×
×

سمّ العقارب والحَرارة المفرطة: حيف الطّبيعة في المغرب… و”فشل” الوزارة في توفير الأمصَال! 1\2

الأمصال… هي ببساطة ذاك “الدّعاءُ” الحقيقيّ الذي ما فتئت ساكنة الجنوب الشرقي بدرعة تافيلالت، ومناطق مراكش-آسفي وقلعة السراغنة وبني ملال وشيشاوة والصحراء المغربية وغيرها، تنادي به!

قدوم الصيف ليس خبرا عادياً في بعضِ المَناطق بالمَغرب. مناطقٌ قتل فيها حرّ الجوّ حماسَ الإنسان، واغتَال فيها سمّ العَقارِب والأفاعي كُل هناءٍ، مفسحاً الطريق لغلبة القلق والخوف، الذي زادت جائحة كورونا من حدته.

ما إن يدخُل النّاسُ إلى بيُوتهم في المساء، حتى تخرُج العقاربُ السّامة من جحُورها، حيثُ كانت تختبئ طيلة الفُصول الثّلاثة المتبقّية من السّنة.

في هذه المناطق بالذّات، لا أحدَ ينامُ قبل أن يأتي على ذكر العقارب، ولو بالخير، وقولهم في ذلك: “اللهمّ نجّنا من ذوات السّم أجمعين”.

أحياناً كثيرة، لا يكفي الدّعاء هنا، فأرواحُ الأطفال أزهقت بسبب غياب الأمصال الضّرورية لاستئصال سمّ العقارب…

الأمصال… هي ببساطة ذاك “الدّعاءُ” الحقيقيّ الذي ما فتئت ساكنة الجنوب الشرقي بدرعة تافيلالت، ومناطق مراكش-آسفي وقلعة السراغنة وبني ملال وشيشاوة والصحراء المغربية وغيرها، تنادي به!

السّاكنةُ التي قابلتها مرايانا بمناطق مرزوكة والطاوس والرّملية تحديداً، تؤكّد بنوعٍ من الإحساس “بالحيف”، أن الوفاة محدقة بأطفالهم، نظراً لضعف الجهاز المناعي لدى هذه الشّريحة.

بالنّسبة لهذه السّاكنة، فإنّ الخوّف يزدادُ حدّة بسبب انعدام الأمصال وأدوية العلاج في بعضِ الوحدات الصّحية الأولية القريبة من مرزوكة، وبالمستوصفات والمراكز الصحية القروية، وحتى ببعض المستشفيات الصغيرة أو المستشفى الإقليميّ بالرّاشيدية.

يُنصحُ بالاحتراز عند الجلوس في منطقة قاحلة قريبة من مجرى مائي، وتفادي الجلوس، مساءً، في الأماكن المعشوشبة وبجانب الرّكام الصخري، لأن العقارب والأفاعي تسكنُ بين هذا الركام؛ كما يوصى كذلك بالحرص على عدم وضع اليد داخل أي حفرة.

وزارة الصحة تقول، ضمن إحصائيات رسمية، إنّ نسبة الوفيات الناتجة عن لسعات العقارب انتقلت من 2,37 في المائة سنة 1999 إلى 0,16 في المائة سنة 2019، كما تسجل الوزارة انخفاضا في الوفيات الناتجة عن لدغات الأفاعي، من 13 حالة وفاة سنة 2011 إلى 8 وفاة سنة 2019…

هذه الأرقام ظلّت محطّ تشكيك دائم من طرف سكان المناطق حيثُ توجد هذه الكائنات السامة، وكذلك من طرف الحقوقيين والنقابيين، وكلّهم يلتقون في نقطة وحيدة: أنّ هذه الإحصائيات لا تعبّر عن حقيقة الوضع المأساوي بالنظر إلى اعتبارات عدّة.

“لا نلتمسُ… سِوى توفير الأمصال!”

هذه الجملة ردّدها بعضُ السكان، في حديثهم مع مرايانا، بلكنات ولهجات مختلفة، لكنها تصبّ في معنى واحد، وهو أنّ سكان مناطق تواجد العقارب السّامة، في وقت تغيبُ فيه الأمصال، يعني مصادرة حقّهم في الحَياة.

الحسين نعدي، رئيس فرع جمعية أفريكا لحقوق الإنسان بكلميمة، يتأسّفُ كثيراً، في حديثه مع مرايانا، لتكرار نفس الأسطوانة كل صيف، لتتكرّر معها المأساة سنوياً بتسجيل الإصابات.

ما يزعج الساكنة، يضيفُ نعدي، أن المسؤولين لا يجيدون سوى تقديم الوعود كلما نظّمت الاحتجاجات وتجددت المطالبة ببناء مراكز صحية للقرب، وتجهيز المراكز الموجودة بالإنعاش وتعيين ما يكفي من الأطر العاملة وتجويد خدماتها.

ليس من الضروري أن تنهج الدّولة نفس الحلول الترقيعية، سيما في “إرسال كل حالة إصابة بلسعة عقرب أو لدغة أفعى إلى المستشفيات الإقليمية أو الجهوية التي تبعد بمئات الكيلومترات عن مكان سكن المصابين، بينما حالتهم تستدعي التدخل العاجل”.

هل نتّخذ إجراءات وقائية بقتل تلك العقارب قبل أن تقتلنا، أم نصغي لهذه النداءات القائلة بالهجوم على التوازنات الطبيعة، والتي تغفل، في عمقها، غياب وجود التوازن الحقوقي أولاً وغياب التوازن والعدالة المجاليين ثانيا؟

في أحيان كثيرة، يُلاحظُ أنّ سيارة الإسعاف غير مجهزة بالأوكسجين. وفي أحيان أخرى، تنعدم سيارات الإسعاف من الدواوير البعيدة، فتفشل محاولة نقل المصابين على وجه السرعة.

هذا الخلل دفع مراراً بعض الأهالي للبحث عن سيارة أجرة. الأخيرة بدورها يصعبُ العثور عليها ليلاً… في حالات أخرى، يتكفل أحد أبناء الدوار بنقل الضحايا إلى مستشفيات المَدينة القصيّة جغرافياً عن مكان الإصابة.

أحمد الأمداس، حقوقي وفاعل مدني بشيشاوة، يعتبرُ منطقة مراكش أسفي والنواحي تشاطرُ الجنوب الشّرقي نفس المصير في تعمق المعاناة كلّ صيف، لأن الخلل وطنيّ وليس متعلقاً بجهة دون أخرى.

الأمداس يردف، في حديثه مع مرايانا، أنّه في حال تمّ الارتكان دائماً إلى العلاجات السّريرية، فينبغي توفير مروحيات طبية في المناطق المهدّدة كلّ صيف، إذ هناك من يقضي نحبهُ في الطريق نحو تلقي العلاج، في وقت ينبغي أن يجد العلاج في مدينته بكلّ معاني العدالة المَجالية.

حميد آيت علي، ناشط حقوقي وفاعل جمعوي بمنطقة الطاوس مرزوكة، يعتبرُ أنّ المعطيات الواقعية تشيرُ إلى أن المناطق الجافة، في كثير من الجهات، تخبرُ بوجود أزمة حقيقية يعيشها سكان هذه المناطق المعزولة والنائية، خصوصاً في خيام الرّحل وفي الدواوير المترامية بين الجبال والفضاءات الفلاحية المفتوحة.

الخطر داهمٌ وموجود، يضيفُ آيت علي، سواء في المنازل أو في الحقول، ولا يمكن الحد من هذه المخاطر بالطّرق الحالية…

آيت علي يحكي لمرايانا، أنه كان من بين الشّباب الذين انخرطوا حديثاً في حملة وقائيّة لـ”قتل” كلّ العقَارب التي يُعثَرُ عليهَا نواحِي جماعة مصيصي وجماعة الطاوس وجماعة سيدي علي بإقليم الرّاشيدية.

الحملة انطلقت بالمصَابيح “وجُلنَا كُل مكان نشكّ أن فِيه عقرباً قد يهدّد حياة أطفال وشيُوخ المِنطقة. في الحصيلة، كنا نقتل حوالي مائتين إلى مائتين وخمسين عقرباً سامًّا في كل ليلة، وكنا نركز على العقارب المحادية للقصور، وليس تلك البعيدة في الفيافي التي لن نتأذى منها”.

ليس من الضروري أن تنهج الدّولة نفس الحلول الترقيعية، سيما في “إرسال كل حالة إصابة بلسعة عقرب أو لدغة أفعى إلى المستشفيات الإقليمية أو الجهوية التي تبعد بمئات الكيلومترات عن مكان سكن المصابين، بينما حالتهم تستدعي التدخل العاجل”.

لا يخفي آيت علي أنّ الحملة طرحت إشكالاً بيئيا لدى البعض، الذي اتّهم الحملة بأنّها هجوم على البيئة وضرب لتوازنات الطبيعة. لكنّه مع ذلك يتساءل: هل نتّخذ إجراءات وقائية بقتل تلك العقارب قبل أن تقتلنا، أم نصغي لهذه النداءات التي تغفل، في عمقها، غياب وجود التوازن الحقوقي أولاً وغياب التوازن والعدالة المجاليين ثانيا؟

ما يهمّ أيت علي هو النتيجة، “فطيلة فترة الحملة لم يُسجّل أي قصر أية إصابة، وعاشت الساكنة، لفترة معينة، نوعاً من الرخاء النفسي عوض الحذر الشديد والمزعج”.

ما… العمل؟

عبد اللطيف علاّ، إطار بمندوبية الصّحة بالراشيدية، يرى أنّه، بما أنّ المنطقة حسّاسة، فيجبُ على السّاكنة أن تساهم من جهتها في تطبيق جملة من الإجراءات الوقائية، من قبيل الاحتراز عند الجلوس في منطقة قاحلة قريبة من مجرى مائي، وتفادي الجلوس، مساءً، في الأماكن المعشوشبة وبجانب الرّكام الصخري، لأن العقارب والأفاعي تسكنُ بين هذا الركام؛ كما يوصى كذلك بالحرص على عدم وضع اليد داخل أي حفرة.

في حال تمّ الارتكان دائماً إلى العلاجات السّريرية، فينبغي توفير مروحيات طبية في المناطق المهدّدة كلّ صيف، إذ هناك من يقضي نحبهُ في الطريق نحو تلقي العلاج، في وقت ينبغي أن يجد العلاج في مدينته بكلّ معاني العدالة المَجالية.

بالنسبة للعاملين في الفلاحة، فيجب ارتداء ملابس واقية وأحذية، مع ضرورة تفتيشها بانتظام قبل ارتدائها، بالإضافة إلى سدّ الشقوق المشكوك فيها بالطّين أو الاسمنت وتبليط الجدران.

مع هذه التّوصيات، يضيفُ علاّ، فإنّه عندما يذهبُ المصاب أو المصابة إلى المركز الصحي القريب له، يجدُ أنّه ليست هناك معدات كافية لعلاجه، ويتمّ إرساله للمستشفى الأقرب.

وفق ما يشرحه علاّ لمرايانا، هناك مراحل للإصابة بلسعة العقرب، فإذا كان الوضع ليس خطيراً، أي ما يسمى بالمرحلة الأولى، التي تتسبب فقط في الألم في منطقة الإصابة والانتفاخ والاحمرار، فحينها يتمّ التّعامل مع المصاب محلياً لأن الوضع ليسَ على درجة كبيرة من الخطُورة.

لكن، في المَرحلة الثانية، حيثُ يحدثُ اضطراب على مستوى الضغط الدموي أو دقات القلب، فالحالة تستدعي النقل إلى قسم الإنعاش أو المستعجلات مباشرة لضبط نبض المُصاب، ومحاولة التحكم في وضعه الصّحي، قبل أن يتوفى بفعل انتشار السّم.

في حَال كانَت أفعى أو ثعبان، فتلقّي المصل المضاد لسم الأفعى، الذي لازالت المستشفيات بالمغرب تعتمده، لا يكون إلاّ في إطار المؤسسّات الصحية. نظرا لحساسية الوضع، يشرفُ على ذلك طبيب متخصص، بعد أن يكون المصاب نقل إلى المستشفى الجهوي لتلقي العلاج بسرعة بالغة، دون تأخر قد يعرض حياته للخطر.

لابد من الإشارة لقضية مهمة وهي أنّ لكل نوع من الأفاعي مصله الخاص، يشرح علاّ. لذلك، يوصَى بأن يأخُذ المصابُ معهُ الثعبان أو العقرب الذي لدغه لتمييز أي نوع من الأمصال تصلحُ له.

في الجزء الثاني، نرصد كيف يمكن للمغرب إعادة إنتاج الأمصال وخلفية توقف معهد باستور عن ذلك… وكذلك، كيف يساهم غياب الأمصال في دفع المواطنين نحو الطبّ التقليدي.

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *