسي مستحيلة عمليا.

والحقيقة أنه لم يكتف بالجانب النفساني للتزامن، بل اشتغل مع صديقه النمساوي فولفغانغ باولي، عالم فيزياء الكم وصاحب مبدأ الإقصاء، على تطوير فكرة مفادها أنه من الضروري إعادة كتابة قوانين الفيزياء ذاتها على نحو يمكنها أن تشمل تفسيرات لاسببية لعالم الحوادث الفيزيائية علاوة على تفسيراته السببية.

التزامن إذن واحد من أبرز مكتشفات علم النفس اليونغي، وهو ظاهرة ترابط في التجربة البشرية، مع أن كثيرين اعترضوا على هذا القول؛ ذلك أن الحوادث التزامنية على حد تعبيرهم، ليست سوى توافقات محضة وإن كانت غريبة ولافتة في الغالب.

بالتأكيد أن للعلم قوله وللأسطورة قولها، لكن قبل أن نتناول بعضا من ذلك في الجزء الثاني من الملف، دعونا نستأنس بهذه الأفكار الممهدة التي يقدمها كومبس وهولاند.

اقرأ أيضا: من أشهر عمليات النصب والاحتيال في التاريخ: الرجل الذي باع الهندوراس كجنة موعودة 1\5

في العصور الوسطى، آمن الإنسان بأن الله يلعب دورا في جميع الأشياء مهما تكن صغيرة؛ فكل المواد تمسها يد الإله وتضفي عليها التآلف والتناسق.

ثم في أواخر العالم القرسطوي، كان يعتقد أن مستويات الكون متعددة؛ فالأرض من تحت والسماء من فوق، والنفس البشرية بينهما، مستويات مرتبطة معا عبر ضروب من التعاطف المتبادل.

كان للكون عند هؤلاء، صفات الرحم؛ إذ يكتنف الإنسان ويؤازره ويدفعه قدما في دروب الحياة على نحو ذي معنى بطريقة ما. بيد أن هذه الرؤى المريحة، تهاوت في القرن الـ17، من خلال العلم ذي النزعة الميكانيكية.

بمرور الزمن، تفاقم النظر إلى الطبيعة الإنسانية بعيون العالم الحديث، الذي أضفى على البشر مزيدا من خصائص الذرات… صار ينظر إلى البشر على أنه لا دخل لهم فأنزلهم العلم الميكانيكي إلى منزلة أشياء.

هكذا، ما إن ظهرت المدرسة السلوكية في علم النفس أوائل القرن الـ20، حتى راحت تنظر إلى الطبيعة الإنسانية على هذا النحو تماما.

في مثل هذه الرؤية الميكانيكية للأشياء، تكون الحوادث الباراسيكولوجية كالتخاطر والمعرفة المسبقة، والتحريك بالتأثير النفسي مستحيلة عمليا.

اقرأ أيضا: العيد والحرب: كيف حولت رغبة الإنسان في التجديد، العالمَ، من الفرح إلى الدمار؟ 2/1

حاول العلم إذن أن يثنينا عن النظر في أنفسنا بحثا عن معنى الأشياء… على نحو خاص، أثنانا عن النظر تحت السطح الانفعالي لإدراكات أنفسنا بحثا عن المعاني.

النفس هي منبع تلك الخصائص التي نعدها إنسانية فريدة تماما، كالإبداع والحدس والضمير… هذه النفس، هذا الامتزاج للخارج مع الداخل، هي ما صب أهل العصور الوسطى حكمتهم عليه.

بيد أن ضياع بُعْد الطبيعة البشرية الداخلي أحالنا إلى كائنات ذات بعدين تبحث عن معنى الحوادث على سطح الواقع المادي، ناهيك عن قطع رباطنا الوثيق مع بقية الكون.

في الجزء الثاني: هل أعجزَ الإنسانُ بـ”التزامنِ” العِلمَ؟

لقراءة الجزء الثاني: عن التزامن: حين يُعجز الإنسانُ العلمَ! 2/2


[1]  تعريب: ثائر ديب.
تعليقات

  1. Nuha Mansour

    هذا واحد من مواضيعي المفضلة الرجاء الاستمرار فى الكتابة حول نفس الموضوع وشكرا، خاصة أننا تفتقر بكتاباتك باللغة العربية حول نفس الموضوع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *