×
×

معركة أنوال: دعونا نلمس آلام إسبانيا في المغرب… خلال فترة الحماية! 2\3

رأينا في الجزء الأوّل أنّه كانَ ضرورياً توحيد القبائل من أجل تقوية الصف الريفي لمواجهة إسبانيا.
في هذا الجزء الثاني، نعاين بعض تفاصيل معركة أنوال وكيف جرت.

قبل أن تقرع طبول الحرب، كان للإسبان حاميات صغيرة لحماية المعسكر الرئيسي أنوال. على رأس تلك الحاميات، حامية “إغريبن”، وهي تقع على بعد ستة كيلومترات منها.

بعدما شاع خبر هزيمة “أدهار أبران”، استقبلها جنيرال الاستعمار الإسباني، سلفستري، على أنها مجرد نكسة تافهة، وليست بالتي تهزه أو تلفت انتباهه، وقد كانت قوات الخطابي أمامه وجها لوجه بعدما تقدمت من “القامة” إلى المركز الجديد “أمزاورو”.

ما كان لسلفستري إلا أن يصدر تعليماته باحتلال موقع “سيدي إبراهيم” باعتباره أقرب نقطة إلى قاعدة المجاهدين الجديدة. دار القتال بينهم بقوة، إلا أن المجاهدين/الثوار فتكوا بهم ولم يفلت منهم إلا القليل واستولوا على الموقع وما به من عتاد وجعلوها حامية لهم. [1]

ثم اجتمعت القيادة الريفية بزعامة محمد بن عبد الكريم الخطابي، وارتأوا تطويق حامية “إغريبن”، لكونها المركز الذي يستندُ عليه سلفستري لحماية معسكره في أنوال.

حامية إغريبن كانت بمثابة خط أمامي دفاعي لأنوال ويُموّن منها يومياً. لذلك، قرر الخطابي أن تكون هذه الحامية هي النقطة التي تدور حولها المعركة إلى أن يتمكن من تحريرها، باعتبارها المدخل الرئيسي لمعسكر أنوال.

قال الخطابي: “إن موت العدو وحياته منحصر في هذه المعركة. إما أن يفك الحصار المضروب على القشلة (حصن أغربيا) ويبلغ لها التموين، وإما أن يموت على آخره”. [2]

على اعتبار أن العدو يتوفر على عتاد قد يحسم المواجهة المباشرة بسهولة، اختار فريق الثوار خوض حرب خنادق.  تمّ حفر خط من الخنادق، وفي كل خندق خمسة أفراد. يكون البعد بين الخندقين عشرون متراً على شكل نصف دائرة. [3]

اشترط على الثوار ألا يهجموا بإطلاق النّار إلا حين يكون الهدف ظاهراً وقريباً. ولا ينبغي لهم ترك خنادقهم مهما كانت خطورة الوضع.

لعلّ الهدف من هذا، كان هو قطع الإمدادات عن حامية “إغريين” لاستنزاف قوات أنوال، وكانت مهمة الجناح الأيمن من الخنادق هو حماية الوسط “القلب” من تدخل نجدات الخط الإسباني الثاني، ومهمة الجناح الأيسر هو حماية القلب من هجمات حامية “إغريبن” أما القلب فهو محور المعركة. [4]

في بداية المواجهة… 

بعد أربعة أيام من المواجهة العسكرية بين قوات الخطابي والكتائب الإسبانية، باءت كل محاولات الجيش الاسباني بالتقدم نحو حامية أغريبن بالفشل. وظلّ الوضع على ما هو عليه، دون أن يتزحزح الثوار من خنادقهم.

أثناء تبادل إطلاق النّار، سقط بعض قواد الثوار في الصفوف الأمامية قتلى. وهو ما جعل الخطابي يتدخّل بقوله: “أيها الضباط، أيها الجنود، لقد قضيتم أربعة أيام في قتال مستمر أبليتم فيها البلاء الحسن، وقتل فيها أشجع قوادكم، فنعزيكم ونعزي أنفسنا ونعزي الشعب، وعلينا أن نعلم جيدا أن معركة يوم غد ستكون أقسى وأشد، فلا شك أن العدو يستعد ليوم غد بما لديه من قوة وعتاد. ولكني أومن أنه سیمنی بهزيمة بفضل شجاعتكم وثباتكم فاصبروا وصابرو لأنكم تدافعون عن الحق، والعدو يقاتل من أجل الظلم ولن ينتصر الظلم”. [5]

حينها، أرسل الخطابي رسوله إلى قائد حامية إغريبن، وقفاً للمزيد من للقتال، وفكّ حصار الثوار عليه. إلا أن قائد الاسبان رفض عرض الخطابي. كان يعتقد أن إسبانيا ستقدم له يد المساعدة في أسرع الآجال.

تشير بعض المصادر إلى أنّ الهدف من إرسال الرسول، هو الاطلاع على حقيقة الأمر داخل الحامية في إغریبن، فوجدها كما توقع، حيث الجنود في حالة مزرية، لا ماء ولا مؤونة إلا القليل بعدما طالت مدة الحصار. [6]

في صبيحة اليوم الموالي، الموافق لـ 20 يوليوز 1921، خرج الجيش الإسباني من أنوال بزهاء عشرة آلاف جندي، وكانت المعركة، كما توقع الخطابي، شديدة وقوية، استعملت فيها أسلحة عديدة من مدافع ورشاشات وقنابل. غير أن الجيوش الإسبانية لم تستطع فعل أي شيء حيال حامية “إغريبن”، بل ظلّت في حيرة، لأنّ الثوار الريفيين كانوا مستعدّين للأمر.

بينما المعركة جارية، خرجت الحامية التي بإغريبن قصد الوصول إلى القادمين لإغاثتها، لأنه لم يبق لها أمل في البقاء والانتظار لفك حصارها. لكن هذا القرار كان فيه هلاكهم. تعرضوا لإبادة على مرأى قائدهم سلفستري.

بعدما سقطت حامية إغريبن في أيدي الريفيين وغنموا ما بها من ذخائر، انطلقوا إلى تحرير المراكز المجاورة، وانقضوا على جنودها، وبقي إطلاق النيران إلى الليل في تتبع لآثار العدو، الذي لجأ إلى معسكره ليحتموا به.

تقول روايات إنّ ريفيين كانوا ضمن كتائب الإسبان سرعان من انفصلوا عن الجيش الاسباني أثناء المعركة، واصطفّوا إلى جانب قوات الخطابي.

بعد هذا القتال، أمر عبد الكريم رجاله بتحصين المراكز الجديدة والتحضير لمواجهة رد الفعل الإسباني القادم، الذي كان يعرف بأنه سيكون قويا وقاسيا. في تلك الليلة، عمل سلفستري على تحضير جيشه المتبقي… بعدما عرف مدى ضعفه ومدى قوة المجاهدين/الثوار.

يوم 21 يوليوز 1921م صباحاً، أمر سلفستري قواته بالخروج لاستقبال العدو الريفي. على بعد 500 متر من أنوال، اصطدموا بالقوات الريفية التي أمرها الخطابي بالتحرك في قتال عنيف وخشن، لا رحمة فيه ولا شفقة استعملت فيه كل أدوات القتل. [7]

أخذت الجنود الاسبانية تتساقط تباعاً، ثمّ أصدر سلفستري أوامره لنسف القيادة الرئيسية، وقطعِ الطّريق على الرّيفيين لكي لا يضَعوا يدهم على الأسلحة الموجودة فيها.

لم يكن محمد بن عبد الكريم الخطابي يتوقع أن يصل سلفستري إلى هذا اليأس ويهدم مقر قيادته. كان معروفاً على هذا القائد الاسباني أنه باسلٌ وشجاع وذو بأس شديد.[8]

يصف محمد بن عبد الكريم الحال بقوله: “كانت الجنود تركض كالخيل الهائمة. ضباط يفرون ولا يعرفون أين الملتقى. جيش بكامله يتمزق، أفواج تضطرب في ساحة الوغى ولا تستطيع إمساك نفسها، فكانت هدفا لرصاص الريفيين ولرصاص أنفسهم، كان المشهد بشعا للغاية، أشلاء تتناثر في الهواء رؤوس تتطاير في الفضاء بمقذوفات المدفعية والقنابل اليدوية، صراخ وعويل، هتاف وتكبير موقعة مروعة حقا”. [9]

الجنرال سلفستري تمّ اغتياله بعد أن أصابته رصاصة على بعد كيلومترات من أنوال حين كان يحاولُ الهرب.

معركة العروي… و”فشل” تحرير مليلية

لم يفلت من بقايا أنوال عدا شرذمة من الجيش يقودها جينرال يدعى نافارو. كانت هذه الفرقة مكلفة بمهمّة تغطية الانسحاب. نجحت في الهرب من المقاومين نحو الشرق. خصوصاً صوب منطقة جبل العروي.

عندما التجأ الجنرال نافارو ومن معه من جند وضباط إلى معسكر العروي، كان الأهالي يحاصرونه. ذهب إليه القائد الشيخ علي بن حدو البقيوي على رأس مجموعة من المقاومين إلى معسكر أعروي، يطلب من الجنرال نافارو الخروج والذهاب ومن معه إلى مليلة تحت حمايته، شرط ترك كل عتاده داخل المعسكر.

رفض نافارو الحلّ، فما كان من البقيوي إلا محاصرته، والحيلولة دون وصول النجدات والتموين إليه. بعد مرور أربعة أيام… طلب نافارو المفاوضة بعد أن ضاق الحال عليه.

نشب قتال عنيف طوال يومين بلياليهما، انقض فيهما الثوار على العدو في معركة غاية في القسوة، فريدة من نوعها، واضطر البقيوي إلى اقتحام المعسكر، فلاذ الجنود بالفرار، لكن الأهالي أحاطوا بهم وذبحوهم بالسكاكين على آخرهم دون رحمة أو شفقة. [10]

أما نافارو وبعض الضباط، فسقطوا أسرى، حيث كانت معركة مروعة شهدها جبل وسهل العروي يوم 09 غشت 1921.

هذه القسوة من الأهالي، يعود تفسيرها إلى معاملة الإسبان لهم طوال حكمهم في المنطقة، وما مارسوه عليهم من تعسف وبطش واضطهاد.

بعد الانتصار في جبل العروي واستسلام الجنرال نافارو، وجد المجاهدون/الثوار الطريق معبّداً صوب مليلة المحتلّة. وصلوا إليها وضربوا عليها حصاراً، وقذفوها بالمدافع التي غنموها من عند الاسبان[11]، وبقوا ينتظرون الأوامر من القيادة العليا للدخول إليها واسترجاعها بعد خمسة قرون من الاحتلال.

لكن…

جاءت أوامر الخطابي… تمنع الثوار من ولوج مليلية المحتلة.

تعدّدت التبريرات، لكن الذي استقرّ عليه كثير من الباحثين، هو اتفاقهم مع الخطابي في أنّ الاعتداء على مليلة هو اعتداء على منطقة إسبانية باعتبارها محتلة منذ خمسة قرون.

هذه الخطوة خطيرة، وفق تبرير الخطابي، “لأن الهدف هو الدفاع عن أرض الريف، كما أن هذا التصرف معناه التنحية التامة للوجود الاسباني في المنطقة، وبالتالي هو إعلان حرب واسعة تؤدي إلى ردود فعل دولية خطيرة من شأنها أن تكسر حركة التحرر التي يقودها وهي لا تزال في بدايتها”. [12]

​​الخطابي تحدث عن ذلك الأمر ووصف عدم دخول المدينة بـ”الخطأ”، بحيث قال “وصلت إلى أسوار مليلية، وهناك توقفت ومنعت المجاهدين من القيام بتحرير المدينة خوفا من أن يُحدث ذلك مشكلات دولية”، مضيفاً “واليوم، أتأسف على ذلك وأعترف أنه كان خطأ ارتكبته في حياتي”.

في الجزء الثالث والأخير، نرصد نتائج المعركة ومخلفاتها بشريا وسياسياً، وكذلك قيام “الجمهورية”… وانهيارها بعد استسلام الخطابي.

هوامش:

[1]الحواس منصوري، حرب الريف وأصداؤها في الجزائر: 1921-1926.

[2]محمد علي داهش، صفحات من الجهاد والكفاح المغربي ضدّ الاستعمار: محمد بن عبد الكريم الخطابي، دار الشؤون الثقافية العربية، الطبعة الأولى، بغداد، 2002.

[3]الحواس منصوري، المرجع السابق.

[4]محمد سلام أمزيان، عبد الكريم الخطابي وحرب الريف، مطبعة المدني، القاهرة، 1971.

[5]محمد علي داهش، المرجع السابق.

[6] المرجع نفسه.

[7]الحواس منصوري، المرجع السابق.

[8]محمد سلام أمزيان، المرجع السابق.

[9] المرجع نفسه.

[10]الحواس منصوري، المرجع السابق.

[11]أحمد السكيرج الخزرجي الأنصاري، الظل الوريف في محاربة الريف.

[12]الحواس منصوري، المرجع السابق.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *