×
×

مرايانا في مملكة الرحل المغاربة… الإنسان الذي اختار أن يُزاوج الدّم بالأرض! 1\3

بزيارة مرايانا إلى بعض الخيام، المتواجدة بمنطقة المعيدر بجماعة سيدي علي، وأوزينا بجماعة الطاوس، بإقليم الراشيدية، تبيّن أنّ التّرحال، على ما يبدو، يقاوم من أجل البقاء؛ رغم أنه يلفظُ أنفاسَه الأخيرة، نظراً لشتى الاكراهات التي تواجهُ هذه الفئة في أسامر…

هناك… في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية، وبالضبط، في المناطق المتاخمة للحدود مع الجزائر، تنتصبُ خيامٌ في البراري، تشهدُ على آثار الوجود الإنساني.

لولا الخيام، لظنّ الزائر أنّه لا مكان للإنسان هنا، ليعيش في كل هذا الخلاء.

بكلّ اعتزاز، تمشي النساء في أرجاء الخيمة، بينما الأزواج غائبون يرعون الغنم أو مسافرون.

الرّحل في العادة يلزمون خيامهم، ولا يغادرونها إلاّ للضّرورة. لذلك، يندر كثيرا أن تجد الرّحل يتسوّلون. منهم من اختار الترحال طواعيةً، ومنهم من لم يجد عن التّرحال بديلاً آخر.

عددهم في تضاؤُل مستمر، فنسبة قليلة جداً من الرحل باقية، صامدة، تتنفّسُ في الخلاء.

قدرت المندوبية السامية للتخطيط عددهم في آخر إحصاء للسكان، سنة 2014، بحوالي 25 ألف نسمة تعيشُ في الخيام.

هذا العدد يمثل زهاء 7 من أصل عشرة آلاف نسمة؛ وغالبية النسبة، بما يعادل 95% منها، تتخذُ أرض الجنوب الشرقي للمملكة المغربية موطناً، لاسيما بجهات درعة تافيلالت وسوس ماسة وكلميم واد نون والعيون الساقية الحمراء.

بزيارة مرايانا إلى بعض الخيام، المتواجدة بمنطقة المعيدر بجماعة سيدي علي، وأوزينا بجماعة الطاوس، بإقليم الراشيدية، تبيّن أنّ التّرحال، على ما يبدو، يقاومُ من أجل البقاء؛ رغم أنّه يلفظُ أنفاسَه الأخيرة، نظراً لشتى الاكراهات التي تواجهُ هذه الفئة في أسامر.

عازمون على مقاومة كل مظاهر الحضارة ومتمسكون بتراث الأجدَاد. لم يطرُدهم الصّيف الحار في المِنطقة، ولا سمّ البرد القارس في الشتاء. يعَاركون، بضرَاوة، قسوة الطبيعة… ومكر الحَياة.

العوز من جانب الحقوق وانعدام الحاجيات الأساسية واضِح من بعيد، بينما السيارة رباعية الدفع تقترب ببطء. لا أعمِدة للكهرباء في المِنطقة ولا إنَارة في الخيمة سوى الشّموع والمصابيح اليدوية. لا شبكة مائية تلتقطها العيون، ولا أفُق يحدّ البَصر في الوحِيش.

الجفاف… العدو اللّدود للرحل!

بمجرد وصول فريق مرايانا، سارعَت النّساء لجلب الشّاي مرفُوقاً بزيت الزيتون والخبز المطهي في الفُرن الطينيّ. سلوكاتٌ توضّح بجلاء أنّ الرّحل كُرماء… رغم كونهم يحجزُون الرّتبة الأخيرة من طابُور الفَقر.

بيدين متشابكتين، يتحدثُ حماد، وهو أحد الرحل المستقرين بمناطق الطاوس، لمرايانا، موضحاً أنّ الجفاف الذي أصاب المنطقة، يجعل من رحلة الاستمرار صعبة، لأن “معركتنا الحياتية الأولى، هي توفير قدر معقول من الكلأ والماء للقطعان”.

من جهة أخرى، يقول أحد الرّحل، واسمه إيدير، بأمازيغية نترجمها للعربية إنّ: “الرّحل عموماً يميّزون بين الأرض الميّتة والأرض الحية للاستقرار في مكان ما. الأرض الحية هي التي يكون فيها الماء والكلأ متوفراً ولا تموتُ الماشية فيها، وتوفر إمكانية الرّي بشكل منتظم.

في أسامر، “أصبحنا نسجل وفاة القطيع، وحتى بعض الآبار جفّت من الماء، والعطشُ جعل المنطقة أرضاً ميّتة. الأجداد كانوا يختارون الهروب سريعاً من مثل هذه الأوضاع القاسية. لكننا وجدنا أنفسنا مرغمين على البقاء في الفترة الحالية”، يردفُ إيدير.

يعلّق لحسن أيت الفقيه، الباحث في التراث الأمازيغي، مؤكداً على أنّ استمرار التّرحال بمناطق الراشيدية، بالفعل مهدّد، نظراً لاختِلال التّوازن البَيئي. ذلك أنّه، قبل الثمانينيات من القرن الماضي، كانت الأمطار تهطل شهر غشت وشتنبر، وكانت تلك فترة زراعة الأعشاب.

وفق ما يفسّرهُ أيت لفقيه لمرايانا، فإنه “في يوم 7 أكتوبر بالتقويم الجولياني، كان الرحل ينزلون هضبة مسكي وحمادات كير وتاماسينت لقضاء الشتاء في المراعي الشتوية. وفي الأسبوع الثاني من شهر ماي، يصعدون الجبال إلى مراعي تونا تيوراغين ومسروح وإزلان بالنسبة لقبيلة أيت حديدو… لكن، اليوم، تغير كل شيء، حيث انتقل الجفاف إلى قلب الموسم الزراعي”.

هذا الوضع دفع الرّحل إلى الاستقرار على جنبات الأودية لممارسة الزّراعة، أو في المدن لممارسة بعض الأشغَال.

مشاكل بالجمّلة

حسن كوجوط، إعلامي وباحث في تراث الرحل، يحاول سبر أغوار  الإكراهات التي يعاني منها الرّحل اليوم إلى جانب الجفاف، والتي تجعل معنى “الرحل”، ربّما، يلفظُ أنفاسه الأخيرة، ومهدّداً بالنّهاية… التّاريخية.

كوجوط يقول في تصريحه لمرايانا: “تواجه الرّحل بالجنُوب الشّرقي، خصوصاً قبيلة أيت خباش/أيت عطا، مشَاكل بالجملة، نتيجة الصّراعات القَبلية التي ضيّقت على رحّل مناطق أسَامر مجَال التّنقل بينَ المناطق. ونظراً كذلك لظهُور مشاكل التمليك وغزو الإنسان لفضاءات الرّحل للاستثمار الفلاحي، وظهور مُشكل أراضي الجموع والأراضي السلالية ببعض مناطق تحرك الرحل بالجنوب الشرقي”.

كوجوط يضيف أنّ إغلاق الحدود بين المغرب والجزائر، ساهم في تشرذم بعض الرّحل المغاربة العالقين اليوم في الجزائر، خصوصاً في منطقة تيلمومنت إيديشلت، التي ضمّتها فرنسا للتراب الجزائري.

“لقد ساهم هذا الإجراء في ضيق الأفق لدى الرحل، لأن دفاتر التاريخ تخبرنا بمشاركة قبيلة أيت خباش في معركتين سنة 1880 ضد المستعمر الفرنسي بالجزائروحتى تسعينيات القرن الماضي، قبل إغلاق الحدود، كانت الزّيجات تتم بين قبيلة أيت عطا في الجزائر والمغرب، وتكون الزيارات ممكنة وتلقائية. لكن إغلاق الحدود أحدث خيبة لدى الرحل”، يستطرد الصّحافي.

يواجه الرّحل أيضاً، وفق كوجوط، مُشكل التّهريب الذي ينشطُ في الحدُود المغربية الجَزائرية، والذي يكون الرحل ضحاياه، إما باستغلالهم فيه، أو تعرضهم للتحرشات والمضايقات من طرف الجيش الذي يطردهم من بعض أماكن الاستقرار، خصوصاً المناطق التي تعرف منسوباً كافياً من الكلأ.

الخطير هو تفشي سلوكات عدوانية ضدّ الرحل من طَرف بعض المتنطّعين  واللّصوص، الذين يسرقُون جمالهم وماشيتهم. وغالباً ما تسجل أحداث سطو في صفوف الرحل، يقول المتحدّث.

من جهتها، تؤكدُ “الرّحالية” بدّة لمرايانا، أن لديها عائلة في التّراب الجزائري لم تر أيًّا من أفرادها منذ عقدين تقريباً، ولم تسمع عنهم أي شيء، “ومن المستحيل زيارة بلد آخر وأنت لا تتوفر على وثائق الهوية”.

في سياق آخر، تقول بدّة إن الرحل يحسون بأمان أكبر في الخلاء. لكن “تعرض الماشية للسّرقة يزعج، والأوضاع الجوية وندرة التساقطات عمقت الأزمة التي يعانيها رحل أيت خبّاش بتافيلالت عموماً”.

إجمالاً… لا تتسول بدّة ولا حماد ولا إيدير، ولا يعرفون كيف يطالبون بحقوقهم في العيش الكريم. لكنّ رسالتهم واضحة وسلسة ومباشرة، يصلح إجمالها في تدخل الدولة وتقديم المساعدة على توفير الكلأ والماء لقطعانهم، وتوفير الأعلاف زمن الجفاف بكميات معقولة، وتسهيل عملية الدفع.

في الجزء الثاني من هذا الملف، نرصد الخصوصية الثقافية وجهود المجتمع المدني في المنطقة لفكّ العزلة عن الرحل بالجنوب الشرقي.

مواضيع قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *