×
×

ابتدائية الراشيدية تحكم على الأستاذ الذي اغتصب أطفال تافراوت… ومرايانا تنفردُ بنَشر تفاصِيل الحُكم!

الجريمة سابقة في دائرة الريصاني كلّها، وفي جماعة سيدي علي تافراوت على وجه الخصوص. لذلك، فخيانة هذا الأستاذ للأمانة قد تؤدي إلى انهيار الثّقة في المدرسة، لهذا، لابد أن يكون عقابه شافيا عن كل هذه الخسائر المادية والمعنوية…

بعد أربعة أشهر من الانتظار، حكَمت ابتدائيةُ الرّاشيدية، بعشرِين سنة سجناً نافذاً وغرامَة مالية قدرُها 40 ألف درهم، في حقّ الأستَاذ المتّهم باغتِصاب الأطفَال، بمنطقة سيدي علي تافراوت بإقليم الرّاشيدية، وهي القضية التي كنا قد تابعنا تفاصيلها الموجعة في مقال سابق على مرايانا عنوانه: إلى جانب الفقر… “أستاذ بيدوفيل” يفجع أطفال أكثر المناطق تهميشاً بالجنُوب الشّرقي.

خلق هذا الحكم، الذي يؤرّخ بـ 06 أكتُوبر 2021، سعادةً في النّفوس، وتعالت زغاريدُ “العدالة”، في بيوتِ منطقة تداوت بجماعة سيدي علي… كما لوّحت آهاتٌ عبّرت عن كون منطوق الحكم لا يُشفي… ولا يمكِن أصلاً أن يُشفي ما حدثَ لأطفال الهَامش بأسَامر!

… بعدما انفردت مرايانا بنشر تفاصيل القضية منذ تفجّرها، تنفردُ أيضاً هذه المرّة بنشر تفاصيل الحُكم.

مخاضات الحكم

المحامي مصطفى العلمي، الذي مثّل هيئة دفاع الضحايا، يكشف عن تفاصيل منطوق الحكم الذي جاء بعد أربع جلسات للاستماع لطرفي الدّعوى.

العلمي، في تصريح حصريّ خصّ به مرايانا، يقول إن هذا الحكم جاء بناءً على مجموعة من الأدلّة، التي أكدت لهيئة القضاء أن الاتهامات ثابتة في حقّ المتهم.

“هذه القضيّة علّمتنا أن التّركيز على توعِية الهامش، والقطع مع السّذاجة المُفرطة والثّقة العمياء للسّاكنة، ينبغي أن يكُون مساراً جدّياً لدى الدّولة والفاعِلين الجمعويين، في أفق حمايةِ أطفال المِنطقة وتحصِينهم من الاعتِداءات الجَسدية أو الجِنسية”.

من ضمن تلك الأدلة التي يدفع بها العلمي، أولاً: الشّهود، والذين هم الضّحايا في هذا الملف، والذين بلغ عددهم 12… “فنحنُ في بداية مراحل التّقاضي ارتأينا، كدفاع، أن الأفضل أن نطالب بالحقّ المدني لطرف واحد فقط من بين هؤلاء الضحايا، ونضع البقية كشهود في القضية. وذلك لأنهم يتقاطعُون في مضمُون الشّهادة، أي نفسِ الطّرائق ونفسِ المُمارسات “الشاذّة” التي قام بها “الأستاذ” معهم جميعاً”، يردفُ العلمي.

من بين الأدلة التي استند عليها منطوق الحُكم، أيضاً، يفصح العلمي على أنّه تمّ العثُور على صور الضّحايا جميعهم في هاتف المتّهم، ولو أنّها صُور عادية، ولكن الكمّ الهائل من صور الأطفال القاصرين، يوضح أنّ الأستاذ يعاني من مرض اشتِهاء الأطفال أو البيدوفيليا… ولاسيما أن حتى صور عائلته تتضمن صوراً لصغار السنّ فحسب”.

كما اعتمد القضاء على قرائن أخرى من بينها أنه غير متزوج ويبلغ من العمر 49 سنة… فضلاً عن مغادرة المؤسّسة والمِنطقة بعد تفجّر القضية، وأنه لم يحضر هاتفه الذي يتضمن الصّور حين عودته. لكنّ عناصر الدرك الملكي تمكّنت من حيازة الهاتف وإحالته مع ملف التحقيق للمحكمة، وحينها تمّ الإطّلاع عليه، بحضور دفاع المتهم أيضاً”.

هذا، طبعاً، بالإضافة إلى “قدرة الطفل على التعرّف إلى الجاني من بين ستة أفراد، حيث قام قاضي التحقيق باختبار الطفل، والأخير استطاع أن يشير إلى الأستاذ رغم أنه (الطفل) منعدم التمييز لكونه يعاني من متلازمة داون”.

كتعليق على العقوبة، يرى العلمي أنّها خلقت نوعاً من الارتياح لأنّها شكلت عنواناً للحقيقة، إلاّ أن الحكم ليس نهائياً، وسيكون هناك طعن عبر محكمة الاستئناف، لأن العُقوبة المُستحقّة هي المؤبّد.

يدعم المحامي قوله بكون “القطاع الذي ينتمي إليه المتهم قطاعاً حيوياً وحساساً، لذلك ينبغي أن يكون عبرةً، فليس من المعقول دفع الأطفال إلى هدر الدراسة، وليس من الجيد أن نسمع عن أحداث مماثلة في المدارس”.

الغرامة، التي تعادل 40 ألف درهم، “غير كافية لجبر الضّرر، خصوصاً أنّ الطرف الذي كنا ندافع عنهُ يعاني من متلازمة داون، المعروفة بالتثلث الصبغي”.

محمد بومسهول، وليّ أمر الطفل المدّعي في القضية، والمُطالب بالحقّ المدني، يقول في تصريح لمرايانا إنه، بسبب تفاقم الخوف من أن يفلت المتهم من العقاب، فقد قبلنا بهذا الحُكم، الذي نراه منصفاً ولكنه ليس كافياً”.

والدة الطّفل، الذي يعاني من متلازمة داون، بدورها، لا تخفي، في حَديثها مع مرايانا، أنّها “سعيدة بالحكم، مع تمنيها بتَشديد مُضاعف خلال مرحَلة الاستئناف، لاسيما بعدَما تبيّن عبَر هذا الحكم، وجميع مراحل التّقاضي، أن التّهم ثابتَة في حقّه”.

الحكم… بين يدي الفعاليات الجمعوية!

محمد تغلاوي، رئيس جمعية تافراوت القديمة للبيئة والتنمية والعمل الاجتماعي، التي تبنّت القضية، يرحبُ بالحكم ويعتبرهُ عادلاً ومنصفاً لعائلات الضّحايا، ويُشفي إلى حدّ ما ذلك الإحبَاط والأزمات النفسية، التي خلّفها هتك عرض أبنائهم واغتصابهم من طَرف أستاذهم بعد كلّ تلك الثّقة.

بحسب ما يضيفه محمد تغلاوي في حديثه لمرايانا، فإنّ “هذه القضيّة علّمتنا أن التّركيز على توعِية الهامش، والقطع مع السّذاجة المُفرطة والثّقة العمياء للسّاكنة، ينبغي أن يكُون مساراً جدّياً لدى الدّولة والفاعِلين الجمعويين، في أفق حمايةِ أطفال المِنطقة وتحصِينهم من الاعتِداءات الجَسدية أو الجِنسية”.

 تمّ العثُور على صور الضّحايا جميعهم في هاتف المتّهم، ولو أنّها صُور عادية، ولكن الكمّ الهائل من صور الأطفال القاصرين، يوضح أنّ الأستاذ يعاني من مرض اشتِهاء الأطفال أو البيدوفيليا… ولاسيما أن حتى صور عائلته تتضمن صوراً لصغار السنّ فحسب”

التوعية التي يرادُ استخلاصها من هذا الحُكم، وفق رئيس جمعية تافراوت القديمة للبيئة والتنمية والعمل الاجتماعي، هي أن “الحشومة” و”العيب”، هي نقيضٌ للعدالة التي لابد من أن تسري على الجميع بدون استثناء، وألاّ تكبح جموحها العادات أو الأعراف… فلا عرف في الأصل يشجّع على اغتصاب الأطفال أو السّكوت على اغتِصابهم سوى “عرف” الخوف من “الفضِيحة” أو “الاستِهتار” بقضايا هتك عرض الأطفال.

هنالك العديدُ “من التّصورات الخاطِئة التي نسمعُ عنها كثيراً بأسامر: منها أنّ الطفل قد يكذب لأنه مجرّد طفل، ومنها أن الإفصاح عن شيء مماثل يقابل بالعنف، إما تجاه الطفل لكونه ينبغي أن يصمت بالنسبة لبعض الآباء، أو قد يمارس العنف تجاه الطرف المعتدي على الطفل… وضمن كل هذه التّصورات قد يضيع حقّ الضحية. لكننا، في الجمعية، سهرنا على اتباع طريق قانوني أكثر نجاعةً، ينأى عن كلّ هذه التصورات”، يقول تغلاوي.

يجملُ تغلاوي حديثه مع مرايانا، معتبراً أنّه “من الجميل جداً أن نسمع عن أحكام تُنصِف ساكنة الهامش، ولا شكّ لنا في عدالة القضية ولا في نزاهة القضاء منذ البداية. لكنّ هذا الحكم، بكلّ واقعية، يُشفي الغليل نفسياً وقانونياً واجتماعياً”.

من ناحية أخرى، يعتبر محمد حمدان، الفاعل الجمعوي بمنطقة سيدي علي تافراوت، أن الجريمة سابقة في دائرة الريصاني كلّها، وفي جماعة سيدي علي تافراوت على وجه الخصوص. لذلك، فخيانة هذا الأستاذ للأمانة قد تؤدي إلى انهيار الثّقة في المدرسة، لهذا، لابد أن يكون عقابه شافيا عن كل هذه الخسائر المادية والمعنوية.

ومن جهتها، قالت جميلة السيوري، رئيسة جمعية عدالة من أجل الحقّ في مُحاكمة عادلة، إنّ احتضان الجمعية لهذا الملف، وتنصيب محامي لمواكبته في كل مراحل الدعوى، يأتي في إطار الخدمات التي تعهّدت بها الجمعية، من قَبيل تقدِيم المُساعدة القَضائية ومواكبة الضّحايا أمام المحَاكم.

السّيوري تردفُ، في حديثها لمرايانا، أنّ هذا الملف كان علامة استثنائية في المنطقة، “لكون جرائم الاعتداء على الأطفال في الجنوب الشرقي كانت الجمعية تواجه فيها ثلاثَة مستويات مُعرقِلة”.

المستوى الأول، بحسب المتحدثة، هو لمّا يرفضُ الآباء وضع شكاية لدى الشّرطة القضائية، والمُستوى الثّاني يبدأ عندما يتمّ وضعُها، بينَما يحدُث التّنازل عنها أثناء سَريان المِسطرة، والمستوى الثالث يتعلق بعدَم مناسبة العقوبة للفعل الجرمي، خُصوصاً أنّ هذه القضايا تستهدف الطفولة، ويمكن أن تُسبّب أزمَات نفسية لهذِه الشّريحة.

في ذات السياق، تعتبرُ رئيسة جمعية عدالة أنّ منطُوق الحكم هذا، متناسِب نسبيا مع الفعل الجُرمي، وقد يكون عبرةً، في منطقة معروفة بالتنازل عن الشكايات وهي لاتزال قيدَ البحث.

كان هذا الوضعُ يكبّل دور النّيابة العامّة، فيدفعها إلى حفظ الملف والتّنازل عن الحقّ العام، لاسيما حين يكُون للشّخص الجاني مكانة أو وضعا اجتماعيا اعتباريا، فتُجهضُ عملية الزّجر والرّدع في حق المتّهمين والجناة، تقول السيوري.

في الأخير، هو حكمٌ اعتبرهُ البعض منصفاً، واعتَبره البعض الآخر غير كافٍ… لكنّ السّؤال الأكبر: هل يكفي القضاءُ وحده لوقف جرائم الاعتداء على الأطفال؟

مقالات قد تثير اهتمامك:

تعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *